خطب ونصوص 2018/09/23

الكلمة الافتتاحية لرئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم في اجتماع للشركاء لتناول انعدام الأمن الغذائي الحاد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

Image

بالصيغة التي ألقيت بها

شكرا لك، زينب. وشكراً جزيلاً لكم أيضاً معالي الأمين العام أنطونيو غوتيريس، صديقي أنطونيو، على تلك الكلمات الرقيقة. لقد بدأ ذلك كله في قاعة تشبه إلى حد كبير هذه القاعة هنا في الأمم المتحدة، الآن أذكر قبل خمسة أعوام ونصف، حينما سمعت أنطونيو يتحدث للمرة الأولى. كانت عن أزمة اللاجئين السوريين. كانت كلماته واضحةً جلية، قوية، وحادة جداً حتى أنها هزَّتني، ولم يعد بمقدور البنك الدولي أن يستمر في الوقوف موقف المتفرج في الأزمات بسبب اللاجئين. وكانت هذه حقاً بداية علاقة العمل الوثيقة جداً. بدأنا هناك، وامتدت إلى الأوبئة، والآن هنا عن المجاعات. أنطونيو، إنَّني أشكرك شكراً جزيلاً على قيادتك العظيمة، وأشكرك حقاً على أنك جعلتنا نعمل معكم على نحو أوثق بكثير.

إن التزامنا بعدم التهاون على الإطلاق حقيقي وصادق. لقد تعهَّدنا ببذل المزيد من الجهد وتحسين مستوى الإنجاز للوقاية من المجاعات.

فتلك مسألة أخلاقية أساسية. إنها حقاً لمأساة أن عشرات الملايين من البشر معرضون لخطر الموت جوعاً. إن عجْزُنا عن القضاء على المجاعات في القرن الحادي والعشرين هو فشل جماعي يبعث على الشعور بالخزي والعار.

وهو أيضاً قضية اقتصادية بالغة الأهمية. فمن منظور رأس المال البشري، ترفع المجاعات معدلات وفيات الأطفال، وتزيد الإصابة بالتقزُّم، وتعوق النمو الإدراكي للأطفال وهم في أرحام أمهاتهم في وقت المجاعة، وللأطفال الذين يبقون على قيد الحياة.

فوفيات الأطفال تزيد بنحو 60%، ومتوسط طول الأطفال دون سن الخامسة من العمر ينقص بمقدار سنتيمترين، والوقت الذي يقضونه في المدرسة يقل بنحو نصف سنة دراسية. ونعلم أنه حينما يصاب الأطفال بالتقزُّم لا تنمو أدمغتهم نمواً صحيحاً. وعلى الأرجح لن يلحقوا أبداً بالركب، بل قد يكونون عرضةً للفشل والإخفاق.

وسيُقلِّل ذلك إنتاجيتهم والدخل الذي يكسبونه خلال حياتهم. وبحساب تقريبي، فإن الطفل الذي يولد أثناء المجاعة قد يكون الدخل الذي يحققه خلال حياته أقل بنسبة 13% أو أكثر.

وثمَّة أيضاً شواهد قوية على أن المجاعات تلقي بظلال كئيبة. فمن المرجح أن يحقق الأطفال الذين وُلدوا لأمهات أثناء المجاعات هم أنفسهم نواتج أسوأ، الأمر الذي يخلق حلقة مفرغة تنتقل فيها الخسائر الاقتصادية من جيل لآخر.

ويوجد حاليا في العالم ملايين الأسر أو 124 مليون شخص يعانون من معدلات مرتفعة أو أعلى من المعتاد لسوء التغذية. والسبيل الوحيد الذي يمكنهم به تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية هو استنزاف ما لديهم من موارد، وهو ما يجعلهم أكثر عرضةً للصدمات في المستقبل.

وحينما نتحدث عن هذه المآسي، فإننا قد نتيه في غمار الأرقام: 100 ألف قتيل في بلد واحد، ومليون في بلد آخر. وكل رقم من تلك الأرقام هو فرد له أحلام وآمال، ويستحق أن يحظى بفرصة أن ينعم بحياة كاملة، وأمَّا المحظوظون الذين يبقون على قيد الحياة فإن المجاعة قد تُدمِّر أيضاً آمالهم. وبمقدورنا تغيير ذلك الوضع.

وأمامنا تحدياتٌ ماثلةٌ في الأفق، والالتزام الذي تعهدنا به هو إيجاد سبل جديدة مبتكرة للتصدِّي لهذه التحديات.

أولاً، يجب أن يفضي الإنذار المبكر إلى تحرُّك مبكر. ولكن مرة تلو المرة، تلقى أجراس الإنذار آذاناً صماء. ولا يبدأ التمويل في التدفق إلا حينما تظهر صور أطفال يتضورون جوعاً على شاشات التلفزيون أو الهواتف الذكية.

وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق. والاستثمار في استجابات استباقية لتفادي الأزمات الإنسانية قد ينقذ ملايين الأرواح، وقد يُقلِّص أيضا تكاليف المساعدات الإنسانية التي يتحمَّلها المجتمع الدولي بما يصل إلى 30%.

وثانياً، إننا في حاجة إلى تحرُّك جماعي متواصل-قبل الأزمات وأثناءها وبعدها. وتلعب الجهات الفاعلة في ميدان العمل الإنساني دوراً حيوياً في الاستجابة حينما تقع المجاعات، لكن لا يمكنها أن تفعل ذلك وحدها. ويجب على مجتمع التنمية أن يُكمِّل ما يُقدِّمه العاملون في المجال الإنساني من مواهب وخبرات، وتمويل، وتفان وإخلاص، وأن يساعد حقاً في الذود عن كل المكاسب التي تحقَّقت حتى يمكنهم الاستمرار في توسيع آفاق الجهود التي يبذلونها.

وثالثاً، يجب علينا العمل لضمان أن تعمل المنظمات الوطنية والدولية على نحو أوثق معاً لوضع نهج أكثر شمولية للوقاية من المجاعات، والتأهُّب، والتحرُّك المبكر لمواجهتها. ولقد كانت استجابتنا الجماعية العام الماضي أفضل كثيراً بالمقارنة بما كان عليه الحال في مجاعة 2010-2011 في الصومال التي أودت بحياة ربع مليون شخص، لكن النظام ظل في معظمه كما هو، إذ أن التمويل والتحرُّك يأتيان في الغالب بعد فوات الأوان.

ويجب أن ننتقل من نظام اتخاذ القرارات حسب مقتضى الحال على أساس كل حالة على حدة إلى التخطيط الإستراتيجي المُنسَّق بين أوساط العمل الإنساني والتنمية، ومع الحكومات كلما أمكن.

واليوم، نتخذ خطوة إستراتيجية للتصدي لهذه التحديات، ونفي بتعهدنا بإنهاء حلقة الذعر والإهمال المفرغة حينما يتعلَّق الأمر بالمجاعة.

وعلى مدار العام المنصرم، كنَّا في مجموعة البنك الدولي –وفي شراكة كاملة مع الأمم المتحدة والجهات الدولية المانحة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية، ومؤسسات العمل الخيري، والقطاع الخاص- نعمل لاستحداث آلية مكافحة المجاعة –وهي الآلية العالمية الأولى المُكرِّسة خصيصاً للوقاية من المجاعة ودعم إجراءات التأهب والاستجابة.

ماذا ستفعل آلية مكافحة المجاعة؟

أولاً، ستُعزِّز آلية مكافحة المجاعة القوة التنبؤية لأنظمتنا للإنذار المبكر، فتساعد على ضمان اتخاذ استجابات في الوقت المناسب لدى ظهور مخاطر المجاعة. وإنَّنا نبني على العمل الرائع التي قادها شركاء الأمم المتحدة، والمفوضية الأوروبية، والمركز الدولي لمكافحة الفقر، ومنظمة الفاو، وبرنامج الأغذية العالمي، وشبكة أنظمة الإنذار المبكر من المجاعة لاختبار النهج الجديدة المتطورة لنمذجة مخاطر المجاعات.

فللمرة الأولى، أنشأنا تحالفاً عالمياً من شركات التكنولوجيا- ومنها أمازون وجوجل وميكروسوفت وشركات التكنولوجيا الناشئة-لدراسة استخدام تقنيات مبتكرة مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتقدير مخاطر وقوع المجاعات على نحو أكثر دقة وسرعة وبأقل تكلفة ممكنة.

وسيساعد شركاء التكنولوجيا في تجميع وتحليل بيانات أكثر شمولية، وهو أمر ذو أهمية حاسمة لمساعدة متخذي القرار على الاستجابة والتحرُّك المبكر للوقاية من المخاطر قبل أن تتفاقم وتتحوَّل إلى مجاعات.

وتهدف آلية مكافحة المجاعة أيضاً إلى جعل التمويل قابلاً للتنبؤ وإستراتيجياً. وستُركِّز الآلية على تعزيز الاستثمارات لاجتثاث الأسباب الجذرية التي تجعل السكان عرضة لمخاطر المجاعة عاماً بعد عام.

علاوةً على ذلك، ستُقوِّي الآلية الصلة بين الإنذارات المبكرة من المجاعة والتمويل اللازم لدعم تحرُّكات مُبكِّرة ومُتسقة حينما يبدأ خطر المجاعة في الاشتداد.

وعلى الصعيد العالمي، تُقدِّم المؤسسة الدولية للتنمية -وهي صندوق البنك الدولي لمساعدة أشد بلدان العالم فقراً- في المتوسط مليار دولار سنوياً لتمويل عمليات من أجل تحسين الأمن الغذائي والمرونة لمجابهة صدمات المجاعة. ويشتمل نصف هذه العمليات على تدابير للاستجابة للأزمات الغذائية الجارية أو الآخذة في الظهور. ومن خلال آلية مكافحة المجاعة يمكننا على نحو أفضل تخصيص هذه الموارد في مرحلة مبكرة، وضمان أن يكون التمويل من أجل تدابير الاستجابة والمرونة في مواجهة انعدام الأمن الغذائي جزءاً أكبر من عملنا.

ونحن ندرس أيضاً آليات تمويل مبتكرة مثل الحلول المحتملة للمشاركة في تحمل المخاطر مع أسواق رأس المال، ونعمل على تحديد سبل التنسيق بين هذه الموارد المختلفة في خطط تمويل شاملة وإستراتيجية في النظام الدولي بأسره.

وأخيراً، ستعمل آلية مكافحة المجاعة مع الشركاء الرئيسيين، وتبني على الجهود الجارية على المستويين الوطني والعالمي لضمان تخصيص الموارد لأكثر التدخلات فعالية وتنسيقاً. وبدلاً من إنشاء هياكل موازية، سنعمل مع الأنظمة القائمة قدْر الإمكان لاستغلال مواردنا المحدودة أحسن استغلال، مثل بناء شبكات الأمان الاجتماعي.

دعوني أُضِيف ملاحظة واحدة – لقد أظهرنا إلى أي مدى يمكن أن تكون هذه الأنواع من الإجراءات فَّاعلة في صندوق التمويل الطارئ لمواجهة الأوبئة. فالعامل الحاسم، والسيدة هنرييتا فور المديرة التنفيذية لليونيسف معنا هنا، هو أننا قمنا مسبقاً بترتيب ذلك التمويل الذي سيذهب إلى اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية وكل المنظمات التي تستجيب في العادة للأوبئة وأن التمويل سيتدفق بخطى أسرع. في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بدلاً من الانتظار ثمانية أشهر حتى يصل أي تمويل، استطعنا صرف ما يعادل مليون دولار للمريض الواحد المصاب بالإيبولا في غضون الشهر الأول. وساعد ذلك على إخماد ذلك الوباء. ولسوء الحظ، بدأ وباء آخر في جزء آخر من جمهورية الكونغو الديمقراطية، لكننا نعلم أنه لو كنَّا أجرينا هذه المناقشات في وقت مبكر، لأمكننا حقاً منع هذا الوباء من أن يستفحل.

لقد كان هذا الجهد مبعث إلهام لنا. وتشجَّعنا بحقيقة أن الأمين العام سيُشرف على هذا بنفسه. ونعتقد أننا لو أحسنَّا القيام بهذا، فسوف يمكننا القضاء على المجاعة وأن نجعل منها ماضيا مندثرا.

شكرا لكم.

 

Api
Api