موضوع رئيسي 2019/03/07

رائدات أعمال فلسطينيات يفتحن آفاقا جديدة أمام النساء والرجال

Image

آية كشكو وواحد من فريق العمل معها


في كل يوم يدخل غزة أكثر من 200 شاحنة يحمل كل منها نحو 24 صندوقا خشبيا من البضائع. يتم توزيع البضائع، أمَّا الصناديق فيجري في العادة التخلُّص منها في الشوارع.

المثل القائل "قمامة شخص هي كنز شخص آخر" يصدُق أكثر ما يصدُق في حالة آية كشكو التي لم يتعد عمرها 26 عاما وأسَّست مشروعا ناجحا تديره في غزة بعنوان "بساطة". أطلقت آية مشروعا يقوم على إعادة تدوير الصناديق الخشبية الملقاة في الشوارع وتحويلها إلى قطع أثاث عالية القيمة. في كل يوم يدخل غزة أكثر من 200 شاحنة يحمل كل منها نحو 24 صندوقا خشبيا من البضائع. يتم توزيع البضائع، أمَّا الصناديق فيجري في العادة التخلُّص منها في الشوارع. إنها أذى لأعين الناظرين، ليس هذا فحسب، فهي أيضا في هذه المدينة الصغيرة المكتظة بالسكان خطر على البيئة.

 آية خريجة كلية الهندسة المعمارية واحدة من عدد صغير ولكنه متزايد من النساء اللاتي يتحلين بروح الابتكار في الأراضي الفلسطينية اللاتي يفتحن آفاقا جديدة في مجالات غير تقليدية ذات تأثير كبير. وفي تقرير للبنك الدولي صدر في الآونة الأخيرة تحت عنوان "زيادة فرص العمل المتاحة للنساء الماهرات في الأراضي الفلسطينية (باللغة الإنجليزية)" بدعم من الحكومة النرويجية كانت إحدى السمات اللافتة هي رأس المال البشري غير المستغل للقوة العاملة الفلسطينية. وتغلب النساء والشباب على هذا المعين غير المستغل من المهارات ورأس المال البشري.

تقول آية: "إنني أسعى جاهدةً لإتاحة الفرص وبث الأمل في نفوس شباب غزة الذين كان الكثير منهم عاطلين قبل العمل في شركتي. وأود بوجه خاص تشجيع وتحفيز مزيد من النساء في هذا المجال، وإحدى الأفكار المطروحة هي إنشاء مركز لتدريب النساء [في ورشتي لإشراكهن في التصميم والتسويق، وكذلك في التنفيذ والتصنيع، وهو المجال الذي يهيمن عليه الذكور."

ثلاثة تقريبا من كل أربع خريجات من معاهد ما بعد المرحلة الثانوية في الأراضي الفلسطينية ملتحقات بالقوى العاملة لكن ما يقرب من نصفهن عاطلات. ومع أن نسبة الذكور المتعلمين في القوى العاملة مرتفعة أيضا فإن معدل البطالة في صفوفهم أقل كثيرا، إذ يبلغ 18%. وثمة أيضا تفاوتات كبيرة بين المناطق. على سبيل المثال، فإن 60% من النساء النشطات اقتصاديا الحاصلات على تعليم ما بعد الثانوي عاطلات في غزة، في حين لا تتجاوز النسبة في صفوف نظرائهن من الذكور 28% (الشكل 1).

Image
الشكل 1: معدل البطالة حسب نوع الجنس، والمستوى التعليمي، والمنطقة: الضفة الغربية وقطاع غزة، 2015

ثمة أسباب كثيرة لتفوُّق الرجال المتعلمين على النساء في سوق العمل، لاسيما في القطاع الخاص. فالنساء يواجهن الكثير من القيود منها احتمال تمييز أرباب الأعمال في المعاملة بينهن وبين الرجال. ولم يتضح في أي مرحلة تصبح التفرقة في المعاملة في العمل التي تتعرض لها النساء قيدا معوقا، لكن الشواهد تنبئ بأنها قد توجد في مرحلة الدخول إلى سوق العمل. والاعتقاد السائد فيما بين أرباب الأعمال الذي كشفت عنه مسوحٌ نوعية هو أن الرجال أحق بالوظيفة من الإناث. 

ويوجد أيضا تمييز في الأجر في القطاع الخاص، وهو ما قد يُشكِّل عائقا إضافيا أمام الدخول إلى سوق العمل. وأظهر التقرير أنه لو تساوت النساء الفلسطينيات العاملات في الأجر مع نظرائهن الذكور الذين يتمتعون بالقدر نفسه من مزايا رأس المال البشري وخبرة سوق العمل، لحصلن على أجر يزيد ما بين 68% و76% عما يحصلن عليه في الوقت الحالي. وقد تؤدي التفرقة في المعاملة التي تتعرض لها النساء أيضا إلى تركُّز الرجال في مناصب الإدارة العليا. وفي عام 2013، بلغت النسبة المئوية للإناث اللاتي أصبحن في مناصب الإدارة العليا بالقطاع الخاص الرسمي 1.2% فقط مقابل متوسط قدره 5.1% لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و19% على المستوى العالمي.


Image

 آية وموظفوها يعملون في ورشة بساطة


ويشير التقرير إلى أن الكثير من الممارسات التي تنطوي على تمييز وتحامل على المرأة يكمن في غياب قوانين تحمي من الأشكال الضمنية والصريحة للتمييز في المعاملة. فالقانون لا يشترط المساواة في الأجر عن العمل متساوي القيمة، ولا يشترط عدم التمييز في التعيين على أساس نوع الجنس، ولا يحظر سؤال أرباب العمل عن الوضع الأسري. وتسهم القوانين التي تفرض على أرباب الأعمال تغطية مزايا الأمومة بالكامل مع عدم وجود منافع مُقرَّرة للأبوة في إثناء الشركات عن تعيين الإناث.

 وتواجه النساء المتعلمات أيضا قلة الفرص المتاحة. ففي عام 2015، كان 48% من النساء المتعلمات يعملن كمعلمات محترفات مقابل 15.2% فقط للرجال المتعلمين، حتى على الرغم من أن معدل البطالة في هذه المهنة وصل إلى 68%. وقد تكون الكثير من النساء راغبات في التدريس لكن تركزُّهن في مجالات معينة يكشف عن الكثير من المعوقات والحواجز الأخرى. ومن هذه المعوقات نقص الخدمات ميسورة التكلفة عالية الجودة لرعاية الطفل، وعدم وجود تدابير لمكافحة التحرش الجنسي في مكان العمل، وكذلك القيود الإسرائيلية على الحركة والتنقل، والافتقار إلى شبكات يعوَّل عليها للنقل والمواصلات. 

إن ريادة الأعمال ليست حلا سحريا، لكن الاستثمار في النساء اللاتي يتحلين بروح الابتكار يؤدي إلى إتاحة مزيد من الوظائف للنساء في مناصب أفضل في الأراضي الفلسطينية وعلى المستوى العالمي.  وتتجه صاحبات الأعمال في العادة إلى تعيين عدد أكبر من النساء كموظفات وفي المناصب القيادية. 

 تقول هيلدا هارالدستاد من المكتب التمثيلي للنرويج لدى السلطة الفلسطينية: "في نظر النرويج، يحظى تعزيز حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين بأولوية قصوى وسيبقى كذلك بوجه عام وفي تعاوننا هنا في الأراضي الفلسطينية. وعلى الرغم من خطوات السلطة الفلسطينية للنهوض بحقوق المرأة على المستوى الوطني يصعب رؤية أثر ذلك، والتنفيذ الفعال لمبادرات السياسات على أرض الواقع. ويجب اتباع سياسات مُوجَّهة جديدة وتنفيذها من أجل زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة."

ويُركِّز البنك الدولي على إتاحة فرص إنتاجية للنساء في الأراضي الفلسطينية عن طريق إيجاد حوافز لزيادة الاستثمارات في المشروعات المملوكة للنساء. وتشجيع العمل الإلكتروني فيما بين الشباب الغزاويين الذين يتمتعون بخبرات عمل قيمة من أجل الفوز بفرص عمل أفضل في المستقبل، ومساندة التسجيل في القطاع الرسمي لمنشآت الأعمال المنزلية، وهي ما تفضله النساء في العادة بسبب القيود على الحركة والانتقال التي تزداد صعوبتها في سياقات الهشاشة والصراع والعنف.

 غير أن سد الفجوة بين الجنسين على نحو مستدام في نهاية المطاف يتطلَّب معالجة شاملة لكل القيود والمعوقات التي تم تحديدها. والبداية في هذا السعي هي إصلاح فوري للقوانين التي تميز بين النساء والرجال، وفي الوقت نفسه إيجاد بيئة خالية من التفرقة في المعاملة فيما يتصل بالتشغيل في القطاع الخاص.



Api
Api