- lp-body-content
- first-letter
في صيف عام 2021، اختفت تلال شمال شرق الجزائر خلف جدران كثيفة من الدخان. واجتاحت حرائق الغابات ولايات بجاية والطارف وتيزي وزو بسرعة وضراوة فاقتا قدرات المجتمعات المحلية وفرق الإطفاء، مما أسفر عن فقدان أكثر من 100 شخص لأرواحهم. وفي غضون أيام معدودة، أتت النيران على غابات شكّلت عبر أجيال متعاقبة شريان حياة للأسر؛ إذ أسهمت في تعزيز سبل كسب العيش، وتوفير المأوى للماشية، ودعم استقرار مستجمعات المياه. وقد تجاوزت الأضرار التي لحقت بقطاعي الزراعة والإسكان وحدهما 124 مليون دولار.
لقد جاءت الكارثة التي شهدها عام 2021 لتعكس خطراً كان يتفاقم على مدى سنوات طويلة. ففي الفترة بين عامي 1985 و2022 سجّلت الجزائر أكثر من 75 ألف حريق في الغابات. وفي كل عام، كان يحترق في المتوسط نحو 35 ألف هكتار، أي ما يعادل مساحة 50 ألف ملعب لكرة القدم. ولم يقتصر التغيير على تواتر الحرائق فحسب، بل امتد ليشمل شدتها وضراوتها أيضاً، حيث أسهمت موجات الجفاف الطويلة، وارتفاع درجات الحرارة، وتدهور الأراضي في زيادة وتيرة الحرائق الضخمة التي تنتشر بسرعة أكبر، وتحترق بدرجات حرارة أعلى، وتخلّف وراءها دماراً أوسع نطاقاً. ولا يبدو أن هذا الاتجاه في طريقه للتباطؤ.
وتقف وراء هذه الأرقام قصص لمزارعين ورعاة ماشية ومربي نحل وأُسرٍ فقدت سبل كسب عيشها بين عشية وضحاها، كما دُمّرت موائل الحياة البرية. وإلى جانب الخسائر المباشرة، يؤدي تدمير الغابات إلى إضعاف الوظائف الحيوية لمستجمعات المياه، وتقليص قدرة الأراضي الطبيعية على تنظيم المياه وتخزينها، بما يترتب على ذلك من آثار قد تستمر لسنوات.
من مكافحة الحرائق إلى إدارة مخاطرها
على مدى عقود من الزمن، ركزت جهود الاستجابة أساساً على إخماد الحرائق بعد اندلاعها. ولكن طول مواسم الحرائق واشتداد حدتها، باتت إدارة مخاطرها تتطلب اتخاذ إجراءات تمتد عبر مختلف المراحل، بدءاً من الوقاية والتأهّب، مروراً بالاستجابة، وانتهاءً بالتعافي.
وفي هذا الصدد، قالت ماريا صراف، المديرة الإقليمية للبيئة والموارد الطبيعية والمناخ والاقتصاد الأزرق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بالبنك الدولي: "تتطلب معالجة حرائق الغابات في الجزائر تحوّلاً من نهج الاستجابة القائمة على ردّ الفعل إلى التركيز على الوقاية، والإدارة المرِنة للأراضي الطبيعية، وتعزيز الإشراف البيئي. وتُعد حماية الغابات أمراً بالغ الأهمية للتنوع البيولوجي، والأمن المائي، وقدرة النظم الإيكولوجية على الصمود، فضلاً عن سبل كسب العيش التي تعتمد عليها."
واستجابةً لذلك، أجرت الحكومة الجزائرية، بالشراكة مع مجموعة البنك الدولي، تشخيصاً شاملاً لقطاع الغابات. وكان الهدف هو الوقوف على سُبل مكافحة الحرائق، وفهم أسباب تزايد شدّتها، وتحديد ما يلزم للحد من مخاطرها على المدى الطويل.
وتكشف النتائج عن قطاع غابات يواجه تحديات متعددة؛ إذ تحتاج العديد من خطط إدارة الغابات إلى التحديث، مما يُضعِف القدرة على الحدّ من مخاطر الحرائق من خلال الإدارة النشطة للغابات. ولا يزال تسجيل الحدود غير مكتمل، مما يعرّض الغابات للتعديات وتضارب استخدامات الأراضي. وتتسم نظم البيانات بالتجزؤ، مما يصعّب تكوين صورة شاملة عن أوضاع الغابات ومخاطر الحرائق. وتستمر فجوات التنسيق بين المؤسسات في التأثير على مستوى التأهّب والاستجابة، في حين تسهم ضغوط مثل الرعي الجائر، وإزالة الغابات، وضعف إنفاذ القوانين في تدهور الغابات وزيادة قابليتها للتأثر بالحرائق.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات اتباع نهج أكثر تكاملاً لإدارة مخاطر الحرائق. وتتركز الجهود الحالية على تعزيز أسس نظام حديث لإدارة حرائق الغابات من خلال استخدام أدوات الإنذار المبكر، وتحسين نظم البيانات ورسم الخرائط، وتوطيد التنسيق المؤسسي، وتنمية القدرات الفنية على المستويين الوطني والمحلي. وتهدف هذه التدابير مجتمعةً إلى تحسين مستوى التأهّب، وتعزيز الوقاية، والحد من مخاطر حرائق الغابات على المدى الطويل.
ويتم حالياً تنفيذ مبادرة نموذجية في ولاية بجاية، ثاني أكثر الولايات تضرراً من حرائق الغابات في الجزائر؛ إذ سُجِّل ما يقرب من 5,300 حريق خلال الفترة بين عامي 1985 و2022، أتت على أكثر من 144 ألف هكتار. وفي هذه الولاية، تتداخل التجمعات السكانية الكثيفة مع الغابات، مما يزيد من مخاطر الحرائق. وبناءً على ذلك، يجري إعداد خطة استثمارية لتوسيع نطاق نظم الإنذار المبكر والاستجابة لحرائق الغابات على مستوى البلاد. ويجمع ذلك بين الدعم المؤسسي والاستثمارات الموجّهة في البنية التحتية والمعدات، مثل كاميرات المراقبة، والطائرات المسيّرة، وطرق الوصول، ونظم المياه.
ويجري المضي قُدُماً في تنفيذ الإصلاحات أيضاً؛ إذ يُعد قانون الغابات لعام 2023 وقانون إدارة مخاطر الكوارث لعام 2024 خطوتين بارزتين نحو تعزيز حوكمة إدارة مخاطر الحرائق، وإتاحة المجال أمام الاستثمار الخاص، فضلاً عن تشجيع توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في إدارة الغابات.
من جانبه، قال الدكتور عبد الحميد عفرة، المندوب الوطني للأخطار الكبرى بالمندوبية الوطنية للأخطار الكبرى بوزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل في الجزائر: « تشهد إدارة مخاطر حرائق الغابات في الجزائر تطوراً نحو نموذج أكثر تكاملاً واستباقية، يضع الوقاية والتأهّب والصمود في صدارة الأولويات، بدلاً من الاعتماد على جهود الاستجابة لحالات الطوارئ وحدها. ويُعد الاستثمار في النظم الحديثة، وتعزيز التنسيق في العمل، والارتقاء بصحة النظم الإيكولوجية للغابات وسلامتها أمراً أساسياً للحد من مخاطر حرائق الغابات في ظل تغيّر المناخ.»
الحد من مخاطر الحرائق من خلال تعزيز اقتصادات الغابات
تتجاوز إدارة مخاطر الحرائق مجرد تحسين أنظمة مكافحتها. فعندما تتدهور الغابات ولا تُستغل على النحو الأمثل، تزداد مخاطر الحرائق. وقد بدأت الجزائر في إطلاق العنان لفرص اقتصادية كبيرة في قطاع الغابات، بما يسهم في خلق فرص عمل ومصادر دخل تشجّع المجتمعات المحلية المحيطة على حماية الغابات بشكل أفضل. وتوفر المنتجات الحرجية غير الخشبية، مثل الفلين والراتنج، والزيوت العطرية، والنباتات الطبية إمكانات واعدة لتحقيق القيمة المضافة وخلق فرص العمل. كما تمثل السياحة البيئية فرصة أخرى متنامية، حيث يزور ملايين الأشخاص بالفعل الحظائر الوطنية كل عام.
ويضع هذا النهج الجديد المجتمعات المحلية والبلديات في صميم جهود الوقاية، من خلال إشراكها بصورة مباشرة في إدارة الغابات. ويكتسي إشراك الشباب أهمية خاصة، سواء لمعالجة مسألة البطالة أو لبناء جيل جديد من حماة الغابات والقائمين على رعايتها.
تقف الجزائر اليوم عند منعطف حاسم؛ إذ يتطلب هذا التحوّل إحداث تغيير في طريقة التفكير، من النظر إلى الحرائق باعتبارها حالة طوارئ معزولة إلى فهمها بوصفها جزءاً من منظومة أوسع نطاقاً، تُشكل ملامحها التغيراتُ المناخية، وأنماطُ استخدام الأراضي، والواقعُ الاقتصادي.
بدورها قالت جميلة حاج أوغلو جيرين، الممثلة المقيمة للبنك الدولي في الجزائر: «ما نشهده في الجزائر هو إدراكٌ متزايدٌ بأن حرائق الغابات لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت تمثّل تحدّياً إنمائياً. ومساندة هذه الجهود تعني الإسهام في بناء نظمٍ كفيلة بحماية السكان والموارد الطبيعية على نحو أفضل في السنوات المقبلة.»
لا يمكن القضاء على حرائق الغابات بشكل تام، غير أنه يمكن الحدّ من آثارها بدرجة كبيرة. ومع توفير الاستثمارات المناسبة والدعم اللازم من جانب المؤسسات والمجتمعات المحلية، يمكن لغابات الجزائر أن تصبح ركيزة أساسية في بناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود.
مواضيع ذات صلة
- lp-body-content
- first-letter