2017/10/06

تحفيز التحول: التزام مجموعة البنك الدولي بتحقيق النجاح

"الكهرباء هي كل شيء! إنها التكنولوجيا- بدونها تتوقف الحياة! لا يمكنك أن تشغل الغسالة، أو تشاهد التلفزيون، أو تنظف. بدونها أنت لا شيء!" فاطمة أياز، صاحبة مقهى في بيليشيك، تركيا، تدخل في الموضوع مباشرة. فهي تعتمد في حياتها اليومية على الكهرباء المتوفرة بأسعار ميسورة لإعالة أسرتها وخدمة زبائنها. وبمعنى أوسع، فإن هذه الحاجة إلى الحصول على الكهرباء تشكل عنصرا أساسيا للنمو الاقتصادي.

في تركيا، التي يناهز عدد سكانها 80 مليون نسمة، يشهد الطلب على الكهرباء زيادة بنسبة 7% سنويا، مما يتطلب جهودا دؤوبة لزيادة الطاقة المضمونة والنظيفة. من خلال سلسلة من الإجراءات المتصلة بعضها ببعض والتي بدأت في أوائل الألفية الثالثة، سعت تركيا إلى تلبية هذا الطلب المتنامي، في الوقت الذي عملت فيه على تحفيز استثمارات القطاع الخاص والابتكار. وقد لجأت إلى مجموعة البنك الدولي للمساعدة على مدار هذه العملية.

ما المطلوب لإحداث أثر تحوّلي في قطاع ما، وتلبية احتياجات البلاد مع ضمان الاستدامة على المدى البعيد؟ إن قطاع الكهرباء التركي الذي انخرطت فيه مجموعة البنك الدولي لأكثر من عقدين يسلط الضوء على جانب من العناصر المطلوبة وكيف يمكننا أن نساعد فيها.

الأزمة والفرصة

واجهت تركيا أزمة اقتصادية كبيرة بين عامي 2000 و2001. من بين التحديات العديدة، أبرزت هذه الأزمة الأعباء الأولى لجهود الخصخصة في قطاع الكهرباء.

فقد صُممت بعض الصفقات التي أبرمتها الحكومة مع القطاع الخاص في تسعينيات القرن الماضي بطريقة لا يمكن أن تخفف من الأزمة. ولذا اضطرت الحكومة إلى إلغاء بعض عقودها، وإحالة العديد من الحالات إلى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، ذراع مجموعة البنك الدولي المعني بالتعامل مع منازعات الاستثمار الدولية.

ووفقا لتعبير أحد مسؤولي البنك الدولي كان يعمل على حافظة مشاريع تركيا في ذلك الحين، كانت "فترة كسرت ظهر القطاع الخاص"- وخاصة الشركات الخاصة التي بدأت الاستثمار في قطاع الكهرباء بالبلاد.

لكن مجموعة البنك الدولي لم تكن في الحقيقة حديثة العهد بهذا الوضع عندما اندلعت الأزمة. كانت مشورتنا أحد المدخلات خلال تقييم الحكومة التركية لخياراتها في تسعينيات القرن الماضي من أجل جذب القطاع الخاص إلى قطاع الكهرباء. رغم أن نموذج الحكومة المبكر للخصخصة لم يثبت أنه يستعصي على الأزمات، فقد ظللنا معهم في أزمتهم، التي جددت عزمنا على المساعدة في الوصول إلى حلول أكثر استدامة. ومع مرور الزمن، أدت هذه الشراكة إلى المزيد من المشاركة المستقرة والمتكافئة من جانب القطاع الخاص في هذا القطاع.

بنظرة إلى الوراء لهذه السنوات، ما هي العناصر التي ساعدت على الدفع في اتجاه هذا التحول؟

شركاء في الإصلاح

من جانبها، التزمت الحكومة بقوة بإشراك القطاع الخاص. وأصبحت الأزمة هي الشرارة التي أشعلت جذوة الإصلاحات الطموحة وبعض الخيارات الصعبة من أجل تنفيذ المهام بشكل صحيح. أقر البرلمان التركي تشريعا عام 2001 نشأت بموجبه مؤسسات جديدة ترمي إلى توفير البيئة المواتية. وكانت رؤية إحداث تحول في قطاع الكهرباء خطة نابعة من الدولة عن حق.

وشهدت الأعوام التي تلت الأزمة جهودا واسعة من قبل البنك الدولي لدعم الإصلاحات. في الوقت الذي كانت الحكومة حريصة فيه على إحداث هذا التغيير، كان لدينا الإرادة للالتزام به مع التزام المرونة. حشدنا الخبرات من مختلف أنحاء العالم، وحافظنا على المشاركة الثابتة والمستمرة مع صانعي القرار. يتذكر فريقنا أن بعض التطورات الرئيسية كانت تحدث وفقا للظروف، خلال لحظات عابرة في جدول أعمال الوزراء المزدحم. ويصف مسؤول حكومي كان مشاركا عن كثب مساهمة البنك الدولي بأنها "كانت عاملا أساسيا في ذاك الوقت، وناجحة للغاية."

ترسخت رؤية الإصلاح في صلب القانون. إلا أن المواعيد التي أعلنت لإنجازها أثبتت أنها لم تكن واقعية. كانت الخطة الأصلية تقضي باستكمال الإصلاحات خلال ثلاث سنوات؛ لكنها في الحقيقة استغرقت ما بين 10 و12 عاما. يحتاج الأمر إلى وقت ومرونة لبلورة هيكل السوق وتصميمه وخلق المؤسسات وبناء قدراتها. تحتاج البلاد إلى طائفة كبيرة من أوجه الدعم وهي تنفذ برنامجها الإصلاحي حسب التشريع، ونحن نعمل على مواصلة انخراطنا واستجابتنا على مدار العملية.

التحدي الذي يواجه التنفيذ

انتقلت تركيا من شركة واحدة مملوكة للدولة تحتكر إدارة قطاع الكهرباء إلى شركات متعددة الأطراف ومتخصصة تتعامل مع توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها. وكان على هذه الشركات أن تنجح وتنافس، مع اتخاذ القرارات الضرورية بشأن أنواع العقود والمكونات المادية والشبكات، وإعداد المبيعات والامتيازات. كذلك، احتاجت الهيئة التنظيمية الجديدة الوقت للتجهيز والتوظيف ووضع الميزانية؛ وتطلب هذا سنوات من بناء القدرات ودفعة كبيرة لتشغيل الأنظمة الفنية المعقدة.

وفر البنك الدولي الخبرات الفنية ودعم السياسات بشأن هيكلة السوق، واللوائح التنظيمية والتسعير. كما قدمنا قروضا لسياسات التنمية لدعم جهود الحكومة لفتح أسواق الكهرباء. وقد أتاح سوق الجملة الذي أطلق عام 2006 لمستثمري القطاع الخاص سوقا ذات مؤشرات تسعيرية واضحة. بحلول عام 2007، تم تحرير 40% من سوق الطاقة.

ومع هذا، فإن الأمر يستغرق وقتا أيضا لبناء المصداقية لاستثمارات القطاع الخاص. كانت تركيا محظوظة في أن لديها المستثمرين المحليين الأساسيين، مما أتاح للممولين المحليين من القطاع الخاص تحريك العجلة في مرحلة مبكرة سبقت المستثمرين الدوليين. إن الفاعلين المحليين يمكن أن يكونوا مهمين لمنح المصداقية والقوة لهذا النوع من الإصلاح، فهم يضفون الشرعية على الجهود ويساعدون في زيادة الإقبال المحلي، مما يجعل الحكومة أكثر استجابة، ويحسن استقبال الجمهور. 

في حالة تركيا، كانت الإصلاحات تعني إعادة تمثيل الفاعلين الأوائل الذين شاركوا في صفقات الخصخصة السابقة. وبلغت جهود الإصلاح نقطة فاصلة في  الاستثمارات الخاصة فور بدء عمل سوق الكهرباء الجديدة. 

الدعم المالي المحفز

شاركت مع تركيا كافة مؤسسات مجموعة البنك الدولي - البنك الدولي، مؤسسة التمويل الدولية، الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار- وطائفة كبيرة من أدواتنا الاستثمارية. في الوقت الذي بدأت فيه ملامح سوق الكهرباء تتضح، التقت كل الدعوم التي قدمتها مجموعة البنك الدولي لتركيا في قطاع الطاقة، بالتزامن الناجح بين الدعم الفني لمنبع المشروع وقروض السياسات المقدمة من البنك الدولي، و الاستثمارات التي تركز على القطاع الخاص والضمانات المقدمة من مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار .

بالنسبة للبنك الدولي، ساعد الإقراض العام في تحفيز الاستثمارات الخاصة، وتيسير حصول الفقراء على الكهرباء، ومساعدة قطاع الكهرباء على أن يصبح أكثر وعيا بتغير المناخ. وكمثال رئيسي، كان لقرض بقيمة 202 مليون دولار مقدم من البنك الدولي عام 2004 الفضل في تيسير إطلاق تركيا لقطاع الطاقة المتجددة. كان لهذا تأثير داعم وضخم إذ أدى إلى جذب استثمارات خاصة بمليارات الدولارات. 

"تركيا بلد ذات قدرات متنامية من الكهرباء واحتياجات الطاقة. ومن ثم، فمن الأهمية بمكان تنويع البدائل والاستفادة منها ومن تكنولوجيات الطاقة التي تتسم بالكفاءة."
أركان ساياري
مدير عام، شركة نوح للأسمنت

مشاركة البنك على المدى البعيد على العديد من الجبهات ساعدت في فتح أبواب الاستثمار حيث استطاعت مؤسسة التمويل الدولية أن تدخل السوق. ومنذ عام 2008، تستثمر المؤسسة في شركات الكهرباء الخاصة- حيث تشجع المزيد من مشاركة الشركات الخاصة- بينما ساهمت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بضمانات بلغت 300 مليون دولار. استثمرت المؤسسة ثلاثة مليارات دولار في توزيع وتوليد الكهرباء، قدمت منها 1.2 مليار من حسابها الخاص، وجمعت 1.8 مليار أخرى من ممولين آخرين.

وعملت مؤسساتنا معا، وقسمت السوق إلى شرائح لتقديم التمويل لكل من القطاعين العام والخاص. أثبتت العلاقة أنها تكافلية وفعالة. في البداية، كثفت مؤسسة التمويل الدولية مشاوراتها مع البنك الدولي لفهم السوق. ثم تمكنت، بعد أن اكتسبت الخبرة بشأن ما يصلح وما يحتاج إلى تحسين في السوق، من تقديم آرائها للمشاريع التي يقوم بها البنك الدولي مع الحكومة. بالعمل في شراكة وثيقة، استطعنا صقل الجهود بناء على الأدلة والدروس المستفادة. 

"استثمارات مؤسسة التمويل الدولية رمز للثقة في قطاع الطاقة التركي ككل، وتعد مثالا يحتذى ويشجع المؤسسات الاستثمارية الأخرى."
حمدي أكين
رئيس شركة أكفن القابضة

بحلول عام 2015، وصلت استثمارات مجموعة البنك الدولي وارتباطاتها إلى سبعة مليارات دولار. مع تحول قطاع الكهرباء إلى سوق مفتوحة وتنافسية، ساعد هذا الدعم على تحفيز استثمارات بأكثر من 55 مليار دولار من القطاع الخاص منذ عام 2000.

Image

إحداث التحوّل

اليوم، بات توزيع الكهرباء في كل أنحاء تركيا في أيدي القطاع الخاص. وزاد توليد الكهرباء خمسة أضعافه تقريبا، من 58 غيغاواط ساعة عام 1990 إلى 273 غيغاواط ساعة عام 2016، ينتج القطاع الخاص 90% منها. وبلغت نسبة وصول الكهرباء لجميع سكان تركيا 100% بحلول عام 2014. وبحلول عام 2013، كانت الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة قد وفرت على البلاد بالفعل ما يعادل 25 مليون طن من النفط. 

 

"بحلول عام 2015، "من خلال الخصخصة والاستثمارات الجديدة، تقلص نصيب الدولة من 100% تقريبا إلى 30%."
بوداك ديللي
المدير السابق، وزارة الكهرباء التركية

أثبت عدد قليل من الإجراءات التي اُتخذت أهميتها الخاصة لنجاح تركيا. وضعت الإصلاحات إطارا تنظيميا، بتسعير معين ومعروف مسبقا، وأهداف واضحة، وكيان تنظيمي مستقل. واحتفظت الحكومة بالأصول في أيديها، وباعت حقوق التشغيل فقط: وأتاح هذا للشركات أن تبدأ بداية جديدة. كما تجنبت الحكومة إصدار ضمانات كي يتحمّل المستثمرون مخاطر السوق.

وتتويجا لمسيرة الانفتاح والمنافسة، أصبح لدى البلاد بورصة ناجحة للكهرباء منذ عام 2015 تعمل بشكل جيد. تظل أهداف تركيا طموحة- بحلول عام 2023، تخطط أن تكون كفاءة الطاقة لديها أكثر بنسبة 20%، مع تلبية الطاقة المتجددة لنحو 30% من احتياجاتها من الطاقة. 

نموذج لمشاركات أخرى؟

هل يقدم النجاح الذي حققه قطاع الكهرباء التركي نموذج تخطيطي لمشاركاتنا في بلدان وقطاعات أخرى؟

بالتأكيد، ونحن ننظر إلى إصلاحات البلدان الأخرى، فإن الجهد هنا يثري فكرنا. على سبيل المثال، غير رؤيتنا الافتراضية السابقة عن أنه ينبغي في البداية الإسراع في تعديل التسعيرة؛ فقد أصبحنا أكثر صبرا. نتطلع إلى تطبيق الدروس المستفادة مع الإقرار بضرورة تصميم مساعدتنا بما يتلاءم وظروف كل بلد.

البلدان التي نتعامل معها هي التي تتولى إدارة دفة الأمور، والعامل الأهم للنجاح هو الالتزام والدعم من قبل صناع القرار فيها. وتقف مجموعة البنك الدولي على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة، بتوفير الخبرة التي تعكس إلمامنا العالمي، والمدعومة بعقود من الخبرات في القطاعين العام والخاص. نقدم طائفة كبيرة ومتنامية من الأدوات المالية، كما أن مشاركتنا تساعد على زيادة الاستثمارات من قبل أطراف أخرى فاعلة في السوق.

هذه في الأساس قصة بلد تعلم من التجارب وجاء بحلول لتحدياته الخاصة، مستفيدا من خبرة وتمويل مجموعة البنك الدولي، والدعم الجاهز على مدار العملية. لكل بلد ظروفه الخاصة بالطبع. فلم تكن تركيا تتمتع بميزة أن لديها فاعليها المحليين فقط، لكنها استفادت أيضا من علاقتها بالاتحاد الأوروبي، بما في ذلك محفزات التواؤم مع اللوائح التنظيمية للاتحاد. كما أن القطاعات تتباين: فالإصلاحات في قطاع الغاز مضت بوتيرة أبطأ منها في قطاع الكهرباء.

التطلع للمستقبل

إن أكثر ما يمكن محاكاته من النجاح الذي تحقق في تركيا هو الالتزام بعيد المدى الذي تحلينا به في هذه الشراكة. فقد وقفنا إلى جانب بلد كان يواجه أزمة وكان في حاجة إلى إعادة النظر في بعض قراراته السابقة بشأن إشراك القطاع الخاص. تحلينا بالصبر، وبنينا الثقة، وتربصنا الفرص من أجل إحداث فارق مع تطور الوضع. كانت لدينا الرغبة في مواءمة مزيج التمويل والمشورات الفنية التي نقدمها مع احتياجات العميل.

كما وجدنا طرقا فعالة لتنسيق عمل مختلف مؤسسات مجموعة البنك الدولي مع التمويل والخبرات التي تقدمها كل منها. هذا العمل ليس فعلا ماضيا: فنحن نواصل انخراطنا في قطاع ينمو ويتطور باستمرار.

"تمد مجموعة البنك الدولي البلدان متوسطة الدخل بالتمويل والمعرفة الفنية المستفادة من خبرتها الدولية، لكي تقدم منتجات يمكن أن تمهد للقطاع الخاص وتكمله. إن شراكتنا بعيدة المدى مكنت تركيا من التصدي لتحدياتها الإنمائية، وأتاحت لنا مشاطرة عملائنا في مختلف أنحاء العالم هذا النجاح."
جوهانز زوت
مدير مكتب تركيا بالبنك الدولي

هذا المستوى من الانخراط ينطبق على جميع البلدان التي نخدمها. نعلم أن عملاءنا يرون في أنفسهم القدرة على تحقيق مستقبل أكثر إشراقا، ونحن نساعدهم على تحويل ذلك إلى واقع. بالمضي قدما، نعمل على تنسيق جهودنا بشكل منهجي في جميع مؤسسات مجموعة البنك الدولي، مع مساعدة البنك الدولي في كثير من الأحيان في وضع الأسس لمشاركة مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار ومستثمري القطاع الخاص. نود مواصلة التركيز على الصورة الأشمل التي تتجاوز حدود المشروعات المنفردة. ونحتاج إلى التكيف كلما واجهت البلدان أو القطاعات تحديات أو مخاطر.

تقف مجموعة البنك الدولي على أهبة الاستعداد للعمل مع مجموعة كاملة من العملاء، من البلدان الأشد فقرا وهشاشة، إلى البلدان متوسطة الدخل الأسرع صعودا على سلم التصنيف الاقتصادي. نريدهم أن يستفيدوا إلى أقصى حد من الفرص الجديدة لكي يحققوا الرخاء وهم يطورون اقتصادهم بشكل مبتكر مستدام من أجل الرخاء للجميع.