خطب ونصوص

أهي نهاية 'العالم الثالث'؟

2010/04/14


روبرت ب. زوليك واشنطن

بالصيغة المعدة للإلقاء

تحديث نظام تعدد الأطراف لعالمٍ متعدد الأقطاب

روبرت ب. زوليك
رئيس
مجموعة البنك الدولي

مركز وودرو ويلسون للباحثين الدوليين

 أبريل/نيسان 2010 

لقد دأب طلاب الدراسات الأمنية والعلوم السياسية الدولية، لعقود طويلة، على خوض غمار المناقشة والجدل حول بزوغ نظام متعدد الأقطاب. لقد آن الأوان لأن نقرّ ونسلم بهذا الطرح الاقتصادي الجديد.

فإذا كان عام 1989 قد شهد نهاية "العالم الثاني" بانهيار الشيوعية، فإن عام 2009 هو الذي رأى مشهد النهاية لما كان يُعرف "بالعالم الثالث": فنحن نعيش الآن في اقتصادٍ عالمي جديد متعدد الأقطاب وماضٍ في التطور بوتيرة سريعة ـ عالم يبزغ فيه نجم بعض البلدان النامية كقوى اقتصادية؛ وتمضي فيه بلدان نامية أخرى قدما لترفدَ أقطاب النمو بروافد إضافية، فيما تواجه بعض البلدان الأخرى مصاعب جمة في بلوغ قدراتها الكامنة داخل هذا النظام الجديد ـ حيث بات الآن الشمال والجنوب والشرق والغرب نقاط في البوصلة، وليست مقاصد اقتصادية.

إن الفقر مازال مستشرياً، ولا بد من معالجة أسباب استشرائه. كما أن الدول الفاشلة مازالت قائمة، ولا بد من معالجة أسباب فشلها. وتتزايد وطأة التحديات العالمية، ولا بد من التصدي لها. لكن الطريقة التي يتعين أن نعالج بها هذه القضايا آخذة في التغير. فالتقسيمات التي عفا عليها الزمن ـ التي تصنف بلدان العالم إلى عالم أول وآخر ثالث، ومانح ومتلق، وقائد وتابع ـ لم تعد مناسبة.

إن آثار ومدلولات هذه التغيرات والتحولات عميقة وجوهرية: على صعيد تعدد الأطراف، والعمل التعاوني العالمي، والعلاقات بين القوى، والتنمية والمؤسسات الدولية.

أهمية النظام المتعدد الأطراف 

لقد كشفت الأزمة الاقتصادية العالمية عن أهمية النظام المتعدد الأطراف. فمنذ بداية السقوط في هاوية الأزمة الاقتصادية، احتشدت البلدان واصطفت معا لإنقاذ الاقتصاد العالمي. بل ولدت مجموعة العشرين بنهجها الحديث من رحم هذه الأزمة. إذ سرعان ما أوضحت هذه المجموعة قدرتها على التصرف السريع لاستعادة الثقة وترسيخها. ولعلنا نتساءل الآن: هل كانت تلك الهبّة مجرد خروج عن المألوف؟ أم كانت مجرد ومضة سريعة الزوال؟

هل سيعيد المؤرخون النظر إلى عام 2009 فيرونه عاما لتعاونٍ دولي فريد لن يتكرر أم بداية انطلاقة أمرٍ جديد؟ وينظر البعض الآن إلى محاولة وودرو ويلسون إنشاء نظام دولي جديد بعد الحرب العالمية الأولى بوصفها فرصةً ضائعة تركت وراءها العالم متخبطا في دياجير الأخطار والأهوال. فهل نحن بصدد لحظة مماثلة؟

إن مكمن الخطر يتمثل الآن في الخوف من أن يكون انقشاع الأزمة متبوعا بزوال الرغبة والاستعداد للتعاون أيضا. بل إننا نشعر بالفعل بقوى الجاذبية وهي تجر عالم الدول القومية جرّا للعودة إلى تحقيق مصالح أضيق.

إن ذلك التوجه هو الخطأ بعينه. فالصفائح التكتونية الاقتصادية والسياسية مستمرة في التحرك. ويمكننا أن نتحرّك معها، أو بإمكاننا الاستمرار في رؤية عالمٍ جديد من منظور العالم القديم. يجب علينا إدراك الوقائع والحقائق الجديدة. ويتعين علينا التصرف والعمل بمقتضاها.

ما هو وجه الاختلاف؟ مصادر جديدة للطلب

لم يكن العالم النامي سببا في نشوب الأزمة الاقتصادية العالمية، لكن في مقدوره أن يكون جزءا مهما من الحل. وسوف تكون لعالمنا ملامح ومعالم مختلفة تماما في غضون عشر سنوات، فلن يأتي الطلب من الولايات المتحدة وحدها بل سيأتي من كل أرجاء المعمورة.

إننا نرى التغيرات والتحولات بأم أعيننا. فها هو نصيب آسيا من الاقتصاد العالمي وقد حقق ارتفاعا مطّردا، على أساس تعادل القوى الشرائية، من 7 في المائة في عام 1980 إلى 21 في المائة في عام 2008. وتمثل أسواق الأوراق المالية في آسيا الآن 32 في المائة من رسملة السوق العالمية، أي أنها سبقت الولايات المتحدة وأوروبا اللتين تبلغ نسبتهما 30 و25 في المائة على التوالي. وفي العام الماضي، حلّت الصين محل ألمانيا كأكبر دولة مصدرة في العالم. كما نجحت الصين في أن تحل محل الولايات المتحدة كأكبر سوق للسيارات في العالم.

وتحكي لنا أرقام الواردات قصة مليئة بالخبايا والأسرار: فالعالم النامي أصبح القوة المحركة للاقتصاد العالمي. ويرجع معظم انتعاش التجارة العالمية إلى قوة الطلب على الواردات من جانب البلدان النامية. فقد زادت واردات البلدان النامية فعليا بواقع 2 في المائة عن مستوى ذروتها في إبريل/نيسان عام 2008 قبل اندلاع الأزمة. وعلى النقيض من ذلك، ما تزال واردات البلدان المرتفعة الدخل أقل بنسبة 19 في المائة من أعلى مستوى لها فيما مضى. وعلى الرغم من أن واردات بلدان العالم النامية لا تمثل سوى نحو نصف واردات البلدان المرتفعة الدخل، فإنها تنمو بوتيرة أكثر سرعة. ونتيجة لذلك، مثلت هذه الواردات أكثر من نصف الزيادة في الطلب العالمي على الواردات منذ عام 2000.

أقطاب جديدة للنمو 

إن الاقتصاد العالمي ماض في سبيله إلى إعادة توازنه. وبعض هذه العملية جديد، فيما يمثل البعض الآخر منحى الاستعادة والتجديد. وطبقا لما يقوله أنغس ماديسون، مثلت آسيا أكثر من نصف الناتج العالمي في ثمانية عشر قرنا من العشرين قرنا الماضية. ونشهد الآن تحرّكا في اتجاه تعدّد أقطاب النمو، في ظل نمو الطبقات المتوسطة في البلدان النامية، وانضمام مليارات الناس إلى ركْب الاقتصاد العالمي، والأنماط الجديدة التي تجمع بين ازدياد التكامل الإقليمي والانفتاح العالمي.

وليس هذا التغير حكرا على الصين أو الهند. فنصيب بلدان العالم النامية من إجمالي الناتج المحلي للعالم قد ارتفع، على أساس تعادل القوى الشرائية، من 33.7 في المائة في عام 1980 إلى 43.4 في المائة في عام 2010. وسوف تحقق البلدان النامية معدلات نمو قوية، على الأرجح، على مدى السنوات الخمس القادمة وما بعدها. وفي مقدور منطقة أفريقيا جنوب الصحراء أن تحقق نموا يزيد في المتوسط عن 6 في المائة سنوياً من الآن حتى عام 2015، فيما يمكن أن تحقق منطقة جنوب آسيا، التي يقطنها نصف فقراء العالم، نموا يصل إلى 7 في المائة سنويا خلال الفترة نفسها.

لقد أصبحت منطقة جنوب شرق آسيا منطقة متوسطة الدخل بها حوالي 600 مليون نسمة، ولها روابط متزايدة مع الهند والصين، فضلا عن تعميق روابطها مع اليابان وكوريا وأستراليا، والحفاظ على استمرار صلاتها وروابطها مع أمريكا الشمالية وأوروبا من خلال الاستعانة بالمصادر العالمية.

وتمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصدرا مهما لرأس المال بالنسبة لباقي أنحاء العالم، كما أن دورها كمركز لأنشطة الأعمال والخدمات فيما بين آسيا ـ بشرقها وجنوبها ـ وأوروبا وأفريقيا آخذ في التزايد. وبلغ إجمالي الاحتياطيات الرسمية لدول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 500 مليار دولار في نهاية عام 2008، فيما تقدّر أصول صناديق ثرواتها السيادية بما يصل إلى تريليون دولار. وإذا تمكنت دول المغرب العربي من تجاوز مواطن الخلل السابقة، فسيكون في استطاعتها أن تكون جزءا من التكامل الأورومتوسطي بصلاته وروابطه مع كل من الشرق الأوسط وأفريقيا.

وفي منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، تم انتشال 60 مليون شخص من براثن الفقر فيما بين عامي 2002 و2008، وأحدثت الطبقة المتوسطة الآخذة في النمو فيها زيادة في أحجام الواردات بمعدل سنوي بلغ 15 في المائة.

أفريقيا ... قطب مرتقب للنمو

يمكن أن تشتد حركة الصفائح التكتونية الاقتصادية والسياسية أكثر فأكثر. لقد فاتت على أفريقيا في السابق فرصة اللحاق بقطار ثورة التصنيع التي انتشلت اقتصادات شرق آسيا من وهدة الفقر ودفعتها إلى الرخاء والازدهار. لكن لا ينبغي على أفريقيا بعد الآن أن تظل متخلفة عن الركْب.

هناك بلدان أفريقية كثيرة تقوم في الوقت الحاضر باستيراد حتى السلع الصغيرة والرخيصة مثل الصابون أو الخفّ المنزلي أو الأدوات الأساسية أو السلع الاستهلاكية. لكن إذا قام الأفارقة بإزالة الحواجز التي تعترض سبيل إنتاج هذه السلع محليا وتذليل العقبات الماثلة أمام تنظيم مشروعات العمل الحر المحلية، مع الاضطلاع في الوقت نفسه بتهيئة الظروف التي تدفع المستثمرين من الخارج إلى نقل خطوط الإنتاج إلى أفريقيا، فإنه يمكن عندئذ أن تنبثق صورة مختلفة تماما للتنمية في هذه القارة. وعلى النقيض من الجهود الفاشلة في الماضي في مساندة اهتمامات ومصالح إحلال الواردات التي كانت تخفي وراءها نزعة حمائية، في مستطاع هذا النهج تحقيق المنافع من التكامل الإقليمي داخل الأسواق العالمية.

ما الذي يتطلبه هذا الأمر إذن؟ كخطوة أولى في هذا الشأن، يجب أن يكون في مقدور الأفارقة الذين يكسبون دولارين أو أقل في اليوم للفرد والبالغة نسبتهم 80 في المائة تحقيق دخل كاف حتى تكون لديهم القدرة على شراء السلع الاستهلاكية الأساسية. وتُعتبر الزراعة المصدر الرئيسي للوظائف، كما أنها تتيح فرصة مبكرة لتعزيز الإنتاجية وزيادة الدخل. ولتحقيق ذلك، يلزم الاستثمار في كافة جوانب سلسلة القيمة الزراعية: من حقوق الملكية إلى البذور؛ والري، والأسمدة، والتمويل، والتكنولوجيات الأساسية، والتخزين، ونقل المنتجات إلى السوق. وبما أن النساء يشكلن حوالي ثلثي المزارعين الأفارقة، فمن الواجب علينا أن نساعدهنّ في الحصول على حقوقهن القانونية وحقوق الملكية وإمكانية الوصول إلى الخدمات.

فمن شأن الارتفاع القليل في مستويات الدخل والمعيشة أن يمكّن الصناعات المحلية من التوجه نحو السوق المحلية أو تكييف منتجاتها لتكون ملائمة مع احتياجات هذه السوق، وفي نهاية المطاف مع احتياجات التصدير. ولمواصلة دفع عجلة النمو، يحتاج الأفارقة إلى المقومات التي احتاجتها أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية: أي البنية التحتية الأساسية؛ والطاقة؛ والأسواق المتكاملة المرتبطة بالاقتصاد العالمي؛ والظروف والأوضاع اللازمة لوجود قطاع خاص مفعم بالحيوية والنشاط. والواقع أن المنافع التي تعود من سلع النفع العام لا تقتصر على الصناعات المحلية.

إن التحولات اليوم تفتح الأبواب مشرعة أمام الفرص الجديدة. فعندما اندلعت الأزمة العالمية أدرك بعض الصينيين أنه حان الوقت لتجاوز نطاق الاقتصار على صناعة ألعاب الأطفال والأحذية؛ واستطاعت الصين الصعود إلى أعلى سلسلة القيمة، وزيادة الأجور والاستهلاك، وتوسيع نطاق "مجتمعها المنسجم". وتمكنت الشركات الصينية بدورها من نقل الصناعات ذات القيمة المضافة الأكثر انخفاضاً إلى أماكن أخرى، بما في ذلك أفريقيا، سيراً على نهج المستثمرين الصينيين في تنمية الموارد وشركات البناء والتشييد الصينية.

من الممكن تشجيع الشركات الصينية على نقل الصناعات إلى أماكن أخرى لأغراض كل الإنتاج المحلي والتصدير. وتجلب هذه الشركات الصناعية معها الدراية والخبرات العملية والفنية، والمعدات، علاوة على القدرة على الوصول إلى شبكات التسويق والتوزيع. ويعمل البنك الدولي مع الأفارقة والصينيين لإنشاء مناطق صناعية.

يستشعر المستثمرون الأوائل وجود إمكانات هائلة وواعدة في أفريقيا، ولا تثنيهم عنها مخاطر ولا صعاب ـ فبعد ما حدث لبنك ليمان براذرز ولليونان، يعرف المستثمرون حق المعرفة أن الأسواق المتقدمة لا تخلو من المخاطر أيضا.

يمكن لتغيير السياسات الحكومية أن يخلق الفرص أمام نمو القطاع الخاص، وهو ما يؤدي بدوره إلى إتاحة الخدمات إلى آخرين من منظمي مشروعات الأعمال الحرة. ففي السنوات العشر حتى سنة 2008، استثمر القطاع الخاص أكثر من 60 مليار دولار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أفريقيا؛ وأصبح 65 في المائة من الأفارقة الآن في نطاق وصول الخدمات اللاسلكية الصوتية، ويجري استخدام 400 مليون هاتف جوال في أفريقيا.

كما تقوم مؤسسة التمويل الدولية، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي المعني بالتعامل مع القطاع الخاص، بمد يد العون والمساعدة في تحفيز انطلاقة هذه الثورة في أنشطة الأعمال. وقام صندوق جديد تابع لمؤسسة التمويل الدولية الجديد معني بالاستثمار في أسهم رأس المال باستقطاب وجذب 800 مليون دولار من صناديق الثروات السيادية والمعاشات التقاعدية لاستثمارها في شركات في منطقتي أفريقيا وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي.

التحولات الاقتصادية تعني تحولات ممكنة في القوى

تعني زيادة الدخل والنمو في بلدان العالم النامية ازدياد ما لها من التأثير والنفوذ. فالعالم القديم لقادة مجموعة السبع وهم يتجاذبون أطراف الحديث بجوار المدفأة قد مضى وولى. فالمباحثات في عالم اليوم تتطلب طاولة اجتماعات كبيرة لاستيعاب المشاركين الرئيسيين، ولا يمكنها أن تخلو من المقاعد المخصصة للبلدان النامية.

لقد أدركت قمة مجموعة العشرين المنعقدة في بيتسبرغ العام الماضي ذلك التغيير. ولكن الأمر يستوجب ما هو أكثر من مجرد كلمات من حبرٍ على ورق. فكلمات وودرو ويلسون لم يشفع لها تدوينها كتابةً في تحقيق ما دعا إليه من المثل العليا. ولن يكون ترتيب التقاسم الجديد للمسؤوليات بين أصحاب المصلحة المشتركة والمتبادلة في الأنظمة الدولية بالعملية السهلة أو الميسورة. ولكنه أمر لابد من تحقيقه وإنجازه. فالإخفاق في عام 1919 أدى إلى عدم تعاون البلدان إبان أزمة الكساد الكبير في عام 1929 ثم بدأ اندلاع حرب جديدة في أوروبا في عام 1939.

إننا نرى اليوم هذه الضغوط والتجاذبات. فمفاوضات جولة الدوحة في منظمة التجارة العالمية ومباحثات تغيّر المناخ في كوبنهاغن أماطت اللثام عن مدى صعوبة ترتيب تقاسم المنافع المتبادلة والمسؤوليات المشتركة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية. وكشفت تلك الحوارات الساخنة أيضا التحديات المختلفة والمتنوعة التي تواجه مختلف البلدان النامية.

وإذا لم يعد في الإمكان حل القضايا الدولية الكبيرة بدون مشاركة وقبول البلدان النامية والأخرى السائرة على طريق التحوّل إلى نظام السوق، فإنه لم يعد ممكنا أيضا افتراض أن البلدان الكبرى الأعضاء فيما يسمى بمجموعة (BRIC) ـ أي البرازيل وروسيا والهند والصين ـ ستمثل جميع البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي.

وينطبق نفس واقع الحال على طائفة متنوعة من التحديات الأخرى الكبيرة، وهي: المياه؛ والأمراض؛ والهجرة؛ والقضايا الديمغرافية والسكانية؛ والدول الضعيفة والخارجة لتوها من صراعات.

من الواجب علينا في سياق استكشاف إنشاء منتدى جديد لمجموعة العشرين أن نتوخى الحرص والدقة في ألا نفرض على العالم منظومة هرمية جديدة مفتقرة إلى المرونة. ويجب بدلا من ذلك أن تعمل مجموعة العشرين "كمجموعة توجيهية" عبر شبكة من البلدان والمؤسسات الدولية. ويجب عليها إدراك الصلات والتشابكات بين القضايا وتعزيز نقاط المصلحة المشتركة. ولا يمكن لهذا النظام أن يكون هرميا في بنيته ولا يجب أن يكون بيروقراطيا في طابعه. ويجب عليه أيضا أن يثبت فعاليته عن طريق العمل والإنجاز.

المخاطر المعتادة للجغرافيا السياسية

إن الخطر الناجم عن قوى الجاذبية السياسية التي تشدّ البلدان إلى الوراء إلى دائرة المصالح الضيقة هو الخطر الذي يحتم علينا معالجته لأن تغيير العالم من المنظور القديم لمجموعة السبع ومراعاة مصالح البلدان المتقدمة ـ حتى وإن حسنت النوايا وصدقت التوجهات ـ لا يستطيع أن يكون معبرّا عن ولا ممثلا لمنظور الاقتصادات الصاعدة. ولا يمكننا تحمّل ما تسفر عنه الجغرافيا السياسية من تبعات وآثار معتادة.

ولا يمكن أن نعود إلى الوراء إلى "تعدد الأطراف بالأسلوب القديم" ـ مستلهمين الحل من نمط المؤتمر الذي عقده ميترنيخ في فيينا في القرن التاسع عشر ـ لأنه أسلوب يسعى إلى مقاومة التغيير. "فالجغرافيا السياسية الجديدة للاقتصاد المتعدد الأقطاب" بحاجة إلى تقاسم المسؤولية مع إدراك وجهات النظر المختلفة والظروف المتباينة في الوقت نفسه، من أجل بناء المزيد من المصالح المشتركة.

الإصلاح المالي

دعونا ننظر إلى إصلاح النظام المالي: لقد دفع العالم ثمنا باهظا لانهيار النظام المالي العالمي من حيث فرص العمل المفقودة والخراب الذي حل بحياة الكثيرين.

وبطبيعة الحال، لابد من تحسين القواعد واللوائح التنظيمية المالية، مع تعزيز المعايير المتعلقة برؤوس الأموال والسيولة والرقابة. ويجب أن يراعي أي إطار رقابي جديد المخاطر المتأصلة في النظام، وإصلاح القواعد واللوائح التنظيمية التي تزيد من تقلب الدورات الاقتصادية، وتعزيز الرقابة بهدف تفادي الفجوات، وأخذ التضخم بعين الاعتبار في أسعار الأصول، وكذلك في أسعار السلع والخدمات.

لكن علينا توخي الحذر من العواقب غير المقصودة. ويجب علينا ألا نضاعف التكاليف من خلال تشجيع النزعة الحمائية المالية أو الحد بشكل غير منصف وجائر من الخدمات المالية المقدمة إلى الفقراء. ربما تكون القواعد والإجراءات التنظيمية المتفق عليها في بروكسل ولندن وباريس أو واشنطن صالحة للبنوك الكبيرة في بلدان العالم المتقدمة. ولكن ماذا عن البنوك الأصغر في البلدان المتقدمة أو النامية على حد سواء؟

في مقدور هذه القواعد والإجراءات التنظيمية خنْق القطاع المالي ووأد طاقة الإبداع والابتكار وإدارة المخاطر في البلدان النامية. كما يمكنها زيادة المشاق والصعوبات أمام الاستثمار عبر الحدود الوطنية.

يمكن أن يكون لمتطلبات "الإقراض المحلي" نفس آثار تفضيل "الشراء المحلي". ويمكن لشروط "الوجود المادي المحلي" أن تعيق الخدمات كما يمكنها تشديد الخناق على التجارة. كذلك يمكن أن تفضي متطلبات "السيولة المحلية" إلى تجزئة إدارة السيولة العالمية وإضافة تكاليف ضخمة دون تعزيز الأمان والسلامة.

لعل الأدوات المالية المشتقة قد شابها الآن ما شابها من سوء السمعة. وهذا أمر مفهوم ومفروغ منه عندما يتذكر المرء بنك إيه آي جي. ولكن المزارعين في وسط غرب أمريكا يستخدمون الأدوات المشتقة للحماية والوقاية من التقلبات في أسعار الحبوب. وتستخدم المكسيك خيارات الطاقة من أجل تثبيت سعر للنفط الذي يوفر جانباً كبيراً من الموازنة الحكومية.

كان البنك الدولي رائدا في مجال مبادلات العملة، وهو يستخدم عمليات المبادلة لتوفير الحماية من مخاطر الصرف الأجنبي وأسعار الفائدة. وتتيح قروضنا فرص التحوّط اللازم لحماية المقترضين من مخاطر الصرف الأجنبي أو أسعار الفائدة بل حتى من مخاطر أخرى مثل أخطار الجفاف والكوارث. ومن خلال المساعدة في تطوير الاقتراض بالعملة المحلية وربطه بالأسواق العالمية، أمكننا أن نساعد في حماية البلدان النامية من موجات المد العاتية التي ضربت القطاع المالي في الأزمة الأخيرة.

لقد أدت الابتكارات المالية، عند استخدامها والرقابة الحصيفة عليها، إلى زيادة الكفاءة، وتوفير الحماية ضد المخاطر: حيث قام البنك الدولي بدور ريادي في التأمين على الثروة الحيوانية لصالح أصحاب القطعان في منغوليا؛ وتقديم أداة مشتقة خاصة بالطقس للحماية ضد الجفاف في ملاوي؛ بالإضافة إلى إنشاء مجمّع للتأمين متعدد البلدان ضد الكوارث في منطقة البحر الكاريبي. وقد سارع هذا الأخير إلى تقديم 8 ملايين دولار إلى هايتي فور تعرضها للهزة الأرضية في يناير/ كانون الثاني ـ وكانت هذه الموارد أسرع في الوصول إلى هايتي من أية مصادر خارجية أخرى.

وطبقا للتحذير الذي أطلقه إرنستو زيديللو، الرئيس المكسيكي السابق، فإن مشكلة الفقراء لا تتمثل في كثرة الأسواق، بل في قلتها الشديدة: إننا في حاجة إلى أسواق من أجل: مؤسسات التمويل الأصغر أو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لا سيما التي تديرها النساء؛ ونقل وتخزين وبيع السلع والبضائع؛ والادخار والتأمين والاستثمار.

لقد كشفت وول ستريت عن مخاطر الابتكارات المالية، وعلينا التزام جانب الحيطة والحذر واتخاذ إجراءات جادة. إلا أن التنمية أثبتت منافعها ومحاسنها، في حين يمكن للمنظور الشائع لمجموعة السبع أن يقوض الفرص أمام المليارات من الناس.

تغير المناخ

إذا تطرقنا إلى تغير المناخ، سنجد أن الخطر يتمثل في أننا نأخذ القواعد السارية في البلدان المتقدمة فنفرضها باعتبارها نموذجاً نمطياً واحداً يناسب الجميع على البلدان النامية. وهذا أمر تأباه البلدان النامية وترفضه.

ويمكن ربط السياسة المعنية بتغير المناخ بالتنمية وكسب تأييد البلدان النامية ودعمها للنمو منخفض الكربون ـ غير أنه لا يجب فرض ذلك كسترة لتقييد الآخرين والحجْر على آرائهم. إن الأمر لا يتعلق البتة بنقص الالتزام ببناء مستقبل أكثر مراعاة للبيئة. إن الناس في البلدان النامية يرغبون أيضاً في وجود بيئة نظيفة.

الواقع أن البلدان النامية في حاجة إلى المساندة والتمويل كي يمكنها الاستثمار في مسارات النمو الأكثر نظافة. فهناك 1.6 مليار شخص محرومون من الكهرباء. ولذا فإن التحدي يتمثل في مساندة التحول إلى الطاقة الأنظف دون التضحية بالقدرة على الحصول على الطاقة، وتعزيز الإنتاجية، والنمو الذي يمكنه انتشال مئات الملايين من البشر من براثن الفقر.

إن تفادي تفعيل عوامل الجغرافيا السياسية يعني من المنظور المعتاد النظر إلى القضايا من زوايا مختلفة. فنحن في حاجة إلى التحرك بعيدا والكفّ عن الاختيار بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما القوة أو البيئة. من الواجب علينا انتهاج السياسات التي تعكس التكلفة الفعلية لانبعاثات الكربون، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، وتطوير تكنولوجيات الطاقة النظيفة واستحداث تطبيقات لها للبلدان الأكثر فقرا، وإنشاء أنظمة الطاقة الشمسية غير المتصلة بالشبكة، والابتكار في مجال الطاقة الأرضية الحرارية، وتحقيق المنافع العائدة على الجميع من سياسات استخدام الغابات والأراضي. ويمكننا في هذا السياق خلق فرص العمل وتدعيم أمن الطاقة.

لقد حققت البلدان المتقدمة الرخاء والازدهار بتوليد الطاقة الكهرومائية من السدود. ولكن البعض لا يرى ضرورة في أن تحظى البلدان النامية بنفس مصادر الطاقة هذه التي تستخدمها الاقتصادات المتقدمة. والأمر بالنسبة لهم سهل إذ يروْنه كبساطة النقر بطرف الإصبع على المفتاح الكهربائي وترك المصابيح مشتعلة في غرفة خالية.

لا نستطيع في إطار الاهتمام الواجب بالبيئة ورعايتها أن نترك الأطفال الأفارقة يؤدون واجبهم المنزلي على ضوء الشموع، أو إنكار حق العمال الأفارقة في الحصول على وظائف بقطاع الصناعة. إن المنظور القديم للبلدان المتقدمة هو أقصر طريقة مؤكدة لفقدان دعم البلدان النامية وتأييدها للأهداف الخاصة بالبيئة العالمية.

إدارة الاستجابة للأزمة

آن لنا أن ندلف إلى قضايا الاستجابة للأزمة: فالخطر في هذا العالم الآخذ في التحوّل يتمثل في تركيز البلدان المتقدمة على مؤتمرات القمة المعنية بالأنظمة المالية، أو التركيز على سوء الإدارة في بلدان متقدمة مثل اليونان.

والواقع أن البلدان النامية في حاجة إلى مؤتمرات قمة تعنى بأحوال الفقراء. وأحد الدروس المستفادة من هذه الأزمة هو أن شبكات الأمان الاجتماعي الفعالة حالت دون فقدان وضياع جيل بأكمله ـ على عكس ما حدث في أزمة آسيا في التسعينيات من القرن الماضي.

إن سماع وجهات نظر البلدان النامية لم يعد من قبيل الصدقة والإحسان أو التكافل: إنها المصلحة الذاتية بعينها. فالبلدان النامية هي الآن مصادر النمو، ومستوردة للسلع الرأسمالية والخدمات من البلدان المتقدمة.

فالبلدان النامية لا تريد مناقشة المديونية المرتفعة في البلدان المتقدمة فحسب؛ ولكنها ترغب أيضاً في التركيز على الاستثمارات الإنتاجية في البنية الأساسية وتنمية الطفولة المبكرة. كما ينبغي لها تحرير الأسواق لخلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية وتحقيق النمو الاقتصادي. والكثير من هذه البلدان ماضٍ في سبيله لبحث كيفية الاستفادة من الابتكار وكفاءة الأسواق الخاصة في المساعدة في توفير وصيانة البنية الأساسية للقطاع العام وخدماتها.

دور جديد للقوى الصاعدة 

لكن تحديث نظام تعدد الأطراف لا ينحصر في تعلّم البلدان المتقدمة كيفية التكيف مع احتياجات القوى الصاعدة. فمع القوة تأتي المسؤولية، صنوان لا يفترقان.

الواقع أن على البلدان النامية أن تدرك أنها تشكل الآن جزءا من الهيكلية البنيوية للعالم، وأنها صاحبة مصلحة في وجود أنظمة دولية متسمة بالسلامة والديناميكية والمرونة ومَعْنية بالتمويل، والتجارة، وانتقال الأفكار والناس، والبيئة -- ومؤسسات قوية متعددة الأطراف.

من الواجب علينا البحث والتنقيب عن نقاط التقاء المزايا والمنافع المتبادلة، والتمكين من تحقيق المكاسب المشتركة. ويتعين علينا في الوقت نفسه أن نعترف بالقيود السياسية والمخاوف المحلية. نريد اتفاقيات يستطيع كل زعيم أن يروج لها في بلده.

ماذا يعني هذا العالم المتغير بالنسبة للتنمية؟ 

لم تعد التنمية اتجاها بينيا بين الشمال والجنوب فحسب. بل إنها تحدث الآن فيما بين بلدان الجنوب، وتتجه حتى من الجنوب إلى الشمال، بما لذلك من دروس مفيدة لكل أصحاب النظرة المتفتحة والعقول الراجحة. فبرامج التحويلات النقدية المشروطة في المكسيك تتم دراستها في جميع أنحاء العالم. وها هم الهنود في أفريقيا يشرحون ما يسمى "بالثورة البيضاء" ـ التي زادت من إنتاج الحليب. إنه عالم جديد لم تعد فيه البلدان النامية متلقية للمعونة فحسب، بل ومقدمة للمعونة والخبرات أيضاً. كما أن التنمية لا تتعلق بدواء أيديولوجي شافٍ من كل العلل والأدواء، ولا بمخططات العمل، ولا بالأساليب النمطية القائمة على حل واحد يناسب الجميع. فالتنمية في ظل اقتصاد متعدد الأقطاب تعنى بالنهج العملي الواقعي، والتعلم من التجارب والخبرات، والإقرار بكيفية تغير الأسواق وفرص الأعمال، وتبادل الأفكار وتقاسمها، والربط بين المعارف، تماما مثلما نقيم الصلات والروابط بين الأسواق، عبر شبكات مبتكرة.

كذلك لا يرتبط مستقبل التنمية بالمفاهيم القديمة للمعونة فحسب: فصناديق الثروات السيادية والمعاشات التقاعدية الراغبة في الاستثمار مع مجموعة البنك الدولي في أفريقيا تمثل شكلا جديدا من أشكال الوساطة المالية. وليس ذلك الجهد عملا خيريا، إنما هو استثمار يتطلع إلى عوائد ومردودات جيدة. وتقوم مؤسسة التمويل الدولية حالياً بالمساعدة على الحد من الحواجز أمام إمكانية الحصول على المعلومات وتخفيض تكاليف المعاملات. فنحن نهدف إلى فعل ما لا يقل عن إحداث ثورة في التدفقات المالية إلى البلدان النامية.

تحديث المؤسسات المتعددة الأطراف 

كيف يتسنى لنا إدارة "العوامل الجديدة للجغرافيا السياسية من أجل اقتصاد متعدد الأقطاب" بما يحقق التمثيل العادل لكل الأطراف في هيئات واتحادات للجميع، لا أندية للنخبة قليلة العدد؟

إذا كانت الصفائح التكتونية الاقتصادية والسياسية آخذة في التغير، فإنه يجب أن تشهد المؤسسات المتعددة الأطراف تغيّرات أيضا.

فقد أوضحت الأزمة إمكانات التعاون الدولي، ولكنها أكدت أيضا على الحاجة إلى تحديث المؤسسات المتعددة الأطراف وتعزيزها حتى تعكس خصائص عالم مختلف.

يتطلب العالم الجديد تحديد المصالح المتبادلة، والتفاوض على العمل المشترك، وإدارة الفوارق والاختلافات بين أطياف من البلدان أوسع نطاقا من أي وقت مضى.

ويحتاج العالم الجديد إلى مؤسسات تتحلى بالسرعة والمرونة وخاضعة للمساءلة، وقادرة على خلق صوتٍ مسموع لمن لا صوت له، مؤسسات مواردها جاهزة للاستخدام الفوري.

يريد العالم الجديد مؤسسات قادرة على التواصل مع الشركاء في أجواء مفعمة بالتواضع والاحترام ـ مؤسساتٍ مستعدة للاستفادة والتعلّم من الآخرين وقادرة على العمل كنقاط للربط والتواصل العالمي وأداء دور ريادي وطليعي في العالم الجديد للمعرفة والتعلم المشترك وتبادل الخبرات فيما بين بلدان الجنوب وفيما بين الجنوب والشمال.

إن العالم الجديد بحاجة إلى مؤسسات قادرة على أن تبرهن أن في مستطاعها تحقيق نتائج حقيقية، مع تحمّل المسؤولية عندما تتعثر.

يجب على مجموعة البنك الدولي تنفيذ ما يلزم من إصلاحات تساعده في الاضطلاع بهذا الدور، ويجب أن تكون عملية الإصلاح مستمرة بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. وبما أن الحكومات والمؤسسات العامة تميل إلى أن تكون أبطأ في التغيير من المؤسسات الخاصة التي تواجه المنافسة، وإدراكا منا لهذه المخاطر، وضرورة معالجتها، فقد شرعنا في تنفيذ أكبر مجموعة من الإصلاحات الشاملة في تاريخ مؤسستنا.

نقوم بالإصلاح لنصبح أكثر تمثيلاً وشرعية 

يجب أن تمثل مجموعة البنك الدولي بعد تحديثها الواقع الاقتصادي الدولي في القرن الحادي والعشرين، وأن تدرك دور ومسؤولية أصحاب المصلحة المباشرة الذين يتزايد عددهم، فضلا عن تنوع أطيافهم واحتياجاتهم الخاصة، وأن تتيح صوتا أكبر لأفريقيا.

وانطلاقا من هذه الاحتياجات، نحث المعنيين من البلدان المساهمة في البنك على الوفاء بوعدهم بزيادة نسبة الحقوق التصويتية للبلدان النامية إلى 47 في المائة أو أكثر في هذا الشهر.

لكننا لن نتوقف عند هذا القدر. ففي إطار فريد من نوعه على مستوى المؤسسات المالية الدولية، سيتم استعراض المساهمات في رأس المال مرة كل خمس سنوات لإتاحة إجراء التغييرات استنادا إلى استمرار النمو الاقتصادي والتطور للبلدان المساهمة، وبهدف ترسيخ العدالة والإنصاف بمرور الوقت. ولأول مرة، ستقوم المساهمات على صيغة موضوعة خصيصا بما يعكس الاحتياجات والتفويضات والولايات المنوطة بمجموعة البنك الدولي: ولن تعكس المساهمات القوة الاقتصادية فحسب، بل ستعكس أيضا المساهمات المقدمة لصندوقنا المعني بأشد بلدان العالم فقرا.

يضم جهاز الإدارة العليا للمجموعة الآن عددا قياسيا من التنفيذيين من البلدان النامية ومن النساء. لكن علينا أن نفعل ما هو أكثر من ذلك.

إننا بحاجة إلى العمل مع البلدان النامية كأطراف متعاملة معنا، لا كموضوعات لنماذج التنمية المستمدة من الكتب الدراسية. نريد أن نساعد هذه البلدان في حل مشكلاتها، ولا نريد اختبار النظريات والافتراضات.

إلا أن المشكلات تحتاج إلى الموارد اللازمة لحلها.

نقوم بالإصلاح من خلال زيادة الموارد 

ارتبطت مجموعة البنك الدولي، منذ أن اندلعت الأزمة بكل قوتها في منتصف عام 2008، بتقديم أكثر من 100 مليار دولار لمساندة البلدان النامية.

لقد حطمنا بهذا الرقم كل الأرقام القياسية السابقة. وأود أن أشكر بصفة خاصة خبراء مجموعة البنك الدولي وموظفيها الذين كانوا على مستوى المسؤولية في مواجهة هذا التحدي.

لقد وجهنا الموارد المالية بشكل سريع حيثما تمس الحاجة إليها. وعلى الرغم من أن مجموعة البنك الدولي كانت تقليديا مقرضا للمشروعات الطويلة الأمد، فإن المدفوعات التي قدمتها لأغراض التنمية زادت على المدفوعات التي قدمها صندوق النقد الدولي لمواجهة الأزمة.

فعندما انبرت مجموعة البنك الدولي لمواجهة هذه المخاطر، فإننا اعتمدنا على الاستخدام الفعال والكفء للموارد التي في حوزتنا.

وسنحتاج إلى زيادة مواردنا لمساندة تعافي النمو وانتعاشه وللمساعدة في إنجاح نظام تعدد الأطراف في هذا الاقتصاد العالمي الجديد المتعدد الأقطاب. وإذا حدث وتعثر تعافي الاقتصاد العالمي، فسنقف موقف المتفرج نتيجة لذلك.

ولهذا السبب، يسعى البنك الدولي لتحقيق أول زيادة في رأس ماله منذ أكثر من 20 عاما. وعلى البلدان المساهمة اتخاذ القرار إما بتعزيز مجموعة البنك أو السماح بضعف تأثيرها، وفقدانها كمؤسسة فاعلة متعددة الأطراف، وتركها دون موارد كافية لمواجهة التحديات التالية وما يمكن أن تخبئه لنا الأيام.

لقد قمنا، بالإضافة إلى تقديم هذه الموارد المالية البالغة الأهمية، بتوضيح كيف يمكن أن يعمل النظام المتعدد الأطراف المحدث. ونقوم حالياً بتعزيز التعاون فيما بين البلدان المساهمة الأعضاء البالغ عددها 186 بلدا.

إن أكثر من نصف الموارد التي تمت تعبئتها لتعزيز رأس مالنا سوف يأتي من البلدان النامية من خلال زيادات في الأسعار والاستثمارات الرأسمالية. وسوف يكون الاتفاق على هذه الحزمة من التدابير، في حال نجاحه، خير مثال لقصة نجاح متعددة الأطراف على العكس من التعثر مؤخرا بشأن تغير المناخ والتجارة.

الإصلاح كي نصبح أكثر فعالية وتحلياً بروح الابتكار وخضوعاً للمساءلة

لن يكون الاقتصار على قضيتي توسيع التمثيل وزيادة الموارد كافيا، لأنه يجب علينا أن نكون أكثر فاعلية وقدرة على الاستجابة والابتكار والمرونة وتحمل المسؤولية.

نقوم بالإصلاح من أجل شحذ محور تركيزنا الإستراتيجي على المجالات التي يمكن أن نحقق فيها الحدود القصوى للقيمة المضافة – حيث نركز على الفقراء والمستضعفين وخاصة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء؛ وإتاحة الفرص من أجل النمو؛ وتعزيز العمل الجماعي العالمي ـ في مجالات مثل تغير المناخ، والزراعة، والمياه والصحة؛ وتعزيز الحوكمة ونظام الإدارة العامة؛ والاستعداد لمواجهة الأزمات.

نقوم بالإصلاح لتحديث أدواتنا ومنتجاتنا وخدماتنا، وتشجيع فرص الابتكار، وبحث نموذج اللامركزية الجديد الذي سيمكّننا من تطبيق المهارات المتقدمة في العمل عن قرب مع المتعاملين معنا، مع القيام في الوقت نفسه بجمع وإعداد وتبادل المعارف والخبرات على الصعيد العالمي. إننا بحاجة إلى التواصل العالمي، ولكن بلمسة محلية أيضا.

نقوم بالإصلاح من أجل التركيز على تحقيق النتائج، وتعزيز جهودنا في مجال الحوكمة ومحاربة الفساد، بما في ذلك البرامج الوقائية القوية، والاضطلاع بدور قيادي في توجيه المؤسسات الدولية الأخرى لتصبح أكثر شفافية وخضوعا للمساءلة. لدينا سياسة جديدة بشأن الحصول على المعلومات، تستند إلى القوانين الهندية والأمريكية الخاصة بحرية تداول المعلومات، وهي السياسة الأولى من نوعها ـ لكننا نأمل ألا تكون الأخيرة ـ على مستوى المؤسسات الدولية. كما نقوم بإطلاق سياسة جديدة بشأن إتاحة إمكانية الاطلاع على بيانات البنك الدولي للجميع. وأبرمنا في الأسبوع الماضي اتفاقية مع بنوك التنمية الأخرى المتعددة الأطراف على تعميم قرارات المنع والحرمان المشترك على الأفراد الفاسدين والشركات الفاسدة.

وشرعنا أيضا في تنفيذ نظام بطاقات قياس الأداء كي نكون أكثر خضوعا للمساءلة.

ونعلم علم اليقين أننا لسنا معصومين من ارتكاب بعض الأخطاء؛ ولكن إذا كان التغلب على الفقر أمرا سهلا وميسورا لكنا قد قضينا عليه منذ زمنٍ بعيد. ولا شك أن قيامنا بتعزيز سياسة الإفصاح عن المعلومات بالبنك ليرى الآخرون ماذا نفعل، وكيف نفعله، وما هي النتائج التي نحققها، سوف نضع أيدينا على أية أخطاء بشكل أسرع مع تحسين أدائنا بوتيرة أكثر سرعة.

وإذا نظرنا إلى كل هذه الإصلاحات مجتمعة، سندرك أنها بمثابة تحوّلات كبيرة وملموسة. فلم يعد البنك الدولي هو نفسه البنك الدولي الذي كان في عهد الأجداد. بل إنه حتى لن يشبه البنك الدولي في زمن الآباء.

الخاتمة 

لا يمكننا إجراء الإصلاح لمرة واحدة، بل يجب أن يتسم بالاستمرارية ـ التكيف وإعادة التكيف ـ مع مواصلة استقاء الآراء والتعليقات التقييمية، تتشابك معا في مواجهة حقائق الواقع الآخذ في التغير.

ولا يمكن التنبؤ بالمستقبل بكل الثقة والتأكيد. ولكن في مقدورنا أن نتوقع سير الاتجاهات ـ وأحدها أن عصر الاقتصاد العالمي المتعدد الأقطاب أصبح على مرمى البصر.

ليس هذا بالخروج عن المألوف ولا بومضة سريعة الزوال. فما زلنا نعيش في عالم الدول القومية. ولكن هناك الآن المزيد من البلدان التي تمارس نفوذها في التأثير على مصيرنا المشترك. وهي بلدان متقدمة ونامية من كل مناطق العالم. ويمكن أن يكون ذلك في صالح الجميع. ولكن حدود وخطوط هذا الاقتصاد الجديد المتعدد الأقطاب ما زالت في طور الصياغة، وتحتاج إلى الدخول في مرحلة التكوين والتشكيل.

إن النظام الحديث المتعدد الأطراف بحاجة إلى أن يكون صالحا ومهيئاً لهذه التغيرات.

ويجب أن يتحلى تعدد الأطراف الحديث بالطابع الواقعي والعملي. وعليه أن يدرك أن معظم السلطات الحكومية مازالت في أيدي الدول القومية. ولكن كثيرا من القرارات ومصادر القوة والنفوذ تتدفق حول الحكومات ومن خلالها وفيما يتجاوز نطاقها.

ويجب على النظام الحديث المتعدد الأطراف أن يفرز لنا أطرافاً فاعلة جديدة، فضلا عن بناء التعاون بين الأطراف الفاعلة القديمة والجديدة، والاستفادة من تعبئة المؤسسات العالمية والإقليمية للمساعدة في معالجة المخاطر واغتنام الفرص التي تتجاوز قدرات الدول بمفردها.

لن يكون النظام الحديث المتعدد الأطراف ناديا منغلقاً على أعضائه وعدد الواقفين خارج الغرفة أكبر من عدد الجالسين فيها. إنما سيكون أكثر شبها بالانتشار العالمي للإنترنت، يقيم الصلات والروابط ويفعّل التواصل بين المزيد والمزيد من البلدان والشركات والأفراد والمنظمات غير الحكومية عبر شبكة مرنة. وفي مقدور المؤسسات الشرعية والفعالة المتعددة الأطراف، المدعومة بالموارد والقادرة على تحقيق النتائج، أن تشكل النسيج المحقق للربط والتواصل، بما لها من إمكانات الامتداد والانتشار في الهيكل البنيوي لهذا النظام الديناميكي المتعدد الأقطاب.

كان مبتغى وودرو ويلسون هو إنشاء عصبة الأمم. ونحن نحتاج إلى عصبة من الشبكات.

لقد حان الوقت كي نلقي بالمفاهيم القديمة الخاصة التي تصنف بلدان العالم إلى عالم أول وآخر ثالث، وإلى عالم مانح وآخر متلق وراء ظهورنا.

يجب علينا تقديم الدعم والمساندة لبزوغ أقطاب متعددة للنمو الذي يمكن أن يعود بالخير العميم على الجميع.