خطب ونصوص

كلمة رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم في جامعة جورج تاون

رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم

واشنطن العاصمة

2013/04/02

بالصيغة المعدة للإلقاء

بإمكاننا بناء عالم بلا فقر

شكرا لكم. إنه لمن دواعي سروري دائما أن أزور مؤسسة أكاديمية عظيمة تُعنى بإعداد قادة المستقبل.

وأنا هنا اليوم لأتحدَّث إليكم عن المستقبل، عن الفرصة المتاحة لبناء عالم خالٍ من وصمة الفقر والإقصاء الاقتصادي.

ورسالتي إليكم هي أن بإمكاننا بلوغ عالم كهذا. ولكن إذا كنا نريد أن ننجح، وجب علينا اتخاذ بعض القرارات الصعبة وتغيير طريقة عملنا معا.


وكي نفهم هذه الفرصة التاريخية التي بين أيدينا، وما يتعين علينا القيام به لتغيير التاريخ، اسمحوا لي أن أبدأ بطرح بعض الملاحظات عن مشهد التنمية في العالم اليوم والآفاق المستقبلية على المدى المتوسط.


مشهد التنمية في العالم

دعوني أستهل حديثي بالإشارة إلى أن الأزمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي خلال الأربعة أعوام ونصف الماضية لا تبدي أية علامة واضحة على الانحسار. فقد لاحت في الأفق، في العام أو العامين الماضيين، العديد من بوادر التعافي لكنها سرعان ما انحسرت، ولذلك علينا أن نتوخى الحذر في تقييم الآفاق المستقبلية. وكما يتضح من الأحداث التي شهدتها قبرص مؤخرا، فمن السابق لأوانه إعلان تجاوزنا لهذه الأزمة تماما. وفي الوقت نفسه، ثمة شواهد متزايدة على أننا ماضون في الطريق الصحيح، على الرغم من أننا متأكدون من وجود بعض المعوقات على هذا الطريق.

فأحوال الأسواق في أوروبا قد تحسَّنت تحسُّنا منذ الاضطرابات التي شهدتها في الربيع والصيف الماضيين. وبفضل التزام البنوك الأوروبية باحتواء التقلُّبات المالية، عاد الكثير من مؤشرات المخاطر إلى مستويات لم تُشاهد منذ أوائل عام 2010 - قبل أن تظهر المخاوف بشأن استدامة المالية العامة لمنطقة اليورو. وفي حين يستحق واضعو السياسات الأوروبيون الإشادة والتقدير على هذه التحسينات، فمن المهم لنا أن نسلم بأن ضخ السيولة لا يعدو إلا أن يكون مجرد كسب للوقت؛ وهو لن يحل المشكلة. ومازال هناك الكثير من القرارات الصعبة التي يتعين علينا اتخاذها فيما يتعلق بسياسات المالية العامة والسياسات المصرفية.

وفي الاقتصاد الحقيقي، هناك بعض المؤشرات الضعيفة على أن التعافي يمضي قدما. ففي البلدان مرتفعة الدخل، ما زالت هناك تحديات مناوئة نتيجة لجهود ضبط أوضاع المالية العامة تعوق النمو، لكننا ربما تجاوزنا المرحلة الحرجة. وهنا في الولايات المتحدة، تشهد أسواق العقارات والعمل تحسُّنا - حيث أُضيف أكثر من مليون وظيفة إلى الاقتصاد الأمريكي في الأشهر الستة الماضية، لكن يجب الإشارة إلى استمرار عدم اليقين بشأن مأزق السياسات المالية. وفي أوروبا، من المتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي حوالي 0.2 في المائة هذا العام، وستستمر بعض المصاعب الحالية حتى نهاية 2014 وأوائل 2015.

وإذا نظرنا إلى الصورة الاقتصادية للبلدان النامية، فإن الآفاق المستقبلية تبدو أكثر إشراقا. فمن المتوقع أن تنمو اقتصادات البلدان النامية بمعدل 5.5 في المائة هذا العام، ونحن نتنبأ أن يتسارع النمو ليصل مُعدَّله إلى 5.7 في المائة و5.8 في المائة في عامي 2014 و2015 على الترتيب. وهناك شركات تتميَّز بالديناميكية والقدرة على المنافسة تنشأ وتتوسَّع في شتَّى أرجاء البلدان النامية من مؤسسات الأعمال الجديدة الصغيرة إلى الشركات متعددة الجنسيات.

زرت مؤخرا مدينة شينغدو بالصين حيث التقيت مع جانغ يان، وهي سيدة أعمال. كانت هذه المرأة، قبل بضعة أعوام، تراودها أحلام كبيرة لإقامة مشروع خاص بها لكنها كانت تفتقر إلى التمويل. واستطاعت الحصول على قرض قدره 10 آلاف دولار من خلال مبادرة بنك محلي لتمويل سيدات الأعمال، وهو برنامج تسانده مؤسسة التمويل الدولية ذراع مجموعة البنك الدولي لإقراض القطاع الخاص. واستخدمت جانغ قرضها في فتح ورشة لإصلاح السيارات، واليوم تدير مشروعا مزدهرا يعمل فيه أكثر من 150 شخصا. وقد تلقيت في عطلة نهاية الأسبوع رسالة منها بالبريد الإلكتروني، ذكرت فيها أنها تعتزم افتتاح ورشة ثالثة، وأنها ستواصل العمل على تعزيز المسؤولية الاجتماعية لمشروعها من خلال خلق المزيد من فرص العمل والتدريب للنساء اللائي لم يستطعن في السابق الحصول على فرص عمل جيدة. وتماثل قصتها تجارب ملايين من الأفراد الطموحين في شتَّى أرجاء المعمورة. فحينما تتاح لهم الفرصة للنجاح في الأعمال، فإنهم يغتنموها. ثمَّ يخلقون، بدورهم، وظائف وفرصا لجيرانهم.

 ويُحقِّق هذا النمو للقطاع الخاص مكاسب إنمائية رائعة، ولاسيما حينما يقترن بإجراءات تدخلية أكثر فعالية لمنفعة الفقراء من جانب الحكومات والمانحين الدوليين والمجتمع المدني. واليوم فإن معدلات الفقر المدقع آخذة في الانحسار. ففي عام 1990، كان 43 في المائة من السكان في البلدان النامية يعيشون على أقل من 1.25 دولار للفرد في اليوم.  وفي عام 2010 وبعد مرور عشرين عاما،  تشير تقديراتنا إلى أن معدل الفقر على مستوى العالم انخفض إلى 21 في المائة. وتحقَّق الهدف الأول من الأهداف الإنمائية للألفية –وهو خفض معدلات الفقر المدقع بمقدار النصف- قبل الموعد المستهدف بخمسة أعوام.

وربما كان التطور في القطاع الاجتماعي ملموسا بدرجة أكبر. ففي العقد المنصرم، حصل 8 ملايين مريض من مرضى الإيدز على علاج باستخدام العقاقير المضادة للفيروسات الرجعية. وانخفض عدد الوفيات السنوية بالملاريا بنسبة 75 في المائة. وهبط العدد الكلي للأطفال غير الملتحقين بالمدارس أكثر من 40 في المائة.

واستشرافا لآفاق المستقبل، فإننا نعتقد أن الظروف مُهيَّاة لاستمرار الأداء الاقتصادي القوي للبلدان النامية. لكن ينبغي ألا نعتبر تحقيق معدلات نمو مرتفعة أمرا مُسلَّما به. فالحفاظ على معدل نمو نسبته 6 في المائة، ناهيك عن نسبة 7 أو 8 في المائة التي تحققت في كثير من البلدان خلال فترة الرواج قبل الأزمة، سيتطلب استمرار جهود الإصلاح. وعلى سبيل المثال، يجب على البلدان أن تعمل لتحسين نوعية التعليم، ونظم الحوكمة ومناخ الأعمال؛ وتحديث مرافق بنيتها التحتية؛ وتوفير الأمن في مجالات الطاقة والغذاء؛ وتعزيز خدمات الوساطة المالية.

وفضلا عن ذلك، بدأت تظهر مخاطر جديدة. وعلى وجه الخصوص، فإننا نشعر بالقلق إذا لم يتخذ العالم إجراءات جريئة الآن، أن يكون الارتفاع الشديد لحرارة الأرض نذيرا بضياع الكثير من التقدم الذي حققناه.
فتغيُّر المناخ ليس مجرد مشكلة بيئية؛ فهو خطر جسيم على التنمية الاقتصادية وجهود مكافحة الفقر.

ويقول تقرير للبنك الدولي صدر مؤخرا إنه إذا لم نتحرَّك الآن لكبح انبعاثات الغازات الخطرة، فإن متوسط درجات حرارة العالم سيزيد، بنهاية هذا القرن، 4 درجات مئوية أو أكثر من 7 درجات فهرنهايت.

وفي عالم ترتفع فيه الحرارة 4 درجات، فإن منسوب مياه البحار سيرتفع إلى حوالي 1.5 متر مُعرِّضا للخطر أكثر من 360 مليون نسمة من سكان المدن. وستزداد المناطق المتأثرة بالجفاف من 15 في المائة من مساحة الأراضي الزراعية في العالم اليوم إلى حوالي 44 في المائة، وستتضرر بشدة أفريقيا جنوب الصحراء. وستقع ظواهر مناخية عاتية مع زيادة وتيرة تكرارها بدرجات مُدمِّرة وما ينشأ عن ذلك من خسائر تفوق الوصف في الأرواح والأموال. وسيكون أشد الناس معاناة وتضررا هم الفقراء الذين هم أقل الناس مسؤولية عن تغيُّر المناخ وأقلهم قدرة على التكيُّف.

وهناك تحد ثان خطير على المدى المتوسط هو مشكلة عدم الإنصاف. فذكر عدم الإنصاف يتسبب في الغالب في حالة من الصمت المخجل. لكننا اخترقنا حاجز الصمت بشأن هذه القضية الصعبة والمهمة. وحتى إذا استمر نمو اقتصادي سريع في البلدان النامية، فإن هذا لا يعني أن الجميع سيستفيدون بشكل تلقائي من ثمار عملية التنمية. والحرص على أن يكون النمو شاملا للجميع واجب أخلاقي ومن المتطلبات الرئيسية لاستدامة التنمية الاقتصادية.

ونحن نعلم أنه على الرغم من المكاسب والنجاحات الكبيرة التي تحققت في العقد الماضي، فإنه لا يزال هناك حوالي 1.3 مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع، و870 مليون نسمة يعانون من الجوع كل يوم، وأن 6.9 مليون طفل دون الخامسة يموتون كل عام.

ومن ثم، ما هي النتائج التي يمكن أن نستخلصها من هذا الاستعراض لمشهد التنمية في العالم اليوم؟ أعتقد أن هناك انعكاسين رئيسيين على عمل مجموعة البنك الدولي.

تسريع الجهود من أجل إنهاء الفقر المدقع

الانعكاس الأول هو أنه حان الوقت للتعهد بإنهاء الفقر المدقع. ونحن في لحظة ميمونة من التاريخ، حيث إن نجاحات العقود المنصرمة وآفاق النمو الاقتصادي المواتية باطراد تتضافر لتتيح للبلدان النامية فرصة – للمرة الأولى على الإطلاق- لإنهاء الفقر المدقع خلال جيل واحد. وواجبنا الآن أن نكون حريصين على أن تقترن هذه الظروف المواتية بوضوح الهدف وإجراءات صارمة لاغتنام هذه الفرصة التاريخية.

ونحن نعلم أن إنهاء الفقر لن يتحقق بسهولة. وفي السنوات القادمة ومع سعينا نحو هذه الغاية ستزداد المهمة صعوبة أكثر فأكثر لأن الذين لا يزالون يعيشون في فقر سيكون من الصعب للغاية الوصول إليهم.
 
فالبعض يعيشون في مناطق كثيفة السكان في اقتصادات ناشئة مثل ولاية أوتار براديش الهندية التي قمت بزيارتها الشهر الماضي ويعيش فيها ثمانية في المائة من سكان العالم في فقر مدقع. ومن يعيشون في أوتار براديش في حاجة إلى الكثير، بما في ذلك مرافق مُحسَّنة للبنية التحتية، وتقوية الأنظمة التعليمية التي تعد الطلاب للانضمام إلى الأيدي العاملة، وزيادة معدلات اشتراك النساء والفئات المحرومة الأخرى في أسواق العمل.

ويعيش آخرون مازالوا تحت نير الفقر في بلدان محصورة في دوامات الأوضاع الهشة والصراعات. ونسبة كبيرة ومتزايدة من الفقراء تعيش في دول هشة أو متأثرة بالصراعات تكون فيها احتياجات التنمية ومُعوِّقاتها على أشدها. ويجب أن تكون الدول الهشة في صدارة أي برنامج يرمي إلى إنهاء الفقر المدقع.

وتواجه التنمية في الدول الهشة مصاعب ولكن باتباع نُهُج مبتكرة يمكن تحقيق تقدم حقيقي مثلما لمسته في أفغانستان قبل ثلاثة أسابيع. وعلى سبيل المثال، فإننا نساعد في تدريب متطوعين أفغان على استخدام الكاميرات الرقمية بالهواتف الذكية التي تستخدم نظام جي بي إس في متابعة مشروعات الري في المجتمعات المحلية، مما يزيد من إحساسهم بملكية هذه المشاريع. ويجري الآن نقل ما يلتقطون من صور وتقارير يوميا إلى مكاتبنا الرئيسية في كابول. وللكاميرات أيضا وظيفة لو شهدها جيمس بوند لكانت محل تقديره وإعجابه: أن لها زرا يمكنه إلغاء كل البيانات، بما في ذلك الصور والتقارير، في حالة تعرض العمال في هذا المجال للاستجواب عند حاجز تفتيش. وفي أفغانستان على الرغم من التحديات الأمنية القاسية وبيئة ينخر فيها الفساد، فإن كثيرا من الشركات اليوم تدرس فرصا استثمارية في مجالات التعدين والطاقة والنقل. وأصبح المطار الدولي مليئا بالطائرات التجارية في تغير مبهر عما كان عليه الحال قبل عقد من الزمان. وأصبح 27 في المائة من أعضاء برلمان البلاد من النساء وهو ما يتناقض بشدة مع ما كان عليه الوضع فيما مضى.


وتُوضِّح تجارب مجتمع المانحين في أفغانستان المخاطر الشديد للعمل في الدول الهشة، لكننا نشهد باطراد كيف يمكن أن يؤدي تنسيق الجهود من المجتمع الدولي والحكومات المحلية إلى نتائج تنطوي على تحولات جوهرية. ونحن نجمع الدروس المستفادة بشأن كيفية تحقيق الأمن والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية. وفي الشهر القادم، سأزور أنا والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون منطقة البحيرات العظمى في شرق أفريقيا حيث نتعاون في وضع هذه الدروس موضع التنفيذ على نطاق أوسع. وأود في هذا الصدد أن أكون واضحا - فقد عملت في دول هشة ومتأثرة بالصراعات معظم حياتي المهنية، كما أن مواصلة تعزيز عمل مجموعة البنك الدولي في هذه البلدان سيتصدر قمة أولوياتي.

تعزيز الرخاء المشترك

بالإضافة إلى التعجيل بنهاية الفقر المدقع، فإنني أعتقد أن الدرس التنموي الثاني لأوقاتنا هو أنه لا يكفي أن نقتصر على مكافحة الفقر. ويجب علينا العمل بشكل جماعي لمساعدة كل المحرومين في كل مكان على انتشال أنفسهم بعيدا عن خط الفقر. ونحن في مجموعة البنك الدولي، فإن التركيز على تحقيق العدل والإنصاف يأتي في صميم رسالتنا المتعلقة بتعزيز الرخاء المشترك.

وما سمعته مرارا وتكرارا خلال الأشهر التسعة الماضية هو أن واضعي السياسات الذين يستشرفون المستقبل في شتى أنحاء العالم يهتمون بالتصدي لعدم المساواة والإقصاء.

إنهم يريدون خلق فرص اقتصادية للمحرومين من مواطنيهم، وجلب النمو لسكان المناطق الفقيرة والمهمشة نسبيا، سواء أكانوا يعيشون على دولار أو دولارين أو عشرة دولارات للفرد في اليوم. وهم يريدون مساعدة الذين لم ينسلوا من ربقة الفقر المدقع إلا في الآونة الأخيرة في الحصول على الموارد التي يحتاجون إليها للحاق بالطبقة المتوسطة. ويريدون أيضا ضمان أن تتسم المكاسب التي حققوها خلال العقود المنصرمة بالاستدامة من النواحي الاجتماعية والبيئية والمالية العامة.

وفي تونس، التقيت في يناير/كانون الثاني الماضي بقادة المجتمع المدني الذين كانوا في صدارة الحركة التي أطلقت شرارة ثورات الربيع العربي. وكانت رسالتهم لي واضحة، ومؤداها أنه إذا لم يتم تقاسم ثمار الرخاء على نطاق واسع، وإذا لم يتم بناؤه على أساس عملية تنمية يشارك فيها كل أعضاء المجتمع وخاصة النساء والشباب، فإن التوترات قد تحتدم مرة أخرى لتصل إلى نقطة الانفجار.
وإنني أؤمن إيمانا قويا كذلك بأن الرخاء يجب أن يكون مشتركا لا بين الأفراد والمجتمعات المحلية والدول فحسب ولكن أيضا فيما بين الأجيال. وإذا لم نسع على الفور ودون إبطاء إلى الحد من آثار تغير المناخ فإننا سنترك لأطفالنا وأحفادنا كوكبا يصعب التعرف عليه لشدة ما طرأ عليه من تغيرات.

وتعكف مجموعة البنك الدولي الآن على إعداد إستراتيجية مُعدَّلة هدفها تعزيز إجراءاتنا التدخلية في مواجهة تغير المناخ والمساعدة على حفز التعاون على وجه السرعة فيما بين شركاء التنمية في العالم على النطاق المطلوب. ونحن ندرس بعض الأفكار الجريئة ومنها آليات جديدة لمساندة أسواق الكربون والربط بينها، وخطط عملية ومقبولة من المنظور السياسي لإلغاء الدعم المقدم لمنتجات الوقود الأحفوري، وزيادة الاستثمارات في الزراعة المراعية لظروف المناخ، والدخول في شراكات مبتكرة لبناء مدن نظيفة. ونحن نراجع جهودنا في كل قطاع لضمان أن تعكس كل مشروعاتنا الحاجة الملحة إلى معالجة مشكلة تغير المناخ. ومن الممكن الآن تفادي خطر ارتفاع درجة حرارة الأرض 4 درجات إذا قمنا بإعداد خطة واتخاذ إجراءات منسقة ترتقي إلى مستوى التحدي الذي نواجهه. وأعتقد أن الجهود التي اتخذناها لمكافحة تغير المناخ حتى الآن هي جهود ضيقة التركيز وصغيرة الحجم وتفتقر إلى التنسيق. ولا شك أننا نستطيع أن نفعل ما هو أفضل من هذا. 
 
هدفان تسترشد بهما مجموعة البنك الدولي

دعوني أتحدث بصورة أكثر تحديدا كيف تحشد مجموعة البنك الدولي الجهود لاغتنام الفرصة لإنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك.

 إننا نعتمد حاليا هدفين لتوجيه إستراتيجيتنا. وهما هدفان لن تسعى مجموعة البنك الدولي لتحقيقهما بنفسها. فهما هدفان سيعمل على تحقيقهما شركاؤنا –وهم 188 بلدا عضوا في البنك الدولي - بمساندة من مجتمع التنمية في العالم برمته.

والهدف الأول هو إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030. والآن، وقد أصبح وضع نهاية للفقر المدقع أمرا ممكنا فإننا نريد وضع جدول زمني جسور لتركيز جهودنا والتأكيد على إلحاح الأمر وأهميته.

ويبدو أن عام 2030 كموعد مستهدف ينطوي على طموح مفرط. وإذا كان أحد يساوره شك، فليتذكَّر أن الهدف الأول من الأهداف الإنمائية للألفية كان خفض معدلات الفقر المدقع بمقدار النصف خلال فترة 25 عاما. وللوصول إلى هدف 2030، يجب علينا خفض معدلات الفقر بمقدار النصف مرة، ثم خفضها بالمقدار نفسه مرة ثانية، ثم خفضها بنحو النصف مرة ثالثة - وكل ذلك في أقل من جيل واحد. وإذا استطاعت البلدان تحقيق هذا، فإن نسبة الفقر المدقع ستهبط إلى أقل من 3 في المائة. وقد حدد خبراؤنا الاقتصاديون المستوى المستهدف في هذا الصدد، لأنه عند أقل من 3 في المائة ستكون طبيعة تحدي الفقر قد تغيرت تغيرا جوهريا في معظم أجزاء العالم. وسيتحوَّل التركيز من إجراءات هيكلية واسعة النطاق إلى معالجة الفقر في مواضع متفرقة بين فئات معينة محرومة.

ويعتقد فريقنا أن ثلاثة عوامل ستكون ضرورية لبلوغ هذه النتيجة غير العادية.

أولا، الوصول إلى هدفنا سيتطلب تسريع وتيرة معدلات النمو التي لوحظت خلال الخمسة عشر عاما الماضية، ولاسيما تحقيق معدل نمو مرتفع ومستدام في جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. وثانيا، سيتطلب جهودا لتعزيز الاشتمال والحد من التفاوتات الاجتماعية وضمان أن يؤدي النمو إلى الحد من الفقر، من خلال وسائل أهمها خلق فرص العمل. وثالثا، سيتطلَّب تفادي الصدمات المحتملة -مثل أزمة جديدة في الغذاء أو الوقود أو أزمة مالية أو كوارث مناخية- أو التخفيف من حدة هذه الصدمات.

إن بلوغ هذه الأهداف سيتطلب موارد إضافية. وتناقش مجموعة البنك الدولي مع شركائها هذا العام تجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية، وهي صندوق البنك الدولي لتمويل أفقر بلدان العالم الواحد والثمانين. وبفضل مساعدات المؤسسة الدولية للتنمية، نجح مئات الملايين من الناس في الفكاك من براثن الفقر المدقع. ومن أهم أولوياتي ضمان تجديد قوي لموارد المؤسسة.

وسيتطلب تحقيق هذا الهدف بحلول عام 2030 جهدا استثنائيا. ولكن هل يساور أحدا في أي مكان شك في أن ذلك يستحق العناء؟ فهل من أحد يعيش على أقل من 1.25 دولار لا يريد أن يضم صوته إلى صوتي هنا اليوم ليقول لكم أنه حان الوقت لإنهاء الفقر المدقع؟ هل من أحد من الذين شهدوا الأحياء العشوائية الفقيرة في جوهانسبرغ أو أديس أبابا أو داكا أو ليما لا يريد أن يتعهد بالمساعدة في تهيئة ظروف معيشة أفضل لكل من يعيشون هناك؟ هل أحد من الموجودين هنا اليوم لا يريد أن يزيل هذه الوصمة في ضميرنا الجماعي؟

  ولكني أعرف أن إنهاء الفقر المدقع ليس كافيا. ويجب علينا أيضا أن نعمل على زيادة دخول أفقر 40 في المائة من السكان في كل بلد.

ويحقق التركيز على أدنى 40 في المائة عنصري الرخاء المشترك، وهما ضرورة تحقيق نمو اقتصادي يقترن بحرص شديد على تحقيق الإنصاف. وهو يتطلَّب ألا نكتفي بالسؤال عما إذا كانت البلدان النامية تحقق نموا، وأن ننظر بشكل مباشر فيما إذا كانت رفاهية أشد شرائح المجتمع فقرا تزداد. إنه هدف مهم لكل البلدان.

ومع أن جهودنا تتركَّز بشكل خاص على البلدان التي تملك أقل الموارد، فإن عملنا لا يقتصر على البلدان الفقيرة. فنحن نعمل في كل بلد يوجد فيه فقراء.

ويُعتبر ذلك عملا شاقا، لكن يمكن القيام به. كنت قبل وقت قريب في البرازيل حيث شهدت كيف يمكن أن تساعد سياسات عامة أعدت بعناية في تحقيق خفض جذري في تفاوتات الدخل. فقد قامت البرازيل بتيسير الحصول على الخدمات التعليمية ونفذت برنامجا للتحويلات النقدية المشروطة ساعد على زيادة مستويات الدخل بين من يعانون من فقر شديد. وتستطيع البلدان الأخرى تبني هذه الإستراتيجيات وغيرها من الإستراتيجيات التي ثبت صوابها في معالجة التفاوتات في سياقاتها. والنجاح يمكن أن ينتشر ويتسع نطاقه.

وستكون مجموعة البنك الدولي حاضرة لمساعدة البلدان في إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك من خلال أربع طرق على الأقل.
 
"أولا، سنستخدم هذين الهدفين لمساعدتنا في الاختيار بين الأولويات المختلفة، عند تحديد المشروعات التي يمكن أن يكون لنا فيها أكبر الأثر. وستثري هذه الأهداف بشكل جوهري إستراتيجياتنا للشراكة القطرية، وهي وثائق السياسات التفصيلية التي تُحدِّد أهدافنا لكل من البلدان الشريكة لنا.

فعلى سبيل المثال، سنرفع الأسبوع القادم لمجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي وثيقة إستراتيجيتنا الجديدة للشراكة القطرية الخاصة بالهند وهي أول إستراتيجية تم وضعها مع أخذ هذين الهدفين في الحسبان. ويمكن أن تكون مساهمة الهند في إنهاء الفقر في العالم مذهلة. ففي الأعوام الخمسة الماضية، خرج نحو 50 مليون نسمة من ربقة الفقر في الهند. وتذهب تقديراتنا إلى أنه في الجيل المقبل ومن خلال جهود مُنسَّقة قد يخرج 300 مليون هندي آخرين من إسار الفقر المدقع.

وثانيا، سنتابع عن كثب التقدم المحرز نحو بلوغ هذين الهدفين المتعلقين بإنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك، وسنقدم سنويا تقريرا عما تحقق وأين تكمن أوجه النقص والقصور.

وثالثا، سنستخدم قدراتنا على جمع مختلف الأطراف وعلى الإقناع في تذكير واضعي السياسات والمجتمع الدولي باستمرار بما يتطلبه تحقيق هذين الهدفين.

وفي الآونة الأخيرة، تعهد عدد من الساسة الذين يتحلون بالشجاعة بالعمل لإنهاء الفقر في بلدانهم، ومنهم ديلما روسيف في البرازيل وجويس باندا في ملاوي. وبالمثل، أيد الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون رؤية إنهاء الفقر في العالم. وهذه الدعوات الجريئة تتطلب أفعالا وخطوات عملية. وسوف تكون مجموعة البنك الدولي مدافعا لا يلين عن هذه القضية وشريكا مخلصا في تشجيع واضعي السياسات على الوفاء بوعودهم للفقراء.
ورابعا، أننا سنعمل مع شركائنا لتبادل المعارف بشأن الحلول الممكنة لإنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك."
وسوف تحتاج البلدان للوصول إلى أهدافها الإنمائية إلى اتباع سياسات سليمة وتمويل كاف. ولكن سيتعين عليها أيضا تحسين قدراتها في تنفيذ السياسات على الأرض من أجل الحصول على النتائج المرجوة.
وتتطلع بلدان العالم باطراد إلى مجموعة البنك الدولي طلبا للمساندة في التصدي لتحديات التنفيذ. إنهم يبلغوننا أن لديهم أعدادا قياسية من الأطفال في المدارس، لكن الاختبارات تكشف أن الكثير منهم لا يعرف القراءة أو الكتابة حتى الصف الدراسي الخامس. وتمت الموافقة على خطط لإنشاء محطات جديدة للصرف الصحي أو طرق جديدة أو جسور جديدة، لكن بعد مرور سنوات فإن هذه الخطط لم تستكمل بعد. وهذه جوانب قصور في التنفيذ وعند كثير من البلدان هي أكبر عقبة على طريق التنمية.
 
ولهذا نعمل مع البلدان والشركاء لبناء ما نسميه عِلم الإنجاز (تحقيق النتائج) على طريق التنمية. وعند نضوج هذا الميدان الجديد، فإنه سيساعد على تزويد المشتغلين في مجال التنمية في الخطوط الأمامية بالمعارف والأدوات وشبكات الدعم. وسيربطهم بأقرانهم في شتى أنحاء العالم الذين يمكنهم مساعدتهم في حل المشكلات على الفور. ومن بين الأمثلة الحديثة: تلقى المهندسون الذين يقومون بتحديث شبكات الكهرباء في جمهورية جورجيا سيحصلون على المشورة من زملائهم في شيلي الذين سبق لهم التصدي لتحديات مماثلة.

وسيساعد عِلم الإنجاز بتيسيره هذه الصلات على انتشار آثار الخبراء في حل المشكلات داخل مجموعة البنك الدولي وخارجها: الذين هم في الخطوط الأمامية ويعملون على إيجاد سبل لتوفير الطاقة الشمسية إلى نصف مليون من البدو في منغوليا، أو يساعدون القرويين في كوستاريكا في أنشطة الإعمار بعد الزلزال، أو يضعون حزمة تمويل قد تساعد على إعادة الحياة إلى خط سكك حديدية متعثر في شرق أفريقيا.

ومن خلال تعزيز المجال الناشئ لعلم الإنجاز، سنساعد شركاءنا على التعلُّم بعضهم من بعض، وتعظيم آثار كل دولار ينفق بغية إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك.
 
الخلاصة: كيف سيكون شكل العالم الذي نتركه لأطفالنا؟


وفي الختام، اسمحوا لي أن أشير إلى أنه بدءا من يوم الجمعة من هذا الأسبوع، أمامنا ألف يوم حتى نهاية عام 2015، وهو الموعد النهائي المستهدف لتحقيق جميع الأهداف الإنمائية للألفية الثمانية. وقد كان التقدم المُحرز نحو بلوغ هذه الأهداف رائعا، لكنه ما زال يتفاوت فيما بين السكان والبلدان. ويجب علينا أن نستفيد من هذه الفترة الزمنية في العمل بمزيد من الاهتمام لتحسين الأحوال المعيشية للأطفال وعائلاتهم.

ويجب علينا أيضا ونحن نحث الخطى ونضاعف الجهود أن نُركِّز على ما سيأتي بعد ذلك وكيف يمكننا الحفاظ على تركيزنا بلا كلل ولا ملل للسنوات القادمة. وتعكف مجموعة البنك الدولي مع الجهات الشريكة على صياغة أجندة جريئة لما بعد عام 2015. والواقع أنني سأشارك في اجتماع في نهاية هذا الأسبوع في مدريد مع رؤساء جميع وكالات الأمم المتحدة تحت قيادة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. وسنركز على وجه التحديد على كيفية العمل معا باعتبارنا منظومة دولية واحدة لتسريع التقدم المحرز في فترة ال 1000 يوم الأخيرة.

غير أننا نعلم جميعا أن التحديات التي أمامنا جسيمة وأن التقدم ليس أمرا حتميا. وأتذكر هذا عندما أعود بذاكرتي إلى لحظة خلال حركة الحقوق المدنية للأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، قبل 50 عاما على وجه الدقة هذا الشهر.

ففي أبريل/نيسان 1963، تم إلقاء القبض على الدكتور مارتن لوثر كينغ في بيرمنغهام بولاية ألاباما لقيادته موجة من الاحتجاجات الجماهيرية تهدف إلى إجبار السلطات المحلية على تسريع وتيرة الإصلاحات الداعية لإلغاء الفصل العنصري. ورفض الكثير من القادة الدينيين المعتدلين من البيض الذين اعتبروا أنفسهم حلفاء لحركة النضال من أجل الحقوق المدنية ما رأوا أنه تكتيكات "متطرفة" للدكتور كينغ. ويوم إلقاء القبض على الدكتور كينغ، نشرت مجموعة من رجال الدين المعتدلين خطابا في صحيفة بيرمينغهام قالوا فيه إن جميع الأمريكيين المنصفين يعلمون أن السود سيحصلون على حقوقهم في نهاية المطاف، لكن كينغ تصرف على نحو "غير حكيم وسابق لأوانه" لفرض التغيير قبل أوانه.

وفي "خطابه من سجنه في برمنغها"، قال الدكتور كينغ إن سلوك المعتدلين البيض يجسد "سوء فهم مأساوي" بأن الوقت سيجلب "حتما" التقدم. ‏حيث قال كينغ:‏ "التطور الإنساني ليس أمرا تلقائيا ولا حتميا؛ لكنه يأتي عبر الجهود الحثيثة للرجال والنساء".

فالظلم لن يختفي "حتما من تلقاء نفسه". بل يجب، كما قال الدكتور كينغ، "اجتثاثه بقوة وإصرار وحزم" مدفوعين في ذلك "بالطابع الملّح للحظة".

وفي وقت نضع فيه أهدافا لمؤسستنا، وأهدافا لجهودنا الجماعية لتحسين خدمة الفقراء والمحرومين، يجب أن نفكر مليا في المثال الذي ضربه لنا الدكتور كينغ.

فنحن نضع أهدافا، تماما لأنه ليس هناك أمر حتمي. نضع أهدافا ليس فقط لمواجهة العقبات الخارجية، ولكن أيضا للوقوف بوجه الجمود وعدم التغيير داخل مؤسستنا. نضع أهدافا كي نظل متيقظين "للطابع الملّح للحظة" للدفع باستمرار لتجاوز حدودنا وقدراتنا. نضع أهدافا كي لا نسقط فريسة للرضا بالأمر الواقع أو القعود عما يجب القيام به - فكلاهما عدو لدود للفقراء.

نضع أهدافا بحيث يمكننا كل يوم وكل ساعة أن نضمن أن ما نتخذه من إجراءات وتدابير يتوافق مع قيمنا العميقة – - تلك القيم التي يمكننا تأكيدها دون خجل أمام حكم التاريخ.

وإذا تحرَّكنا اليوم وعملنا دون كلل أو ملل نحو بلوغ أهداف إنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك، فسوف تتاح لنا الفرصة لخلق عالم لأطفالنا لا تُميِّزه التفاوتات الصارخة وإنما الفرص المتنامية. عالم يتسم بالاستدامة يتاح فيه لكل الأسر الحصول على الطاقة النظيفة. عالم يجد فيه كل فرد كفايته من الطعام. عالم لا يموت فيه أحد من مرض يمكن الوقاية منه.

 عالم بلا فقر.

إنه العالم الذي نريده لأنفسنا ولأطفالنا وأحفادنا وكل الأجيال القادمة.

وكما قال الدكتور كينغ، "فإن الوقت ملائم دائما لعمل الشيء الصحيح". والفرصة أمامنا مباشرة. وإن من واجبنا، بل وبمقدورنا، أن نمسك بقوس التاريخ ونثنيه باتجاه العدل والإنصاف.

شكراً جزيلاً لكم.