رأي

مؤسسون ومؤسسات وسياسات

2016/10/02

الدكتور محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية لعام 2030 وعلاقات الأمم المتحدة والمشاركات

احتدم حوار و لم ينقطع حول دور السياسات و المؤسسات،  أي منها أهم لتحقيق تقدم الأمم، هل هي المؤسسات و نظمها، أم السياسات و القائمين عليها؟ فهناك من يربط تقدم الأمم أو فشلها بمدى كفاءة المؤسسات و خضوعها لقواعد الحوكمة و ما تفرضه من نظم للإثابة و الجزاء لضبط العمل و تطويره. و ترى شرحا لذلك في كتاب شهير عن أسباب سقوط الأمم، وضعه  "دارون أشيموغلو" مع "جيمس روبنسون". و يرى فريق آخر أن أثر السياسات أهم و أن دور القيادة المؤمنة بقواعد الانضباط و بناء الثقة و وضوح التوجه له الأولوية. و قد أفاض كتاب كثيرون في تبرير أولوية السياسات على المؤسسات في تحقيق التقدم، منهم "بيتر بلير هنري"، عميد مدرسة الإدارة بجامعة نيويورك، في كتابه عن دروس العالم الثالث للنمو في العالم الأول. أما فهم الرجل العادي، على النحو الذي درج على وصفه الدكتور أحمد الغندور العميد الأسبق لكلية الاقتصاد و العلوم السياسية بجامعة القاهرة،  فيقرب الأمور من الواقع المعاش، فيرى أن السياسات و المؤسسات معاً من الضرورات اللازمة لتسيير شئون أي دولة و تقدمها. لكن الاقتصاديين دأبوا على الانقسام إلى مدارس و مجموعات فكرية تختلف حول ما قد يراه سائر الناس مما لا محل له من انقسام أو اختلاف.

استعرض مقتطفات من هذا النقاش القديم المتجدد، في متابعة لما تمثله حالة البنك الإسلامي للتنمية كنموذج لتكامل دور السياسات مع المؤسسات لتنجز مشروعاً تطور عبر أربعة عقود و نيف، ليصبح من أهم جهات تمويل التنمية في العالم. فالبنك كان فكرة لقائد سياسي عتيد، و هو الملك فيصل رحمه الله، الذي رأى في السبعينيات من القرن الماضي أن في إنشاء بنك لتنمية دول العالم الإسلامي ضرورة إنسانية و اقتصادية و اجتماعية.

تحولت هذه الفكرة إلى لبنة لمشروع كانت التحديات التي تواجهه أكبر من مقومات بقائه، ناهيك عن نمو نشاطه. و هنا يبرز دور قيادة استثنائية حسن اختيارها لتدير فريق عمل دولي ضخم، بتواضع و التزام و إخلاص و تفان، و هي الصفات الأربعة التي زينت كلماتها خلفية احتفال أقامه البنك بمقره الرئيسي بجدة لتقدير أعمال الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك المغادر. وهو صاحب مسيرة عطاء ثرية تأهل لها بعد خبرة عملية أعقبت دراسته لعلوم التجارة و القانون بجامعة القاهرة، ثم محصلاً من العلم ما أهله لدرجتي الماجستير و الدكتوراه من الجامعات الأمريكية. و يتمتع بخصائص جعلته يتقدم حين يتأخر الآخرون عند الولوج في المخاطر، و يتأخر حين تأتي مناسبات التكريم. ترى همته الوثابة في زيارات ميدانية مرهقة، كتلك التي شارك فيها منذ أشهر مع الأمين العام للأمم المتحدة و رئيس البنك الدولي لتفقد أحوال اللاجئين في لبنان و الأردن، فوجدناه لا تدانيه في عزيمته ثلة من أصحاب الشباب اليانع.

و  كان مبهجاً أن ترى الرئيس المغادر يحتفي  بالرئيس الجديد المنتخب بإجماع مجلس محافظي البنك، و هو الدكتور بندر حجار الأكاديمي السعودي المرموق و رجل العمل العام كوزير سابق للحج و عضو بمجلس الشورى. و مما ييسر من عمل الرئيس الجديد للبنك أنه يتولى مؤسسة ثابتة الجذور ممتدة بفروع باسقة يسهم فيها أكثر من 55 دولة. و قد زاد رأسمالها المصرح به 50 مثلاً منذ التأسيس ليصل اليوم إلى حوالي 150 مليار دولار متواكباً مع تطور النشاط حجماً. و حصل البنك من مؤسسات التصنيف الدولية على مستوى  AAA، وهو أعلى تصنيف ائتماني، و حافظ عليه منذ عام 2007 دلالة على انضباط إدارته المالية و جدارته الائتمانية. كما تطور البنك ليصير مجموعة مالية ضخمة تتضمن مؤسسات لتمويل القطاع الخاص، و ضمان الاستثمار و التصدير، و تمويل التجارة فضلاً عن معهد للبحوث و التدريب، و عدة صناديق متخصصة منها ما يكافح الفقر في أشد الدول عوزاً و أعلاها مخاطرة. و حدد البنك أولويات عمله في المستقبل في إطار رؤية حديثة شاملة استعان في تصميم وثيقتها بخبرات أبنائه المتميزة و بعقول استشارها لتسهم فيها بآرائها.  

لم يجعل البنك ثباته على مبادئ تأسيسه مانعاً من انفتاحه، فتعاون مع المؤسسات المالية الدولية و الأمم المتحدة في جهود أعلن عنها في أبريل من عام 2013 لتطوير قواعد بيانات التنمية، كما شارك في إطار 2030 لتمويل  التنمية المستدامة. كما شارك البنك الدولي و الأمم المتحدة في أكتوبر2015 لاستحداث ألية للتمويل الميسر تضمنت أساليباً مبتكرة لاستخدام المنح و الضمانات لزيادة حجم و فاعلية هذا التمويل  لدول الشرق الأوسط. و انضمت مؤخراً لهذه الآلية عدة دول و مؤسسات تنموية دولية تدعيماً لها لمواجهة الأزمات الإنسانية المرتبطة باللاجئين.

أحسب أن البنك الإسلامي للتنمية يدرك تمام الادراك، و هو يتقدم بقيادته الجديدة و كوادره الخبيرة نحو العقد الخامس لمساهمته في تمويل التنمية، أنه في عالم جديد تشكله تحولات سياسية و اقتصادية كبرى، و يشهد وثبات تكنولوجية مبدلة لأنماط الحياة و نظم الإنتاج، و تغيراً في مراكز الثقل الدولي و اختلالات ديموغرافية و معيشية هائلة. كما تعاني بعض دوله الأعضاء من مثالب تدني مؤشرات التنمية. و أصاب بعضاً منها شرور الصراعات التي مزقت أهلها فرقاً و هجرتهم قسراً خارج ديارهم. و باستحضار كلمات معبرة لرئيس البنك المغادر، أرى آمالاً كبرى تنعقد ثقة  فيما يمكن لهذه المؤسسة الرصينة أن تسهم به مع شركائها في التنمية بالمعرفة والعلم و المال، إسعافاٌ لأحوال الناس أو إسعاداً لهم.

نشر أولا في صحيفة الشرق الأوسط.