- font-medium
- bg_blue_05
نقاط رئيسية
- رفع المغرب أول 1,000 يوم من الحياة إلى مرتبة الأولوية الوطنية، سعياً إلى تعزيز تنمية رأس المال البشري وتقليص الفجوات بين المناطق الريفية وغيرها، وذلك في توقيت بالغ الأهمية في بلد لا تتجاوز فيه نسبة الرضاعة الطبيعية الحصرية 35% من الرضع، فيما تُحرم ما يقارب أربع من كل عشر نساء من الرعاية الكافية خلال الحمل (المسح الوطني لانتشار العنف ضد المرأة 2018).
- استجابةً لهذه التحديات، قامت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بالشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بإطلاق إستراتيجية التواصل من أجل التغيير الاجتماعي والسلوكي. هذه الإستراتيجية تستهدف تحسين أساليب التغذية المثالية خلال أول ألف يوم من الحياة.
- بدوره قام البنك الدولي بدعم المغرب في إعداد هذه الإستراتيجية وتنفيذها على نطاق واسع، وفي وضع نظام رصد ومتابعة متزامن يُتيح التعلم المستمر والتكيف الآني، بما يُعزز أثر الإستراتيجية ويرسّخ استدامتها.
- lp-body-content
- first-letter
في المغرب، لا تتجاوز نسبة الرضاعة الحصرية 35% من الرضع دون سن الستة أشهر، فيما لا تُداوم سوى 66,5% من النساء على أربع استشارات ما قبل الولادة على الأقل. غير أن هذه الأرقام تحكي قصة تتجاوز مجرد الوصول إلى الخدمات؛ إذ تكشف عن تحدٍّ أعمق. هذا التحدي متجذر في العادات والأعراف الاجتماعية وثقل الموروث الذي يتناقله الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل.
منذ لحظة الحمل حتى السنة الثانية من الميلاد، ترسم أول ألف يوم ملامح الصحة والنمو طوال العمر. فالتغذية خلال هذه الفترة الحرجة تؤثر تأثيراً مباشراً في تطور الدماغ والنمو الجسدي والرفاهة على المدى البعيد. وبالإضافة إلى التوجيه الرسمي، كثيراً ما تُسهم الأعراف الاجتماعية والمعتقدات الراسخة والروتين اليومي والأعباء الذهنية التي يحملها مقدمو الرعاية في تشكيل القرارات اليومية تشكيلاً عميقاً. وتفتقر كثير من الأسر إلى مرجع واضح وموثوق في مجال تغذية الأم والطفولة المبكرة ورعايتهما، مما يُولّد حيرة حقيقية أمام الممارسات الصحيحة الواجب اتباعها. غير أن الخدمات والمعلومات وحدها نادراً ما تكفي لتغيير عادات ضاربة في العمق. وسعياً إلى تجاوز هذا الحاجز، اتجه المغرب إلى العلوم السلوكية لفهم ما لدى الناس من معلومات، والأهم ما يُحرّك خياراتهم في حياتهم اليومية.
تروي الجدة عائشة أزوغال، التي شاركت في جلسات التوعية المجتمعية، كيف تكشّفت لها هذه الحقيقة تدريجياً وتقول: "ربّينا أبناءنا على الطريقة القديمة، دون أن ندرك هذه الأمور حقاً. لم أكن أعلم قبل هذه الجلسة أن الحليب الأول الذي يرضعه الطفل من ثدي أمه يساوي ذهباً، وأن الرضاعة الطبيعية خير للطفل والأم معاً".
- lp-body-content
- first-letter
إستراتيجية وطنية لتنمية الطفولة المبكرة
لمواجهة هذا التحدي، قامت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بالشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وبدعم من البنك الدولي، بإطلاق إستراتيجية التواصل من أجل التغيير الاجتماعي والسلوكي (2023-2027). هذه الإستراتيجية تستهدف تحسين أساليب التغذية خلال أول 1,000 يوم من الحياة.
لقد تم وضع هذه الإستراتيجية من خلال البحث والاستشارات المكثفة اعتماداً على العلوم السلوكية لفهم كيفية اتخاذ القرارات داخل الأسر بشكل أفضل. وبدلا من التركيز فقط على الحملات التحسيسية، تستهدف الإستراتيجية معالجة الحواجز العملية والاجتماعية التي تؤثر على السلوك.
تقدّم هذه الاستراتيجية إطاراً وطنياً يرتكز على أربعة أهداف رئيسية، وقد جرى في إطارها إطلاق سلسلة من الحملات الموضوعاتية، تشمل: رفع الوعي بأهمية الألف يوم الأولى من حياة الطفل؛ وتشجيع التغذية الصحية لدى الأمهات إلى جانب تحسين جودة الرعاية في مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها؛ وتعزيز الرضاعة الطبيعية المثلى؛ فضلاً عن ترسيخ ممارسات سليمة للتغذية التكميلية.
ولترجمة هذه الأهداف إلى واقع ملموس، أطلق المغرب حملة وطنية رائدة بعنوان "الألف يوم الأولى"، بهدف ترسيخ الوعي بأهمية هذه المرحلة الحاسمة من حياة الطفل. وانطلاقاً من هذا الأساس، جرى إطلاق حملات موضوعاتية تُعنى بأولويات محددة، من بينها تحسين تغذية الأمهات، والارتقاء بجودة الرعاية قبل الولادة وبعدها، والتشجيع على المبادرة المبكرة للرضاعة الطبيعية، وتعزيز الرضاعة الطبيعية الحصرية حتى سن ستة أشهر، فضلاً عن ترسيخ ممارسات سليمة للتغذية التكميلية والتغذية التفاعلية. وقد نُفِّذت هذه الحملات عبر مقاربة متعددة القنوات، شملت التلفزيون والإذاعة ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الأنشطة الميدانية والتوعية المجتمعية والإرشاد المباشر وجهود الدعم والمناصرة، حيث تمكنت كل موجة من بلوغ ما بين 10 مليون شخص في الأوساط الحضرية والقروية على حد سواء.
ليلى حرابيدة، المتخصصة في المجال الصحي وتشرف على أنشطة التوعية بعدد من مناطق إقليمها، تحدد ملامح هذه المقاربة، إذ تقول: "غالباً ما تكون هناك مفاهيم خاطئة وممارسات غير سليمة لدى النساء أو في محيطهن. ونحن نعمل على توجيههن نحو أفضل الممارسات". وأضافت: "إننا نقوم بتنظيم حملات تحسيسية في مختلف جماعات الإقليم، ونستدعي النساء والوسائط المجتمعية، مع التأكيد على أهمية شبكة الدعم المحيطة بالمرأة، من أجل رفع مستوى الوعي، وتعزيز الإقناع، وتحقيق التغيير السلوكي والاجتماعي".
رفع مستوى الوعي وتغيير المعايير
ترتكز مقاربة المغرب على قناعة محورية مفادها أن تحقيق تقدم مستدام يمرّ عبر أسر واعية ومُمكَّنة تعتمد ممارسات صحية أفضل. ولهذا، لا تقتصر جهود التحسيس على وسائل التواصل الجماهيري فحسب، بل تمتد إلى الحوارات المحلية، وجلسات الإرشاد، وآليات الدعم بين الأقران.
ومن خلال إشراك الأمهات والآباء والأجداد وقادة المجتمع، تسعى إستراتيجية التواصل من أجل التغيير الاجتماعي والسلوكي (SBCC) إلى إحداث تحول في الأعراف السائدة المرتبطة برعاية الأم، وتغذية الرضع، والتحفيز المبكر للطفل. ويؤدي المهنيون الصحيون والعاملون في الصحة المجتمعية دور وسطاء موثوقين، يُواكبون الأسر في تحويل التوصيات إلى ممارسات يومية ملموسة.
ولتمكينهم من أداء هذا الدور على الوجه الأمثل، جرى تطوير وتعميم دورة تدريبية رقمية مفتوحة (MOOC) مخصَّصة، تُغطي مرحلة الألف يوم الأولى، ومبادئ العلوم السلوكية، وتقنيات الإرشاد، بهدف ترسيخ تغيير دائم في السلوكيات. في هذا الشأن، تؤكد زينب مبروك، العاملة في مجال الصحة المجتمعية، أن هذا التدريب زوّدها بالمهارات اللازمة لمرافقة الأسر بثقة أكبر. وعلى أرض الواقع، بدأت ملامح هذا التحول تتجلى بشكل متزايد.
وتوضح فاطمة الزهراء غانمي، الأخصائية الصحية التي تشتغل عن قرب مع الأسر في الميدان، قائلة: "في السابق، كانت العديد من النساء يلدن في المنزل، وهو ما كان ينطوي على مخاطر كبيرة. أما اليوم، فأغلبهن يتوجهن إلى المراكز الصحية، وقد تراجعت الولادات المنزلية بشكل واضح"، مشيرة إلى أن "هذه الجلسات تساعد الأسر على فهم أفضل للرضاعة الطبيعية، ورعاية الطفل، وغير ذلك من الجوانب الأساسية".
وبدورهم، بات الآباء يشاركون بشكل متزايد في هذا التحول.
ويؤكد زهير اوعرشان، الأخصائي الصحي المنخرط في أنشطة التحسيس المجتمعي، قائلاً: "هناك إقبال متنامٍ على التعلّم والاستفادة من هذه المبادرات. حتى الرجال، رغم أن هذه المواضيع كانت تُعتبر في السابق من اختصاص النساء فقط. اليوم، أصبح من الضروري إشراكهم. وقد تحقق بالفعل تقدم ملموس، سواء من حيث ارتفاع مستوى الوعي، أو تحسن تتبع الحمل، أو زيادة اللجوء إلى الولادات بالمؤسسات الصحية".
ومن جهته، يبرز الجدّ صالح فهليل، بعد مشاركته في جلسة تحسيسية بأحد الأسواق المحلية، هذا التحول بقوله: "لديّ ابنتان، وأحرص شخصياً على مرافقتيهما إلى المستشفى للولادة، كما أشجعهما على إرضاع أطفالهما".
وتُظهر تجربة المغرب أن تحقيق تغيير مستدام لا يقتصر على توسيع الخدمات فحسب، بل يتطلب أيضاً مواكبة الأسر وإشراك المجتمعات المحلية في هذا المسار.
ومن خلال اعتماد مقاربة قائمة على علوم السلوك، يوجّه المغرب استثماراته نحو تنمية رأس ماله البشري في المرحلة الأكثر مردودية: الألف يوم الأولى من حياة الطفل.
وتتلاقى شهادات الأمهات والآباء والأجداد والعاملين في الصحة المجتمعية والمهنيين الصحيين عبر مختلف جهات المملكة لتؤكد الرسالة ذاتها: التغيير ممكن، وهو يبدأ منذ الأيام الأولى للحياة.
- lp-body-content