خطب ونصوص

جيم يونغ كيم: مصر تشكل أولوية لمجموعة البنك الدولي

2015/06/09


جيم يونغ كيم مصر

بالصيغة المعدة للإلقاء

نشرت هذه المقابلة على موقع صحيفة الأهرام في 10 يونيو 2015 خلال أول زيارة لرئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم  إلى مصر منذ توليه منصبه

خلال زيارتكم المُتوقَّعة لمصر، ستلتقون بالرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء إبراهيم محلب وكبار المسؤولينبالحكومة، فما الغرض الرئيسي من زيارتكم؟

هذه هي زيارتي الأولى لمصر. وإنِّي أتطلَّع إلى لقاء الرئيس السيسي ورئيس الوزراء محلب والوزراء وكبار المسؤولين ممن سألتقي بهم خلال زيارتي القصيرة. وأود  أن أؤكِّد لهم   شخصيا الالتزام العميق لمجموعة البنك الدولي بشراكتنا مع مصر. وهي  شراكة  ترتكز رؤيتها على مساعدة الفقراء، ولاسيما خارج المراكز الحضرية في المناطق التي  تأخرت عن القاهرة والإسكندرية في مجال التنمية والحصول على الفرص.

وسوف أؤكِّد للرئيس التزام مجموعة البنك الدولي بمضاعفة مساعداتنا السنوية في الأعوام الأربعة القادمة الى  1-1.2 مليار دولار.

فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد الآن صراعات شديدة و تردي  في  الأوضاع الأمنية. ويعدّ السلام والاستقرار من  الركائز الأساسية لتحقيق نمو يعود بالنفع على الفقراء. ومصر هي حجر الزاوية في استقرار المنطقة، وقد جئت إلى هنا لأؤكِّد للحكومة المصرية أن مجموعة البنك الدولي تُدرِك تمام الإدراك هذه التحديات و توّد  العمل معها كي  يصبح وضع مصر الإقتصادي داعما لهاً لتكون ركيزة الاستقرار والنمو.  

ما هي القطاعات التي يساندها البنك الدولي في مصر وما هو حجم محفظة قروضه؟

إن مصر بلد له أولوية ضمن اهتمامات مجموعة البنك الدولي. و فيما يتعلق بجانب التمويل ، تشتمل حافظة أعمال البنك الدولي على 26 مشروعاً قيمتها 5.9 مليار دولار، وهي أكبر حافظة مشروعات بين كل شركاء التنمية العاملين في مصر في الوقت الراهن. ومحفظة  مؤسسة التمويل الدولية – ذراع المجموعة لتمويل القطاع الخاص- تشمل 33 مشروعاً تقدر قيمتها بأكثر من  مليار دولار.

والتمويل ليس سوى جزء واحد من الصورة. فما نقدِّمه في إطار مشاركتنا يتضمَّن أيضا الخبرة الفنية، والمعارف العالمية، والقدرة على جمع شركاء التنمية حول أجندة مشتركة هي مساعدة الفقراء وتعزيز النمو الذي يستفيد منه الجميع.

فتركيزنا علي المشروعات التي من شأنها أن تتيح فرص إقتصادية للجميع، بمعني توفير فرص أكبر للشباب، إتاحة فرص للمرأة لتسهم بصورة فاعلة في الإقتصاد، دعم صغار الملاك وأسر الفلاحين. هذا بالإضافة إلي المساعدة في تطوير الأقاليم الأقل حظا في التنمية مثل صعيد مصر.

و لهذا فاننا نعمل في الكثير من القطاعات المختلفة، منها الطاقة، والتمويل، والنقل، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية والعمل، والزراعة والمياه، والبيئة.

كيف تختارون وتراجعون المشروعات التي تساندونها؟ وكيف تساندون منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة؟

تَعكِف مجموعة البنك الدولي حالياً على إعداد إطار شراكة جديد مع الحكومة المصرية للسنوات الخمس القادمة.,و هدف الاستراتيجية هو مساندة الحكومة المصرية في تحقيق أهدافها من رخاء يشمل الجميع و عدالة اجتماعية. وفي هذه الاستراتيجية الجديدة، سنزيد تركيزنا على القطاعات الاجتماعية. فنحن  نوّد أن نُركِّز في السنوات الخمس المقبلة على التعليم، و توفير الخدمات للمناطق الفقيرة و المتأخرة عن ركب التنمية، وكذلك  توفير فرص العمل.

وسوف نساند أولويات الحكومة المصرية، لاسيما في مجالات استقرار الاقتصاد الكلي، وتحسين الإدارة العامة، وبناء شبكة فعَّالة للأمان الاجتماعي.

وقد عقدت مصر مؤتمراً ناجحاً للغاية عن التنمية الاقتصادية في شرم الشيخ في مارس الماضي، وهو ما أرسل إشارة واضحة مؤداها أن البلد يفتح أبوابه لأنشطة الأعمال ويُرحِّب بمزيد من الاستثمار الأجنبي. وسيتطلَّب جني ثمار المساندة السياسية والاستثمارية الباهرة التي حظيت بها مصر سعيا حثيثا لتهيئة مناخ موات للاستثمار، وإرساء سيادة القانون، و وجود مؤسسات تتسم بالشفافية وتخضع للمحاسبة والمساءلة.

منذ يناير 2011، يمر الاقتصاد المصري بمرحلة من عدم الاستقرار. فما هو تقييمكم للمشكلات التي يواجهها الاقتصاد؟ ففي رأي بعض المُؤسسات المالية الدولية، تحسَّن الاقتصاد المصري قليلا، فما الذي يتعيَّن عمله حتى يسترد هذا الاقتصاد عافيته واستقراره؟

لقد ظهرت بوادر على أن الاقتصاد المصري يتعافى بعد أربع سنوات من النمو  المتباطئ، إذ قفز معدل النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي إلى 5.6 في المائة في النصف الأول من السنة المالية 2015. وهذا أعلى مُعدَّل نمو يتحقَّق منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأعلى كثيراً من المعدل الضعيف البالغ 2 في المائة الذي سجلته مصر على مدى السنوات الثلاث التي أعقبت ثورة يناير 2011. ويعكس تحسُّن النشاط الاقتصادي في الآونة الأخيرة استعادة الثقة تدريجياً وزيادة الإنفاق الاستثماري.

ومما لاشك فيه إن الحكومة تواجه تحدياً مزدوجاُ يتمثَّل في تدعيم الانتعاش الاقتصادي، وفي الوقت نفسه معالجة القضايا الهيكلية القائمة منذ وقت بعيد ومنها ارتفاع معدلات البطالة ولاسيما بين الشباب والنساء، وتدهور البنية التحتية. ورغم أن مُعدَّل البطالة ما زال مرتفعاً عند 12.8 في المائة، فقد بدأ يتراجع بشكل طفيف. والبطالة في صفوف الشباب من أهم التحديات، إذ أن 63 في المائة من العاطلين البالغ عددهم حالياً 3.6 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.

وقد اتخذت مصر بعض الإجراءات الجريئة لضبط أوضاع المالية العامة في يوليو 2014، شملت كلا من الإيرادات والمصروفات، وعزَّزت في الوقت نفسه من الإنفاق الاجتماعي والرأسمالي. وإذا استمرت هذه الإصلاحات مع الحفاظ على وتيرتها، فقد يتسنى استعادة الاستقرار في الاقتصاد الكلي، وتحقيق استدامة المالية العامة على المدى المتوسط، ويمكن للاقتصاد أن يحافظ على معدل نمو مرتفع. وتجري أيضاً جهود لتعزيز الإنفاق الاجتماعي عملاً بالنصوص الدستورية، ولكن من الضروري لحماية الفقراء والمحرومين اتخاذ تدابير لتحسين آليات الاستهداف وتخفيف أثر الإصلاحات، واتباع سياسة متسقة لخفض معدلات التضخم المرتفعة حاليا.

ومع المضي قُدُماً، فإن الأولوية الرئيسية للحكومة المصرية تتمثَّل في تيسير النمو الذي يقوده القطاع الخاص ويعود بالنفع على فئات الشعب كافة، وذلك من خلال تنشيط قدرات القطاع الخاص لتهيئة فرص العمل القادرة على استيعاب قوة العمل المتنامية، وخفض معدل البطالة تدريجيا. ويتطلَّب هذا اتباع سياسات تعزز من ثقة المستثمرين، وتشجع القطاعات الكثيفة العمالة، وتحشد موارد كافية لتمويل استراتيجيات التنمية الاقتصادية والنمو على المدى المتوسط. ولمؤسسة التمويل الدولية - ذراع مجموعة البنك الدولي للتعامل مع القطاع الخاص - وجود قوي في القاهرة من خلال فريق من الخبراء في أعمال القطاع الخاص والمُؤهَّلين جيداً لمساندة النمو وتوفير فرص العمل.

ما هي الآفاق المستقبلية للاقتصاد المصري في ضوء المشكلات التي تواجهها المنطقة مثل غياب الأمن وخطر الإرهاب؟

السلام والاستقرار في مصر –وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأسرها-  أمر له أهمية  عالمية  بالغة. وهما ضروريان للتنمية الاقتصادية وتحقيق الرخاء. وتُركِّز مجموعة البنك الدولي على مساندة مصر والمنطقة برمتها في معالجة الأسباب الأساسية لعدم الاستقرار على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية. ونحن مستعدون لحشد الموارد المالية والمساعدات الفنية اللازمة لمساندة الإصلاحات في مجالات التعليم والتدريب المهني، والشراكة مع الحكومة والقطاع الخاص لسد الفجوات على صعيد الجودة، والعمل لتحقيق التوافق الغائب الآن بين المهارات واحتياجات سوق العمل، ومن ثمَّ تحسين مُؤهِّلات الشباب والنساء و الفئات المحرومة  اقتصادياً لمساعدتهم على الحصول على فرص عمل.

إن الاحتواء الاجتماعي هو عصب إرساء وتعزيز النمو للجميع ، ولاسيما في المناطق  التي تأخرت عن ركب التنمية، ونحن نُقدِّم المساندة في هذا المجال، ومن ذلك توسيع برنامج شبكات الأمان الاجتماعي من أجل الوصول إلى أشد الأُسر فقرا، وتخفيف أثر الإصلاحات. ونُشجِّع أيضا الاستثمارات الخاصة في التعليم المهني وما بعد المرحلة الثانوية. فوجود قطاع خاص مزدهر يسهم في تقليص معدلات الفقر وتعزيز الرخاء المشترك في مصر من خلال تهيئة فرص العمل والاستثمار والابتكار.

لقد أصدرت مصر في الآونة الأخيرة قانونا جديداً للاستثمار. فكيف –في رأيك-  يساعد هذا مصر على أن تصبح سوقاً جاذبة للاستثمار؟ وكيف ترى الأوضاع الحالية والمستقبلية للاستثمارات في مصر؟ وما هو –في رأيك- أكثر المجالات جذباً للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر؟

كان إقرار تعديلات قانون الاستثمار خطوة أولى مهمة أظهرت للمستثمرين أن الحكومة جادة في تحسين مناخ الاستثمار. ويجب أن تكون هذه الإصلاحات عملية متواصلة  تستند على حوار قوي وشامل مع القطاع الخاص.

واليوم، تسنح لمصر فرصة فريدة لمعالجة المُعوِّقات الشديدة لممارسة أنشطة الأعمال التي أصابت بيئة الاستثمار بالشلل زمنا طويلاً، سواءً من خلال إلغاء إجراءات الاستثمار التي عفا عليها الزمن أو تبسيطها، أو جعل الحصول على الأراضي للأغراض الصناعية أكثر يسراً وشفافية، أو تحسين إطار المنافسة.  ولقد حان الوقت كي تُحقِّق مصر قفزة نوعية تاريخية في مناخها الاستثماري إذا كانت تريد تعزيز الاستثمار وتهيئة فرص العمل والتوظيف. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه المُعوِّقات - إذا بقيت دون تغيير - فإنها ستُضعِف أثر السياسات الاقتصادية الحالية والمشروعات الاستثمارية العامة الضخمة المُزمعة. إنّ ما يهم المستثمرين هو التطبيق الفعلي للقواعد التنظيمية، لا ما هو مكتوب على الورق فحسب، فأكثر ما يهم مؤسسات الأعمال هو إمكانية التنبؤ بالتنفيذ، ومدى بساطته وعدم خضوعه للحكم التقديري. ويتطلَّب معالجة هذه القضايا المُترسِّخة التحلِّي بقدر كبير من الإرادة السياسية. لكن المكاسب قد تكون هائلة من حيث الاستثمارات وخلق فرص العمل والتوظيف.

لكن مما يثير التفاؤل أن مصر تتمتَّع بإمكانيات هائلة. فمنذ وقت غير بعيد، زاد الاستثمار الأجنبي المباشر الوافد إلى مصر إلى نحو 13 مليار دولار، وكان ذلك أعلى المعدلات في المنطقة في ذلك الوقت. غير أنه  ينبغي أن تسعى مصر لاجتذاب النوع المناسب من الاستثمارات، وهي الاستثمارات التي تساعد على توفير فرص العمل وتحدّ من الفقر وتعزز من الرخاء المشترك. وبوسع مصر أن تصبح مرة أخرى منطقة جاذبةً للاستثمار نظرا لما تتمتع به من مزايا ومواطن قوة عديدة. ففي مصر قاعدة هائلة من رأس المال البشري إذ يقارب عدد سكانها 90 مليون نسمة يغلب عليهم الطابع الحضري، ولديها شباب موهوب يحبون العمل الحر ويتشوَّقون إلى الكد والعمل. كما أن الموقع الجغرافي لمصر في مفترق الطرق بين ثلاث قارات قد يكون من أشد عوامل الجذب للمستثمرين المحليين والأجانب على السواء. وتُتيح التقاليد الصناعية قيام قاعدة قوية يمكن البناء عليها، وتستطيع القطاعات المختلفة الاستفادة من هذه السوق الداخلية الكبيرة واستغلال موقعها الاستراتيجي. وقد يسهم فتح قطاع البنية التحتية حديثا أمام القطاع الخاص وما لذلك من آثار على قطاع الإنشاءات، إسهاماً كبيراً في توفير فرص العمل. لكن يجب تعزيز ثقة المستثمرين من خلال اتباع سياسات استثمارية تتسم بالوضوح والشفافية مع زيادة الاستقرار في البيئة المحلية الاقتصادية والسياسية والأمنية.

تعتقد بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة أن عرض حوافز على المستثمرين الأجانب قد يضر بالاقتصاد الوطني، فلماذا تحاول الدول الفقيرة – في رأيك - عرض مزيد من الحوافز؟ وهل من بديل آخر لاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر؟

رغم أنَّنا ندرك أن دول العالم تتنافس على اجتذاب الاستثمارات متعددة الجنسيات عن طريق عرض إعفاءات ضريبية، أو أراض رخيصة، أو مستلزمات إنتاج مدعومة، فإن هذه الأمور لها ثمنها، وقد تضر أكثر مما تفيد. والحوافز ليست سوى جزء هامشي من العوامل التي تُحدِّد جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أظهر العديد من البحوث في أنحاء العالم والتي أجرت مجموعة البنك الدولي بعضها أن الحوافز تأتي في مرتبة متدنية جدا بين العوامل التي تُؤثِّر على قرارات الشركات الدولية فيما يتعلق بالاستثمار في بلد ما. وأهم شيء في هذا الشأن هو حجم السوق، وخصائص مناخ الاستثمار – من حيث وضوح التنفيذ وتوقعه، وحماية حقوق الملكية - ومدى توفّر المهارات اللازمة. وفيما يتعلَّق بمصر، فإن أهم شيء هو تحقيق تحسُّن كبير في البيئة التي تستثمر  وتعمل فيها مؤسسات الأعمال. وفي السياق الحالي، لن تُحدِث الحوافز وحدها أثراً كبيراً. وقد حققت دول عديدة حول العالم تقدماً ملموساً في تحسين وضعها كمقصد استثماري. وتستطيع مصر أن تحذو حذوها. ويستلزم هذا إصلاحاً جدياً للبيئة التنظيمية لأنشطة الأعمال. وأدرك أن هذا هو ما تطمح إليه الحكومة المصرية، وقد حددت لنفسها هدفا عاليا تسعى إليه. وهذا أمر يبعث على التفاؤل، وسوف تساند مجموعة البنك الدولي هذه الإصلاحات.

أصدرت مصر سندات دولارية بقيمة 1.5 مليار دولار في الدول الأوروبية، فهل يساعد هذا على تعزيز الثقة في الاقتصاد المصري؟

 نجحت السلطات المصرية  في إصدار سندات دولارية في 4 يونيو 2015 بقيمة 1.5 مليار دولار، وهو الإصدار الأول فى السوق العالمى منذ خمس سنوات. فقد قامت السلطات بمصر ببيع سندات ذات اجال 10 سنوات بقيمة 1.5 مليار دولار  بعائد سنوى قدره 6%. ويشير حجم الإقبال الكبير من جانب المستثمرين  على السندات المصدرة  إلي وجود تحسن تدريجى فى  ثقة  المستثمرين الاجانب في قدرة الاقتصاد المصرى على التعافى  وتحقيق مؤشرات اداء افضل خلال الفترة القادمة ، وذلك في ضوء الإصلاحات الإقتصادية التي تم تنفيذها  مؤخرا والتي أدت إلي تحسن مؤشرات أداء الإقتصاد الكلي بما في ذلك من إرتفاع معدلات النمو الإقتصادي لتسجل 5.6% خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية (2014-2015).
ومما لا شك فيه أن تزايد الثقة في الإقتصاد المصري سوف يكون من شأنه تيسير قدرة الحكومة علي العودة مجددا إلي أسواق المال العالمية ويدعم قدرتها في الحصول علي الاقتراض  بمعدلات جيدة  خاصا مع انحسار حجم السيولة  فى السوق العالمى  وارتفاع  معدلات مخاطر الإئتمان. ويتطلب هذا الأمر الحفاظ علي وتيرة برنامج الإصلاح  الاقتصادى، و المضى قدما فى اجراءات ضبط واستقرار  مسار الإقتصاد الكلي  بما في ذلك خفض نسبة عجز الموازنة العامة والذى لا يزال يسجل معدلات مرتفعة، وتحسين مناخ الأعمال لتهيئة بيئة اكثر مواءمة لتنمية القطاع الخاص وخلق فرص عمل، و إرساء دعائم لمنظومة نمو متكامل يتحقق من خلالها  توزيع عادل وواسع  لعوائد النمو المحققة

ما الدور الذي يمكن أن يلعبه البنك الدولي في تخفيف الآثار السلبية للبرامج التي يُطبِّقها صندوق النقد الدولي على دول تشهد ظروفاً اقتصادية عصيبة مثل مصر؟

تلجأ دول العالم، بوجه عام، إلى صندوق النقد الدولي حين تواجه اختلالا علي صعيد الاقتصاد الكلي وأوجه ضعف أمام عوامل خارجية عسيرة. وللفوز بمساندة صندوق النقد الدولي، تُقدِّم هذه الدول برنامج إصلاحات يستتبع إجراءات صعبة لضبط الموارد. ومن ناحية أخرى، تهتم مجموعة البنك الدولي بإنهاء الفقر المُدقِع وتعزيز الرخاء المشترك عن طريق زيادة نمو الدخل لأفقر 40 في المائة من سكان كل بلد. ونحن لسنا بنكاً بالمعنى الشائع لهذه الكلمة؛ لكننا شراكة فريدة تستهدف الحد من الفقر ودعم عملية التنمية.

ويعدّ البنك الدولي مصدرا مهمّا لتقديم المساعدات المالية والفنية للدول النامية في شتَّى أنحاء العالم. ونقدم - في مجموعة البنك الدولي - المشورة والمساندة المالية للسياسات والاستثمارات التكميلية التي ترمي إلى زيادة القدرات الاستهلاكية والاستثمارية للمواطنين الفقراء والمحرومين حتى يمكنهم التكيُّف بصورة أفضل مع عدم الاستقرار.  ويشتمل دورنا أيضا على مساندة السياسات والاستثمارات الحكومية التي ترسي الأساس لتعزيز الرخاء المشترك والنمو على الأجل الطويل.   

إلى أي مدى يساند البنك الدولي اقتصاد الدول التي تواجه أزمات مثل التضخم والبطالة وما إلى ذلك؟

كان للبنك الدولي دورا  فعاَّلا للغاية في مساعدة الدول، ولاسيما الدول المنخفضة الدخل خلال أزمة أسعار الغذاء عام 2008. ونحن على استعداد لبذل جهد مماثل لمواجهة الآثار على الفقراء و أكثر أعضاء المجتمع حرماناً. وبالمثل، في استراتيجية عملنا الجديد، تحتل مهمة خلق   الوظائف مكانا مركزيا كأحد المُحرِّكات الرئيسية للرخاء المشترك.  ولذلك، نولي اهتماماً بالدول التي تتفشِّي فيها البطالة، ولاسيما بين الشباب والنساء.

وعلى نطاق أوسع، يهدف الكثير من المشروعات التي تساندها مجموعة البنك الدولي ومنها ما  يشمل القطاع الخاص، ومشروعات مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار للتأمين ضد المخاطر إلى توسيع القدرات الإنتاجية وتعزيز كفاءة الاقتصاد وتحسين وظائف الأسواق. وتشتمل هذه المشروعات على مرافق البنية التحتية، أو التجارة، أو الخدمات اللوجستية، أو الاستثمارات في قطاعات مُعيَّنة. لأن هذه المشروعات تُعزِّز جانب العرض في الاقتصاد، أو أعمال الوساطة بين العرض والطلب للسلع والخدمات ومنها الأيدي العاملة، أو كلاهما. ويساعد هذا على خفض معدلات التضخم والبطالة.

ما هي السياسات التي يتبعها البنك الدولي في المجالات السياسية والاقتصادية عند التعامل مع الدول التي تواجه تدهورا في أوضاعها الاقتصادية؟

حين تواجه الدول تدهورا اقتصاديا، يجب تحديد ما إذا كان هذا التدهور قصير الأجل سريع الزوال أم اتجاها أطول أجلا وأكثر دواما. ويجب أخذ كل العوامل الداخلية والخارجية وكذلك تشوُّهات السياسات الهيكلية في الحسبان. وتقوم المساندة التي تُقدِّمها مجموعة البنك الدولي على أساس فهمنا لطبيعة هذا التدهوُّر،  كما يتم تحديدها بالاتفاق مع الحكومة المعنية. وتتراوح استجابتنا من تقديم مساندة للمشروعات والسياسات الرامية إلى تعزيز قدرات الاقتصاد على الأجل القصير إلى معالجة الأسباب الأساسية للتشوُّهات الهيكلية التي نجم عنها التدهور الاقتصادي.  وفي كل  الأحوال، فإننا نولي اهتماماً كبيراً لأثر التدهور الاقتصادي على الفقراء وتعزيز الرخاء المشترك في الأجلين القصير والطويل.

ما هي سياسات البنك الدولي فيما يتصل بالدول التي تشهد صراعات مثل سوريا وليبيا واليمن؟ وكيف يتعامل البنك مع هذه الدول؟

إن التصدي لتحديات الهشاشة والصراع والعنف أمر ضروري لتحقيق هدفي مجموعة البنك الدولي وهما إنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك بحلول عام 2030. وتلتزم مجموعة البنك الدولي بمساعدة الدول على التصدي لهذه التحديات التي تتطلَّب مشاركة تُحدث تحوّلا لمجابهة مخاطر التنمية وتقديم الحلول المناسبة لها.

وبالنظر إلى رسالة البنك الدولي وبيئة صلاحياته وتفويضاته فإن استراتيجيتنا هي الحدّ من الآثار الناجمة عن الأزمة السورية على الدول المجاورة ولاسيما الأردن ولبنان. وقد ساعدنا أيضا حكومة كردستان الإقليمية على تقييم آثار الأزمة السورية/العراقية على اقتصادها في ضوء تدفق المُهجَّرين داخليا واللاجئين. ويتخذ البنك نهجاً تكميلياً يستجيب لطلبات الحكومات والأوضاع حسب تطوُّرها.

وفي ليبيا،  تقتصر مشاركة البنك  علي الجانب الفني فقط  ، فلا يوجد حوار أو مشاركة على مستوى السياسات مع أي من المعسكرين المتنافسين إلى حين إيجاد تسوية لأزمة الحكم. ومع ذلك، فقد أقمنا علاقات مهمة مع مسؤولين فنيين في وزارات تنفيذية ومصرف ليبيا المركزي، وهي علاقات نحافظ عليها ونعمل على تقويتها. ونقيم أيضاً علاقات وثيقة مع الأمم المتحدة التي تتصدَّر مباحثات السلام الجارية. ونتطلَّع إلى حل للأزمة السياسية والأمنية في البلاد يتيح لليبيين التعاون في تحديد رؤية واستراتيجية من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً وسلاماً.

وقد تدهور الوضع الأمني في اليمن إلى درجة أننا أوقفنا عملياتنا هناك.  ورتَّبنا رحلة جوية لإجلاء موظفينا في اليمن وعائلاتهم إلى القاهرة حيث سيبقون إلى أن تتحسَّن الأوضاع الأمنية. إننا نُدرِك جيدا العدد الضخم من اليمنيين الذين يعتمدون على المشروعات التي يساندها البنك الدولي. فلدينا حافظة مشروعات بقيمة مليار دولار، ونرصد الأوضاع عن كثب، وسنستأنف عملياتنا حالما تسمح الأوضاع هناك.

هل يلعب البنك الدولي دوراً في مكافحة الفساد الذي يُؤثِّر على ميزانيات الدول؟

بكل تأكيد. وللبنك الدولي خبرة عالمية فريدة فيما يتصل بمساعدة الحكومات في أنحاء العالم في جهودها لمكافحة الفساد. كما أنه يُقدِّم المعارف وأفضل الممارسات التي تستند إلى قصص النجاح في الدول الأخرى لمساعدة الحكومات على جعل قوانينها وسياساتها مناهضة للفساد. وعلى مستوى تنفيذ السياسات، يساند البنك الدولي الحكومات في جعل الميزانيات أكثر شفافيةً وتشاركية، والإفصاح عن المزيد من المعلومات المالية للجمهور عبر شبكة الإنترنت على نحو يسهل الوصول إليه واستعماله. وقد حقَّقت مصر تقدُّماً في هذا المجال في السنوات القليلة الماضية، وذلك عن طريق نشر التقارير المالية للهيئات الاقتصادية والشركات العامة على الموقع الإلكتروني لوزارة المالية على سبيل المثال. وقد تساعد الشفافية والإفصاح عن المعلومات للجمهور على خفض احتمالات الفساد والقرارات القائمة على الحكم التقديري. ويساعد البنك الدولي أيضا دول العالم ومنها مصر على تحديث نُظُم الإدارة المالية، ونُظُم الرقابة المالية، ونظم المشتريات الحكومية. ويُتيح هذا للحكومات تحسين قدرتها على متابعة كيفية تنفيذ الموازنة وكيفية إنفاق الأموال.

وأخيراً على مستوى مراقبة السياسات والموازنات،  فإن البنك الدولي يساند المؤسسات الحكومية المعنية بالمساءلة في جهودها لمراجعة كيفية إنفاق الأموال، وهل ذهبت إلى المكان الصحيح. ويساعد أيضاً المؤسسات الرقابية الأخرى مثل مؤسسات مكافحة الفساد في بناء القدرات، ويُزوِّدها بالخبرات والدروس المستفادة من تجارب الدول الأخرى.

كيف يتعامل البنك الدولي مع الفساد في الشركات التي تُنفِّذ مشروعات البنك؟

تنتهج مجموعة البنك الدولي سياسة عدم التسامح مطلقاً مع الفساد في المشروعات التي تقوم بتمويلها.  ولدينا إرشادات خاصة بمشتريات البنك، ومنها الإرشادات الخاصة بالنزاهة التي يجب على الشركات الوفاء بها عند التعامل مع مجموعة البنك الدولي.  ويعمل موظفونا في مجال المشتريات وفريق العناية الواجبة في مؤسسة التمويل الدولية بشكل وثيق مع فرق عمل المشروعات لضمان اتباع هذه الإرشادات.

وقد أنشأنا في الآونة الأخيرة مجموعة جديدة للممارسات العالمية المعنية بالحوكمة  لإعلاء قيمة مختلف أدوات الإدارة الرشيدة والوقاية من المخاطر، ولرصد أوجه النقص والقصور في وقت مبكر وتمكين فرق عمل المشروعات من التصدي لهذه المخاطر.

وتُفرَض عقوبات على الشركات التي ترتكب مخالفات تُؤثِّر على المشروعات التي يُموِّلها البنك.  والشركات التي تفرض عليها مجموعة البنك الدولي عقوبة الحرمان من التعامل معها، ستخضع أيضا للحرمان من قبل بنوك التنمية المتعددة الأطراف الأخرى، ومنها البنك الآسيوي للتنمية، والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وبنك التنمية للدول الأمريكية.  وحينما تتعرض شركة ما للحرمان من جانب أحد هذه البنوك، فإنها لا تستطيع الدخول في أي تعامل مع البنوك الأربعة الأخرى.

ونعمل أيضا مع الشركات الواردة على قائمتنا للمحرومين من التعامل معنا من أجل تحسين معايير التقيُّد بالنزاهة، ولضمان أن تطبق عملياتها في الدول النامية نفس معايير النزاهة التي تطبقها في أماكن أخرى.

ويقوم نهجنا في التعامل مع الشركات الصغيرة على الحوار معها في وقت مبكر والتشجيع على  الإلتازام بمعاييرنا الخاصة بالمشتريات والتي تُغطِّي مخاطر النزاهة.  والهدف من هذا هو خلق مناخ متكافئ  تتاح فيه الفرصة للشركات التي تؤيد الأعمال النظيفة  للمشاركة في مشروعات التنمية.

هل يبلغ البنك الدولي الحكومات الوطنية عن حالات الفساد، وهل تواجه هذه الدول عقوبات دولية؟

يُجري البنك الدولي تحقيقات فيما يتعلق بالتجاوزات  التي من شأنها التأثير على مشروعات يُموِّلها البنك. وعند اكتمال تحقيق يجريه مكتب نائب رئيس البنك الدولي لشؤون النزاهة، يحال تقرير ختامي عن التحقيق إلى السلطات الوطنية المعنية لتحديد ما إذا كانت تشريعاتها الوطنية قد تعرضت للانتهاك. ويشتمل تقرير البنك الدولي السنوي عن النزاهة على قائمة بكل تقارير الإحالة والدول التي أحيلت إليها هذه التقارير.

هل تواجه هذه الدول عقوبات دولية؟

لا، فمجموعة البنك الدولي لا تستطيع إلا أن تفرض عقوبات على الشركات التي ثَبُت ارتكابها مخالفة وذلك في إطار التحقيقات. ومدى شدة العقوبات التي تُفرض على شركة ما يحدده نظام العقوبات المستقل التابع لمجموعة البنك الدولي وقد تتراوح هذه الشدة من التوبيخ إلى الحرمان مدى الحياة حسب نوع المخالفة وخصائص الحالة. ويتم الإفصاح للجمهور عن قائمة مُحدّثة للشركات التي فرضت عليها مجموعة البنك الدولي عقوبات عبر موقعنا الإلكتروني (www.worldbank.org/integrity).

مؤتمر التنمية الاقتصادية في مصر/التوقعات/مشروعات الوكالة الدولية لضمان الاستثمار

تطمح القيادة السياسية في مصر إلى أن ينعم الاقتصاد المصري بالاستقرار قريبا، وينتعش الدخل القومي لاسيما بعد المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ وافتتاح قناة السويس الجديدة. فهل ترى أن هذه الطموحات سوف تتحقَّق؟

سوف يستقر الاقتصاد المصري ويستأنف النمو بوتيرة قوية. وستسهم نتائج مؤتمر شرم الشيخ وقناة السويس الجديدة في الاستقرار والنمو الاقتصادي في مصر. لكن تطورين آخرين سيكون لهما أثر أقوى. الأول هو التغلب على الاختلالات في الاقتصاد الكلي لاسيما عجز الموازنة وهو ما سيجعل مصر مقصدا أكثر جاذبية للاستثمار. والثاني هو تحسُّن مناخ الاستثمار من أجل نمو القطاع الخاص، لأن القطاع الخاص سيكون هو المُحرِّك لجهود توفير فرص عمل منتجة لاسيما للشباب. وبين الخصائص الكثيرة لمناخ الاستثمار التي يجب تحسينها، تأتي في المقدمة المنافسة في الاقتصاد المحلي  بحيث تستطيع الشركات الصغيرة التنافس على قدم المساواة مع الشركات الكبيرة، ويستطيع المستثمرون الأجانب والمحليون التنافس على أساس من تكافؤ الفرص.

ما هي المخاطر التي سيواجهها الاقتصاد الدولي في المستقبل القريب؟ هل من المحتمل أن نواجه أزمة اقتصادية أخرى كتلك التي وقعت في عام 2008 وكان لها أثر سلبي على حجم المعونات المُقدَّمة للدول النامية؟

المخاطر الرئيسية التي يواجهها الاقتصاد العالمي هي استمرار الركود (وربما الانكماش) في أوروبا، وبطء نمو الاقتصاد الأمريكي، والهبوط الحاد للنمو في الصين.لا يحتمل أن نواجه أزمة اقتصادية أخرى الا اذا تحققت كل هذه المخاطر الثلاثة في وقت واحد، وهو أمر بعيد الاحتمال.

ما هو توقعكم للاقتصاد العالمي؟ وهناك مجموعات اقتصادية مختلفة مثل مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين فكيف يتعامل البنك الدولي مع هذه الكيانات؟

من المتوقع أن ينمو الإقتصاد العالمي بمعدل يقل قليلا عن 3% في 2015. وهو ما يمثل تحسنا طفيفا عن المعدل السابق في 2014 والذي بلغت نسبته 2.6 . فقد ظهرت بوضوح آثار الإنخفاض الحاد في أسعار البترول علي الإقتصاد العالمي بحيث عادت معدلات الإستهلاك الخاص للصعود مع تراحع معدلات التضخم لدي الإقتصاديات المستوردة للنفط. وفي نفس الوقت، يواجه مصدري النفط  تحديات متزايدة في ضوء التغيرات التي تحدث بصورة مذبذبة في أسواق المال وأسعار الصرف. وفي حين تظل الإقتصاديات المنخفضة الدخل في منطقة أسفل الصحراء الإفريقية في حماية الإستثمارات القوية، في الوقت الذي ينتظر فيه أن تتعافي بعض الدول المضطربة مع إنخفاض معدلات الإصابة بالإيبولا، وتحسن الأوضاع الأمنية مع تقدم جهود بناء السلام. كما أنه من المتوقع أيضا أن يتعافي الإقتصاد الأمريكي، ومنطقة اليورو، مع إستعادة الإقتصاديات المستوردة للبترول لقوتها. وسوف نقوم بنشر تقرير مفصل حول التوقعات الإقتصادية العالمية غدا.

ومن ناحية أخري، فإن مجموعة البنك الدولي تقوم بدعم مجموعة ال20 عن طريق الجهد البحثي المرتكز علي الخبرة العملية والحوار المتواصل مع الدول حول تحديات التنمية التي تواجهها وخططها وأهدافها في هذا المجال. ونحن بهذا إذ نقدم خبرات وتصورات لمجموعة 20 فإننا في نفس الوقت نعرض لهم تصورات وأفاق التنمية للإقتصاديات المنخفضة الدخل. كما أننا نتعاون أيضا مع المنظمات الدولية الأخري وننسق جهودنا مع زملاءنا في بنوك التنمية العالمية في موضوعات متعددة مثل البنية الأساسية.

وإنه لمن دواعي سرورنا أن نتلقي الدعوة للمشاركة في جلسات الترويج لمجموعة 7 ونرحب بفرصة المشاركة في هذه الفعالية، بما يؤكد مجددا إسهامنا في مجال المعارف الدولية وتقديم الرؤا والتصورات المستقبلية.