موضوع رئيسي

الأزمة السورية تلقي بظلالها القاتمة على اللاجئين والبلدان المجاورة

2014/01/23


يكافح نحو ثلاثة ملايين لاجىء سوري نزحوا إلى الدول المجاورة لتأمين احتياجاتهم اليومية والتصدي للتوترات الاجتماعية.

World Bank Group

نقاط رئيسية
  • السوريون يواجهون تحت نير الحرب خياراً صعباً: أما خطر البقاء أو الهروب إلى مستقبل غامض
  • حوالي 3 ملايين سوري لجأوا إلى البلدان المجاورة مما خلق ضغطاً هائلاً على تلك الدول لتقديم الخدمات الأساسية بالإضافة إلى التوترات الاجتماعية
  • مجموعة البنك الدولي تقدم مساعدة طارئة لتعزيز الخدمات الاجتماعية في الأردن وتجري تقييماً شاملاً لأثر الأزمة السورية على لبنان

العابدة، لبنان – في أواخر العام الماضي جلس علي محمد عبد الله وزوجته عبير في منزلهما بمدينة حلب شمال سوريا ليواجها خياراً صعباً:  اما البقاء في سوريا ومواجهة الخطر الناجم عن الاقتتال أم الهروب رغم أن عبير حامل في شهرها التاسع؟

القرار كان بالهروب من ساحة المعارك.

يقول علي البالغ من العمر 22 عاماً، وهو يجلس داخل خيمة في مخيم غير رسمي للاجئين السوريين خارج حلب ويمتد على مساحة صغيرة أمام البحر المتوسط، "كان القتال قريباً جداً منا إلى درجة كنا سنقتل لو بقينا هناك، فقد سقطت  قذائف على سقف الطابق الثاني من مبنانا. لذا هربنا حين سنحت لنا الفرصة، حتى لو كان الأمر شاقاً على عبير." كانت عبير، التي تصغر زوجها بعام واحد، مستلقية إلى جانبه، وبينهما كان يرقد ابنهما الرضيع الذي ولد قبل يومين وأصبح الآن بلا وطن.

خيارهما بات وللأسف خياراً مألوفاً للسوريين. ففي العامين الماضيين، أجبرت الحرب في سوريا نحو 3 ملايين شخص على ترك بيوتهم واللجوء إلى بلدان أخرى في رحلة غالباً ما تحدق بها المخاطر. ويتحمل لبنان والأردن وتركيا العبء الأكبر لهذا النزوح الجماعي. كما وأن التقديرات تشير إلى أن نحو 3.5 مليون شخص آخر نزحوا في داخل سوريا.

أما على الساحة العالمية، فقد نوقشت الأزمة السورية في عواصم تبعد مئات الأميال عن مكان الحدث. ففي مدينة الكويت بحث المانحون الأسبوع الماضي الأزمة الإنسانية، فيما تتحاور هذا الأسبوع في جنيف القوى السياسية المحلية والعالمية  سعياً لإيجاد حل سلمي.

ومع ذلك، فإن اللاجئين ما زالوا يتدفقون من سوريا ويتوجه أكثرهم إلى لبنان. ففي أحد المخيمات لتسجيل اللاجئين السوريين الواقع على مسافة 15 كيلومتراً جنوبي العابدة، وهو تابع للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين في مدينة طرابلس، يسجل المسؤولون هناك دخول نحو ألف لاجئ سوري كل يوم، وقائمة الانتظار للحصول على موعد تمتد لثلاثة أسابيع. تلك هي الحال في واحدة من نقاط التسجيل الخمس للمفوضية في لبنان.

أما السؤال الذي يدور في خلد زعماء الدول المجاورة لسوريا هو: إلى متى يمكن الاستمرار بتحمل هذا الوضع دون تبعات خطيرة وتدهور شديد في الخدمات التي تُقدم للمواطنين؟

وماذا سيفعل العالم للمساعدة؟

في حالة لبنان، يستضيف هذا البلد الصغير نحو مليون و200 ألف لاجىء سوري، أي أكثر من ربع عدد سكانه. فإذا ما قارنا النسبة تلك للولايات المتحدة، فسيكون عدد اللاجئين الذين تدفقوا خلال 18 شهراً نحو 70 مليون شخص، أي ضعف عدد سكان كندا!

إزاء هذا الوضع المتردي، استكملت مجموعة البنك الدولي عملية تقييم للآثار الاقتصادية والاجتماعية على لبنان جراء تدفق اللاجئين السوريين وذلك تلبية لطلب من الحكومة اللبنانية الخريف الماضي. الدراسة خلصت إلى أن عدد اللاجئين قد يصل بنهاية هذا العام إلى مليون و600 ألف شخص، أي ما يعادل 37 في المائة من عدد السكان.

كما أشار التقرير، الذي تم إعداده بالتعاون مع شركاء تنمية آخرين مثل وكالات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، إلى أن الطلب على الخدمات العامة ارتفع بحدة مع تزايد عدد السكان مما يرجح ارتفاع نفقات الحكومة بنحو مليار و100 مليون دولار بين عامي 2012 و2014. ويتزامن ذلك مع احتمال إنخفاض إيرادات الحكومة بنحو مليار و500 مليون دولار بسبب تعطل حركة التجارة وغياب الثقة لدى الشركات والمستهلكين.


Image

علي محمد عبد الله وزوجته عبير.

تصوير محمد عزاقير

" أحمد الله أننا جئنا إلى هنا. "

أما في الأردن، فقد وافقت مجموعة البنك الدولي على مشروعين طارئين للمساعدة على تعزيز الخدمات المقدمة للأردنيين. الأول بقيمة 150 مليون دولار لمساندة نظام الرعاية الصحية ومساعدة الأسر على مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والسكن، والثاني بقيمة 50 مليون دولار مخصصة لمساعدة البلديات على تدعيم الخدمات العامة.

ففي مدينة المفرق المتاخمة لسوريا، إرتفع عدد السكان من 80 ألف شخص عام 2011 إلى أكثر من 200 ألف شخص اليوم بسبب وفود اللاجئين السوريين. رئيس البلدية أحمد حوامدة أكد أن التمويل سينفق لاستئجار شاحنات قمامة على أن يتم شراؤها في وقت لاحق. وأضاف أن ثلاث شاحنات من أصل إحدى عشرة تابعة للبلدية تعمل، وهي لا تجمع القمامة بالسرعة الكافية. وتابع حوامدة "الوضع صعب للغاية. وبصفتي رئيس البلدية فإن القلق الرئيسي هو النظافة لأننا بتنا نشعر بالقلق من احتمال تفشي الأمراض."

بالإضافة إلى الوزر الإقتصادي الذي تلقيه الأزمة السورية على كل من الأردن ولبنان، فإن تنامي التوتر بين اللاجئين السوريين والمواطنين بدأت تزداد حدة، بحسب ما يؤكده المسؤولون. ويعود سبب ذلك إلى ازدحام المدارس، والتنافس على الوظائف، والضغط على الخدمات مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي. لكن التوتر هذا يقابله كرم تجاه السوريين من جانب بعض الأسر اللبنانية والأردنية. فلا يمكن لأحد أن ينكر بأن محنة اللاجئين تمزق القلوب.

آلاء برغوث لاجئة سورية تبلغ من العمر 31 عاماً. تقف هذه الشابة خارج مخيم المفرق عند نقطة لتوزيع البطانيات، تابعة لجمعية الهلال الأحمر الأردنية. تقول آلاء "إن الأردنيين متعاطفون بشكل عام مع محنة السوريين وإن هناك الكثير من صلات القرابة بين الشعبين." لكنها تضيف أنه "في حين أن ذلك التعاطف يساعدهم إلا أن وضع عائلتها صعب للغاية." فزوجها وهو محاسب لا يستطيع وفقاً للقانون الأردني العمل  في الأردن. والضغط المادي الذي تواجهه الأسرة دفع بجميع أفرادها للعمل، بمن فيهم الطفلان البالغ عمرهما 6 و7 سنوات. "إنهما يجمعان النفايات المعدنية"، تقول آلاء وهي تضع يدها على فمها وعيناها إغرورقت بالدموع، قبل أن تعود إلى عائلتها لتكابد المأساة التي يعيش في ظلها اللاجئون السوريون.

أما في لبنان، تقف أم علي أمام مركز تسجيل المفوضية العليا وتقول إن أسرتها تنتقل من وضع صعب إلى آخر صعب أيضاً. لكن رغم ذلك، هي تعرب عن إرتياحها لوصول جميع أفراد عائلتها إلى لبنان سالمين. وتكشف أم علي أـنه "استطعنا مغادرة حلب بمعجزة، فكثرة الصعوبات التي واجهناها هناك حتمت علينا الرحيل."

بتول هي إحدى ابنتي أم علي، تبلغ من العمر 22 عاماً. تقول بتول "سافرتُ مؤخراً إلى سوريا لتقديم طلب دخول إلى إحدى الجامعات لكن حين بدأ القتال في الشارع فقدت الأمل بالعودة لأن الأمر بات في غاية الصعوبة. لكن الحمد لله أنني استطعت الخروج بسلام. وقال لي والدي في ذلك اليوم إنه ينبغي علي أن أنسى مواصلة دراستي."

لكن بالرغم من حجم المأساة تصر بتول على مواصلة تحصيلها العلمي وتقول إنها تأمل بالعودة إلى حلب وأن تعود الأمور إلى طبيعتها.

لكن الأمل لا يراود كثيراً من السوريين. فمنهم من يقول إنهم سئموا من محاولة اجتياز الصعاب في لبنان. فبالنسبة لعلي محمد عبد الله وزوجته عبير فهما لم يستطيعا تسجيل دخولهما إلى لبنان لأنهما لم يحملا وثائق هوية معهما حين  فرا من حلب. كذلك لم يتمكنا بعد من إبلاغ والديهما بالخبر السار وهو أن عبير إنجبت طفلها بسلامة. أما أقاربهما فهم مشتتون في سوريا وتركيا.

وفي حين أن الظروف هي التي تحكمت وما زالت تتحكم حتى اليوم بمصيرهما، إلا أنهما نجحا في فعل شيء واحد على الأقل، وهو إختيار اسم لابنهما. فوقع خيارهما على اسم أحمد. وبالرغم من المعاناة ينظر عبد الله نحو ابنه المولود حديثاً وهو يرقد إلى جانبه ثم يقول "أحمد الله أننا جئنا هنا."