عربي | Français | Español | English | :متوفر ب

فبراير/شباط 2011

تواصل أسعار الغذاء ارتفاعها، رغم تفاوت أسعار الحبوب. فقد ارتفع مؤشر البنك الدولي لأسعار الغذاء بنسبة 15 في المائة في الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2010 ويناير/كانون الثاني 2011، ليصبح أعلى بنسبة 29 في المائة مما كان عليه قبل عام واحد ولا يقل إلا بنسبة 3 في المائة فقط عن ذروته في يونيو/حزيران 2008 (انظر الشكل 1). ويظهر تحليل المؤشر العام إلى عناصره الأولية أن مؤشر أسعار الحبوب لم يزل أقل بنسبة 16 في المائة عما كان عليه في ذروة ارتفاعه، وذلك في المقام الأول بفضل الاستقرار النسبي لأسعار الأرز التي لم تزل أقل كثيراً مما كانت عليه في عام 2008. وترجع بالدرجة الأولى الزيادة التي شهدها الربع الأخير من العام المنصرم إلى الزيادات في أسعار السكر 20 في المائة، والدهون والزيوت 22 في المائة، والقمح 20 في المائة، والذرة 12 في المائة .

وبالنسبة للحبوب، كانت أسعار القمح هي الأكثر ارتفاعاً خلال الأشهر الأخيرة. حيث تسببت الصدمات المناخية التي أصابت العديد من أكبر البلدان المنتجة للقمح مع ما أعقبها في بعض الحالات من فرض قيود على التصدير، في الحد من كمية العرض وارتفاع الأسعار إلى أكثر من الضعف مقارنة بالمستويات المنخفضة التي سجلتها في يونيو/حزيران 2010 ويناير/كانون الثاني 2011 (الشكل 2). ويوجد حاليا عاملان اثنان يبقيان على ارتفاع أسعار القمح. فمن ناحية العرض هناك حالة من عدم اليقين بشأن حجم ونوعية صادرات القمح من أستراليا – حيث تضررت المحاصيل من جراء الأمطار والسيول الشديدة- علاوة على بواعث القلق بشأن محصول القمح الشتوي في الصين. وتتمحور محركات الطلب حول إمكانية إقبال كبرى البلدان المستوردة للقمح، ولاسيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على السوق بطلبات شراء ضخمة. ويرتبط ذلك بالرغبة في طمأنة الشعوب إلى كفاية مخزونات الغذاء المحلية في وقت تواجه فيه بعض البلدان حالة من عدم اليقين السياسي. وهناك سبب آخر يتمثل في أن بلدانا كالمملكة العربية السعودية تقلل بشكل مطرد من الإنتاج المحلي للقمح من أجل الحفاظ على الموارد المائية الثمينة والاعتماد أكثر على الواردات.

وأدى ارتفاع الأسعار العالمية للقمح إلى حدوث زيادات حادة في أسعار القمح المحلية في العديد من البلدان. واتسم انتقال الزيادات في أسعار القمح العالمية إلى الأسعار المحلية للمنتجات المرتبطة بالقمح بالارتفاع في بلدان كثيرة. فعلى سبيل المثال، زاد سعر القمح في الفترة ما بين يونيو/حزيران 2010 وديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بنسب ضخمة بلغت في جمهورية قيرغيز 54 في المائة، وطاجيكستان 37 في المائة، ومنغوليا 33 في المائة، وسري لانكا 31 في المائة، وأذربيجان 24 في المائة، وأفغانستان 19 في المائة، والسودان 16 في المائة، وباكستان 16 في المائة أيضاً. ويعتمد العديد من هذه البلدان بشدة على المنتجات المستخرجة من القمح في توفير حصة كبيرة من استهلاكه من السعرات الحرارية، ولاسيما بالنسبة للفقراء (انظر الجدول 1).

وفي العديد من البلدان الأخرى، تحملت الحكومات والمستهلكون أعباء التكيف مع ارتفاع أسعار القمح العالمية. ففي الهند، أسهم ارتفاع أسعار مشتريات القمح المحلية في تكوين مخزونات حبوب قياسية تم تصريفها للحد من الأسعار. وبالتوازي مع ذلك، تم توسيع نطاق برنامج دعم أسعار القمح. وتُقدَر نسبة من يصل إليهم دعم الخبز في مصر بنحو 85 في المائة من السكان. ومع ذلك فإن المستهلكين في هذه البلدان نفسها لم يفلتوا تماماً من آثار زيادات الأسعار العالمية حيث ارتفعت أسعار منتجات القمح غير المدعومة، فضلاً عن غيرها من السلع الأساسية. كما أسهمت الممارسات المحلية أيضاً في وقاية المستهلكين من ارتفاع أسعار القمح العالمية، مثلما حدث في كمبوديا على سبيل المثال حيث ظلت أسعار الخبز ثابتة نظراً لاستخدام المستهلكين للدقيق (الطحين) المستخرج من نبات المنيهوت (الكسافا) الذي يُزرع محلياً.

الجدول 1: أكبر الأطراف المحركة للأسعار المحلية، يونيو/حزيران إلى ديسمبر/كانون الأول 2010
القمح التغير في السعر (%) نسبة السعرات الحرارية (%) الأرز التغير في السعر (%) نسبة السعرات الحرارية (%)
السعر العالمي (دولار أمريكي، القمح الأمريكي الذي يتم شحنه من الموانئ الواقعة على خليج الولايات المتحدة) 75 السعر العالمي (دولار أمريكي، 5 %، بانكوك، تايلند) 17
قيرغيزستان (سعر التجزئة، بيشكيك) 54 40 فييتنام (سعر التجزئة، دونغ ثاب) 46 59
بنغلادش (سعر التجزئة، المعدل المحلي) 45 6 بوروندي (سعر التجزئة، بوجومبورا) 41 3
طاجيكستان (سعر التجزئة، المتوسط الوطني) 37 54 بنغلاديش (سعر التجزئة، داكا) 19 70
منغوليا (سعر التجزئة، أولاباتار) 33 42 باكستان (سعر التجزئة، لاهور) 19 6
سري لانكا (سعر التجزئة، كولومبو) 31 14 إندونيسيا (سعر التجزئة، المتوسط الوطني) 19 50
أذربيجان (سعر التجزئة، المتوسط الوطني) 24 57 موزامبيق (سعر التجزئة، مابوتو) 14 8
أفغانستان (سعر التجزئة، كابل) 19 .. كمبوديا (سعر الجملة، فنوم بنه) -11 65
السودان (سعر الجملة، الخرطوم) 16 15 المكسيك (سعر الجملة، مكسيكو سيتي) -9 2
باكستان (سعر التجزئة، لاهور) 16 37 الذرة    
البرازيل (سعر الجملة، سان باولو) 14 13 السعر العالمي (دولار أمريكي، الشحن من الموانئ الواقعة على خليج الولايات المتحدة) 73
بوليفيا (سعر الجملة، لا باز) 10 18 البرازيل (سعر الجملة، سان باولو) 56 7
الكاميرون (سعر التجزئة، ياوندي) -15 6 الأرجنتين (سعر الجملة، روساريو) 40 3
الذرة البيضاء     رواندا (سعر الجملة، كيغالي)a 19 5
السعر العالمي 88 بيرو(سعر الجملة، المعدل المحلي) 12 11
الصومال (سعر التجزئة، مقديشو) 26 .. غواتيمالا (سعر التجزئة، المعدل المحلي) 8 40
السودان (سعر الجملة، الخرطوم) -37 26 كينيا (سعر الجملة، نيروبي) أ -8 35
مالي (سعر الجملة، باماكو) -13 13 إثيوبيا (سعر الجملة، أديس أبابا) -8 21
المنيهوت     مولدوفا (سعر التجزئة، شيسيناو) -8 22
بوروندي (سعر التجزئة، بوجومبورا) 48 16 الفاصولياء    
الكاميرون (سعر التجزئة، ياوندي) 43 4 جمهورية الكونغو الديمقراطية (سعر التجزئة، كينشاسا) 20 53
أوغندا (سعر الجملة، كامبالا) أ 38 5 موزامبيق (سعر التجزئة، نامبولا) -39 32
كينيا (سعر الجملة،نيروبي)أ 22 4 الرأس الأخضر (سعر التجزئة، سانتياغو) -26 ..
المصدر: منظمة الأغذية والزراعة، النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر (GIEWS).
أ الأسعار بالدولار الأمريكي نظراً لعدم توافر الأسعار بالعملات المحلية.

وشهدت أسعار الذرة زيادة حادة وتأثرت بارتباطات معقدة مع أسواق السلع الأخرى. ففي يناير/كانون الثاني 2011، كانت أسعار الذرة أعلى بنحو 73 في المائة مما كانت عليه في يونيو/حزيران 2010. وترجع هذه الزيادات إلى سلسلة من التخفيضات في توقعات المحصول، وقلة المخزونات (حيث يُتوقَع على سبيل المثال أن يكون معدل المخزونات إلى الاستخدام بالولايات المتحدة لعام 2010/2011 في حدود 5 في المائة، وهو أدنى معدل منذ عام 1995)، فضلاً عن العلاقة الايجابية بين أسعار القمح والذرة، واستخدام الذرة في إنتاج الوقود الحيوي. ويتنامى الطلب على الذرة لإنتاج الإيثينول مع ارتفاع أسعار النفط، لكن قدرة هذا الوقود المستخرج من السكر على المنافسة تقل في ظل الأسعار الحالية للسكر. وتظهر أحدث تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية ارتفاع نصيب استخدام الإيثينول كوقود من 31 في المائة من إنتاج الولايات المتحدة من الذرة في عام 2008/2009 إلى 40 في المائة في التوقعات لعام 2010/2011. كما أن زيادة الطلب على شراب الذرة عالي الفركتوز من جانب بلدان كالمكسيك، التي تبحث عن بدائل غير السكر الأعلى سعراً، أسهم هو الآخر في زيادة الطلب على الذرة. وتتوقف، جزئياً، احتمالات انخفاض الأسعار في هذه السوق مستقبلاً على حجم المحاصيل في أمريكا اللاتينية، وخاصةً الأرجنتين، التي تأثرت بجفاف الطقس بدرجة غير معتادة بسبب تأثير ظاهرة النينيا (La Nina)، وحجم الطلب على الاستيراد من الصين في عام 2011، فضلاً عن مسارات أسعار النفط والسكر.

ويختلف تأثير ارتفاع أسعار الذرة العالمية من بلد إلى آخر، ويتوقف إلى حد بعيد على أحوال المحاصيل المحلية. فقد استفادت بلدان منطقة أفريقيا جنوب الصحراء من الزيادة الكبيرة في حجم محصول الذرة مما أدى إلى انخفاض حاد في الأسعار. وجاء هذا الانخفاض من يونيو/حزيران إلى ديسمبر/كانون الأول 2010 (كما يظهر بالجدول 1) في أعقاب انخفاضات أكثر حدة في الأسعار في أوائل العام – حيث كانت أسعار الذرة، في المتوسط، أقل في عام 2010 مما كانت عليه في 2009 في أوغندا (بنسبة 52 في المائة)، ورواندا (37 في المائة)، وكينيا (33 في المائة)، وملاوي (30 في المائة)، وإثيوبيا (22 في المائة) وتنزانيا (19 في المائة). غير أن هذه الأسعار تظهر أيضاً تقلباً شديداً له آثار سلبية على كلٍ من المنتجين والمستهلكين. ففي رواندا على سبيل المثال، عاودت أسعار الذرة ارتفاعها بنسبة 19 في المائة منذ يونيو/حزيران 2010 بعدما كانت قد شهدت انخفاضاً حاداً في النصف الأول من العام. وشهد العديد من بلدان أمريكا اللاتينية ارتفاعاً حاداً في أسعار الذرة في النصف الأخير من عام 2010 مع انخفاض حجم المحاصيل بتأثير جفاف الطقس — وكانت أشد الارتفاعات من نصيب البرازيل (56 في المائة) والأرجنتين (40 في المائة). كما أن الارتفاع العالمي في أسعار الذرة ينتقل بشكل غير مباشر إلى المستهلكين من خلال رفع أسعار علف الماشية، وأسعار اللحوم، وأسعار العديد من السلع الغذائية المصنَعة.

وارتفعت أسعار الأرز العالمية بمعدل أبطأ من غيره من الحبوب الغذائية الأخرى، ولا تزال آفاق المستقبل مستقرة بالنسبة له. فقد ارتفع سعر تصدير الأرز التايلندي بنسبة 8 في المائة (وفي تايلند نفسها بنسبة 5 في المائة) في الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول ويناير/كانون الثاني 2011، وبنسبة 17 في المائة منذ يونيو/حزيران 2010. ولا تزال أسعاره أقل بحوالي 70 في المائة من ذروتها التي بلغتها إبان أزمة الغذاء في عام 2008. وفي أعقاب تحقيق كبرى البلدان المصدرة لمحاصيل جيدة، وقرار الفلبين بالحد من الواردات، وإخراج تايلند كميات كبيرة من مخزوناتها إلى السوق، بدأت الأسعار في الاستقرار فيما يبدو. ولكن من العوامل التي تحد من الضغوط الخافضة لأسعار الأرز ما صدر في الآونة الأخيرة من إعلانات من جانب مستوردين كبار، كبنغلاديش وإندونيسيا، عن اعتزامهم زيادة المخزونات المحلية بكميات كبيرة.

كما ارتفعت الأسعار المحلية للأرز ارتفاعاً شديداً في بعض البلدان، وظلت على ثباتها في بلدان أخرى. فخلال الفترة من يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول2010 ، ارتفع السعر المحلي للأرز في فييتنام بصورة كبيرة بلغت (46 في المائة)، وبوروندي (41 في المائة) ، كما ارتفع سعر الأرز في إندونيسيا (19 في المائة) وبنغلاديش (19 في المائة) وباكستان (19 في المائة) تماشياً مع الأسعار العالمية. ويستهلك سكان هذه البلدان الآسيوية، وخاصة الفقراء، كميات كبيرة من الأرز. وزادت أسعار الأرز في فييتنام على الرغم من قيامها بجني محاصيل محلية وفيرة. ويرجع بذلك في المقام الأول إلى تخفيض قيمة العملة، وهو ما فاقم التضخم الكلي وزاد من التوقعات بارتفاع الطلب من جانب كبار المستوردين، مما أدى إلى قيام الحكومة الفييتنامية برفع السعر الأدنى لتصدير الأرز. وكانت زيادات أسعار الأرز في سري لانكا (12 في المائة) والصين (9 في المائة) معتدلة نسبياً في النصف الثاني من عام 2010، في حين ظل سعر التجزئة في كمبوديا والفلبين بلا تغير تقريباً أثناء تلك الفترة. وخلال هذه الفترة أيضا، ظلت أسعار الأرز خارج آسيا على استقرارها في الكثير من البلدان، مثل الكاميرون وغواتيمالا والمكسيك وبنما والصومال.

وارتفعت أسعار السكر وزيوت الطعام ارتفاعاً شديداً في الأشهر الأخيرة. فقد زادت أسعار السكر بنسبة 73 في المائة منذ يونيو/حزيران بسبب تناقص العرض من البرازيل، أكبر المصدرين، وصدمات الطقس في أستراليا. وبالمثل، ارتفعت أسعار زيوت الطعام بسبب عدد من الصدمات ذات الصلة بالطقس. وأدي طول جفاف الطقس بسبب ظاهرة النينيا إلى تخفيض التوقعات الخاصة بالمحاصيل في البرازيل والأرجنتين اللتين تشكل صادراتهما معاً من فول الصويا نحو 45 في المائة على مستوى العالم. ومن ناحية أخرى، أدت الفيضانات في جنوب ماليزيا وفي إندونيسيا إلى إعاقة محاصيل زيت النخيل. وهذا الارتفاع في الأسعار ينتقل بسرعة إلى الأسعار المحلية في الكثير من البلدان – فأسعار السكر على سبيل المثال تضاعفت في كمبوديا في الفترة ما بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2010، كما زادت أسعار زيت الطعام بنسبة 15 في المائة ما بين شهري سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول في أفغانستان. وتدخل العديد من البلدان للحد من تأثير هذا الانتقال. ففي الجزائر، خُفضت بشدة الرسوم الجمركية المفروضة على السكر وزيوت الطعام في يناير/كانون الثاني 2011 بسبب ارتفاع أسعارها بنسب تفوق العشرة في المائة. وفي إندونيسيا، خفضت الحكومة الضرائب على السكر وزادت الدعم المالي لمنتجي زيوت الطهي المحليين.

وارتفعت في الكثير من البلدان أسعار المواد الغذائية الأخرى الضرورية لتحقيق التنوع الغذائي. ففي الهند، بلغ معدل تضخم أسعار المواد الغذائية 18.3 في المائة في ديسمبر/كانون الأول، وكان مرجع ذلك في جزء منه إلى ارتفاع أسعار الفواكه والخضروات والألبان واللحوم والأسماك. وفي الصين أيضاً، كان السبب في تضخم أسعار المواد الغذائية هو ارتفاع أسعار الخضروات بدرجة كبيرة (انظر الشكل 3). وفي النصف الثاني من عام 2010، زادت أسعار الفاصوليا زيادة كبيرة في بوروندي (48 في المائة)، والكاميرون (43 في المائة)، وكينيا (38 في المائة) وأوغندا (22 في المائة). وفي منغوليا، أدى تفشي مرض الحمي القلاعية، وما شهدته من شتاء قارس في عام 2010، إلى حدوث زيادة حادة في أسعار اللحوم، حيث ارتفع متوسط سعر لحم الضأن في عام 2010 بنسبة 32 في المائة مقارنة بما كان عليه في عام 2009.

وهذه الزيادات في أسعار الغذاء تثير نقاط ضعف على مستوى الاقتصاد الكلي. ومن أوجه ذلك تأثيرها على تضخم أسعار الغذاء المحلية وعلى التضخم العام. وقد شهد أكثر من ثلث بلدان أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى تضخماً تتجاوز نسبته 10 في المائة في أسعار المواد الغذائية في عام 2010. وتواجه البلدان التي تستورد حصة كبيرة صافية من احتياجاتها من الغذاء ومنتجات الطاقة خللاً في حساباتها الجارية. ومن هذه البلدان طاجيكستان وجمهورية قيرغيز وجورجيا وألبانيا، وهي من بلدان منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى حيث يحظى الحد من عجز الحساب الجاري بأهمية خاصة في أعقاب الأزمة المالية عام 2009. ويعتمد تأثير الزيادات في الأسعار على المالية العامة على مدى زيادة إيرادات الضرائب على المواد الغذائية ومدى زيادة الإنفاق على الإجراءات التخفيفية – كبرامج الحماية الاجتماعية.

وتشير تقديراتنا إلى أن 44 مليون شخص آخر ربما سقطوا في هوة الفقر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بسبب الارتفاع في أسعار الغذاء منذ يونيو/حزيران 2010. ولكي نتمكن من تقييم تأثير تغير أسعار الغذاء على أعداد الفقراء في النصف الثاني من عام 2010، فقد استعنا بنموذج سبق استخدامه في تقييم أثر أزمة أسعار الغذاء في عام 2008 (انظر الإطار 1 للاطلاع على التفاصيل). ويستفيد المنتجون الصافون للأغذية، أما من يزيد استهلاكهم على إنتاجهم فإنهم يتضررون. ويظهر ما خلصنا إليه من نتائج أن عدد من يعانون من الفقر المدقع بالبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل ربما يكون قد زاد بمقدار 44 مليون شخص بالقيم الصافية نتيجةً لما طرأ على أسعار الغذاء من زيادات في الفترة ما بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2010. وهذا الرقم يعكس سقوط 68 مليون شخص تحت خط الفقر البالغ 1.25 دولار أمريكي للفرد في اليوم، وإفلات 24 مليون شخص من المنتجين الصافين للأغذية من براثن الفقر المدقع.

وثمة تأثيرات على حالة التغذية نتيجة لارتفاع أسعار المواد الغذائية. فزيادة أعداد الفقراء ترتبط بارتفاع سوء التغذية مع اضطرار الشرائح الأكثر فقراً من الناس إلى تقليل ما يتناولونه من أطعمة، واستخدام بدائل غذائية أرخص سعراً وأقل قيمة غذائية. وأشد المتأثرين بانتكاسة أوضاع التغذية هم الأطفال الرضع دون الثانية من أعمارهم، وكذلك الحوامل. كما تؤثر هذه الصلات المعقدة عبر أسواق الغذاء على انتشار السمنة ـ فمثلاً، تؤدي زيادة الطلب على الشراب المستخلص من الذرة الغني بالفركتوز، وهو بديل رخيص للسكر الأغلى، إلى تداعيات على صعيد السياسات العامة في بلد مثل المكسيك حيث تشكل السمنة مصدر قلق بالغ للصحة العامة.

وهناك عاملان يحدان من تأثير الارتفاع العالمي الحالي في الأسعار على معدلات الفقر. أولهما زيادة المحاصيل المحلية في العديد من البلدان الأفريقية – مثل الذرة الصفراء والذرة البيضاء الرفيعة (السرغوم) والدخن والمنيهوت (الكسافا) – وهو ما حد من انتقال أثر الأسعار العالمية للمواد الغذائية الأساسية وأتاح لبعض أشد البلدان ضعفاً الابتعاد عن استيراد القمح والأرز. أما العامل الثاني، فهو أن أساسيات وضع العرض في سوق الأرز لم تزل قوية – على العكس تماما مما كان عليه الحال في عام 2008 وبفضل قوة المحاصيل في فييتنام وتايلند. فالأرز سلعة أولية مهمة لا لأنه الوجبة الرئيسية في العديد من البلدان النامية فحسب، بل ولأنه أيضاً كان السبب الأول لتفشي أزمة عام 2008 عندما حظر العديد من كبار المصدرين تصديره.

وثمة آثار عديدة لهذه الجولة الأخيرة من زيادات أسعار الغذاء على السياسات في الأمدين القصير والمتوسط. فهناك أسواق مهمة معينة للسلع الأولية، كسوق الأرز حيث قد يحول نقص المعلومات وعدم اليقين (على سبيل المثال، بشأن ما يحتفظ به كبار المصدرين من مخزونات) و"المشتريات نتيجة للذعر" دون هبوط الأسعار إلى ما دون المستويات المتوقعة بفضل وفرة المحاصيل. ومن شأن نشر بيانات منتظمة يسهل الوصول إليها عن المخزونات علاوة على التزام كبار المصدرين بعدم فرض قيود على التصدير أن يساعد على تحقيق الاستقرار في أسعار الأرز التي تُعد عنصراً بالغ الأهمية في الحيلولة دون سقوط المزيد تحت خط الفقر. وفي الوقت نفسه، لابد من توسيع نطاق شبكات الأمان وبرامج التغذية بالبلدان المعرضة للخطر – وقد يتعين على المجتمع الدولي أن يركز، على سبيل المثال لا الحصر، على بلدان مثل أفغانستان وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية قيرغيز ومنغوليا، التي تواجه قفزات هائلة في الأسعار وليس لديها سوى برامج بدائية لشبكات الأمان. وسيتعين متابعة البلدان التي تُعتبر مستورداً صافياً كبيراً للسلع الأولية وتعاني في الوقت نفسه من انخفاض الاحتياطيات ومحدودية الحيز المالي المتاح لتقييم احتياجاتها من التمويل الخارجي. ويسلط تكرار ظواهر الطقس السيئة على مدار العام المنصرم الضوء على ضعف الفقراء في مواجهة تغير المناخ. وعلى الأمد المتوسط، يُعد الاستثمار في رفع الإنتاجية الزراعية المستدامة بيئياً، واتخاذ إجراءات للتكيف مع تغير المناخ، وإيجاد تقنيات وقود حيوي أقل كثافة في استهلاك للمواد الغذائية، كلها عناصر ضرورية للتخفيف من آثار التقلبات المتوقعة في أسعار الغذاء على أشد الناس تعرضاً لها. وأخيراً، فإن هذه القفزات تؤكد على أهمية بذل الجهود لزيادة دخل الفقراء بحيث يتسنى لهم إنفاق حصة أقل من ميزانياتهم على الغذاء ويقل تعرضهم لخطر مثل هذه الصدمات.

الإطار 1: تقدير آثار الزيادات الأخيرة في أسعار الغذاء على معدلات الفقر

من أجل وضع تقدير كمي لحجم تأثير الزيادات الأخيرة في أسعار الغذاء على أعداد الفقراء، رأينا استخدام نموذج عالمي قابل للحساب (مشروع تحليل التجارة العالمية GTAP) مع عينة من 28 استقصاءً لآراء الأسر وبيانات عن إنفاق كل أسرة ومصادر دخلها. وهذه الاستقصاءات الوطنية مأخوذة من المناطق منخفضة ومتوسطة الدخل في أنحاء العالم، وتمثل 41 في المائة من سكان هذه البلدان (انظر الجدول 1). وقد استعنا فيها بتغيرات الأسعار المحلية للسلع الأولية حيثما توافرت لدينا بيانات عن الفترة من يونيو/حزيران إلى ديسمبر/كانون الأول 2010. ومتى تعذر العثور على بيانات الأسعار المحلية للسلع الأولية، لجأنا لتقدير مدى تأثير تغيرات الأسعار العالمية لإحدى السلع الأولية على الأسعار المحلية باستخدام نسبة الواردات من هذه السلعة الأولية إلى إجمالي الاستهلاك. وفي المرحلة الثانية من حساباتنا، لجأنا لتطبيق التغيرات المتوقعة في الأسعار المحلية من أجل تحديد الزيادة في تكلفة المعيشة بالنسبة للمستهلكين الصافين، والزيادة في الأرباح بالنسبة للمنتجين الصافين. وبالجمع بين هذين التأثيرين، قمنا بحساب صافي الأثر على كل أسرة وتحديد ما إذا كانت قد سقطت، أم أفلتت، من براثن الفقر تبعاً لتعريفه عند مستوى 1.25 دولار أمريكي كمتوسط لإنفاق الفرد في اليوم. وتظهر النتائج أنه بالنسبة لنصف العينة المختارة، لاحظنا حدوث زيادة في أعداد الفقراء تزيد على 0.5 نقطة مئوية، وتزيد على نقطة مئوية كاملة في ثمانية بلدان. ومن هذه البلدان طاجيكستان، حيث يُتوقع أن تكون أعداد الفقراء قد زادت بأكثر من 3.6 نقطة مئوية، وباكستان حيث يرجع الجزء الأكبر من الزيادة البالغة نسبتها 1.9 نقطة مئوية إلى ارتفاع أسعار القمح مع تغلب الأثر السلبي على المستهلكين على الأثر الإيجابي على كبار المزارعين والمتوسطين منهم. وعلى العكس من ذلك، يُتوقع أن تشهد فييتنام انخفاضاً في أعداد الفقراء لأن قسما كبيراً من الأسر الفقيرة يُعد من المنتجين الصافين للأرز ممن استفادوا من ارتفاع أسعاره. وبتطبيق المتوسط المرجح سكانياً للزيادة في أعداد الفقراء بالنسبة إلى إجمالي عدد السكان بالبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، نستنتج أن الزيادة الأخيرة في أسعار الغذاء ربما تكون قد أدت إلى سقوط 44 مليون شخص من سكان هذه البلدان في هوة الفقر. وهذا الرقم يعكس سقوط 68 مليون شخص تحت خط الفقر البالغ 1.25 دولار أمريكي للفرد في اليوم، وإفلات 24 مليون شخص من المنتجين الصافين للأغذية من براثن الفقر المدقع.

  إجمالي عدد السكان (بالملايين) عينة السكان (بالملايين) النسبة السكانية التي تغطيها العينة (%) النسبة المئوية للتغير في معدل الفقر (%) التغير في أعداد الفقراء بالمليون
بلدان منخفضة الدخل 828 286 34.5 1.1 9.5
بلدان متوسطة الدخل 4,758 1,987 41.8 0.7 34.1
الإجمالي 5,586 2,272 40.7 0.8 43.7

المصدر: أعدت تقديرات خبراء البنك الدولي وحدة الزراعة والتنمية الريفية التابعة لمجموعة بحوث التنمية والمجموعة المعنية بالحد من الفقر وبالإنصاف.

1الأسعار في أوغندا ورواندا وكينيا وتنزانيا مسجلة بالدولار الأمريكي