Skip to Main Navigation
رأي 10/09/2019

المنافسة العادلة مفتاح التمكين الاقتصادي للنساء في العالم العربي

تعد مستويات مشاركة النساء في قوة العمل في البلدان العربية من بين الأدنى على مستوى العالم، وذلك على الرغم من تزايد التحصيل التعليمي للنساء اللاتي يبلغن سن العمل. والحقيقة أن الفتيات الشابات في أنحاء العالم العربي يتخطين المستويات التعليمية للشبان الذين يتأخرون عن الفتيات على نحو يبعث على القلق. وأصبح علاج مشكلة تدني نسبة تمثيل النساء العربيات في قوة العمل، وإذكاء الحافز للارتقاء بالمستوى التعليمي لدى الشبان من الضرورات الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى مدار سنوات طويلة، أدركت بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والنرويج واليابان نجاعة مشاركة النساء في قوة العمل، واستفادت استفادةً كبيرة من حيث تكوين الثروة والإحساس بأهمية تقاسم الفرص. وجاءت هذه التغيُّرات في سوق العمل في أغلب الأحيان في أعقاب حركات اجتماعية كبيرة لا تختلف عن تلك التي شوهدت في عام 2011 عند انطلاق الربيع العربي، واليوم في السودان والجزائر ومصر. وفي هذه الحركات جميعا، سار الرجال والنساء جنبا إلى جنب مطالبين بمزيد من الحريات الاجتماعية والاقتصادية.

ولاستغلال إمكانيات المرأة العربية وتفجير طاقاتها الكامنة، يجب العمل على ثلاثة أبعاد.

الأول أنه يجب على البلدان تعديل القوانين واللوائح التنظيمية التي تنطوي على إجحاف فيما يتصل بمشاركة النساء في قوة العمل، والحقوق الاقتصادية الأساسية للمرأة. وفي العقود القليلة الماضية، قطعت بعض بلدان العالم العربي شوطا كبيرا في سن تشريعات سارت ضد التيار الاجتماعي السائد، وأنهت قرونا من المعوقات القانونية التي عفا عليها الزمن لحقوق النساء. فقد أعطى قانون الأحوال الشخصية في تونس عام 1956 النساء حقوقا مساوية لحقوق الرجال في كل مناحي الحياة المدنية والعامة. وحذت حذوها بضعة بلدان أخرى منها المملكة العربية السعودية التي سمحت في الآونة الأخيرة للنساء بقيادة السيارة والسفر بحرية أكبر من ذي قبل. ولكن مازال هناك الكثير الذي ينبغي عمله، ومن ذلك تغيير قوانين الميراث التي تُعرِّض للخطر -في شكلها الحالي- إمكانية حصول النساء على رأس المال وريادة الأعمال. وتشتد الحاجة إلى إجراء هذه التغييرات لأن هذه القوانين كثيرا ما تكون ذريعة للتحامل على النساء لاسيما في المناطق المتأخرة التي لم تحظ بنصيب من التنمية، ولكن تغيير القوانين لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوكيات على الفور.

وحتى مع تغيُّر القوانين واللوائح التنظيمية، تواجه النساء ومنهن الحاصلات على مستويات تعليمية عالية قلة الفرص المتاحة في القطاع الرسمي نتيجة لتزايد مستويات المديونية وضعف معدلات النمو، مما يؤدي بدوره إلى تقليص فرص العمل والتوظيف في القطاع العام. وقد بلغ الإنفاق العام، وهو محرك التنمية في المنطقة في السابق، أقصى حدوده.

ويعني هذا أن معظم فرص التوظيف المتاحة للنساء تكون في القطاع غير الرسمي الذي يُنظَر إليه على أنه غير آمن، وتقل فيه تدابير الحماية الاجتماعية. وأصبح سوء وسائل النقل العام في كثير من بلدان المنطقة معوقا أساسيا لحرية التنقل للنساء. ويجب أن يصبح إنفاذ معايير السلامة وسياسات مكافحة التحرش إحدى الأولويات الوطنية في البلدان العربية من أجل حماية النساء.

والثاني أنه يجب على البلدان ترسيخ المنافسة العادلة في الأسواق. ومع أن هذا لا يستهدف بشكل مباشر مكافحة التحامل على النساء، فإنه يتناول عيبا أساسيا في الاقتصادات العربية: وهو عجزها عن خلق وظائف جيدة ودمج النساء في قوة العمل، الأمر الذي يرجع إلى حواجز يكاد يكون اختراقها مستحيلا تحول دون دخول الشركات الأسواق الحيوية أو الخروج منها – أو على حد تعبير خبراء الاقتصاد غياب التنافسية. فهذه الاقتصادات تحابي الشركات القائمة بالفعل سواء كانت من القطاع الخاص أو مملوكة للدولة. ويؤدي غياب التنافسية إلى المحسوبية، وما يرقى إلى أنشطة التربُّح التي لا تتحمَّس للمواهب والاستثمار، بما في ذلك أنشطة البحث والتطوير.

ولخلق طلب على الأعداد المتزايدة من النساء المتعلمات في قوة العمل، لابد أن تزيل البلدان العربية الحواجز التي يقيمها أصحاب المصالح المكتسبة فيها. وفي التطبيق العملي، قد تتطلب إزالة هذه الحواجز إنشاء أجهزة رقابية وتعزيز قدرتها على تشجيع المنافسة. وقد يحول إصدار لوائح تنظيمية مستقلة تشجع المنافسة، وتكافح الممارسات المناهضة للمنافسة دون استمرار تحكم الأقلّية، تلك الأقلية ذات النفوذ التي تحكم في الغالب سيطرتها على محاولات التحرر، والنتيجة المؤسفة لذلك هي تشويه فكرة الإصلاح في أذهان المواطنين.

وبمقدور المؤسسات المالية الدولية والبلدان المانحة وغيرهم من شركاء التنمية مساعدة البلدان العربية، لا عن طريق مساندة تغيير القوانين والتشريعات التنظيمية فحسب، وإنما أيضا بمساعدتها على التحوُّل إلى اقتصادات حديثة تقوم على الرقمنة. ويجب عليهم أن يُثيروا بشكل مُنسَّق قضايا التنافسية وما يرتبط بها من هيئات محلية مستقلة ذات مصداقية من أجل تشجيع المنافسة بوصفها خطوة ضرورية إلى الأمام نحو بناء مجتمعات أكثر احتواء. ولضمان إحراز تقدم في هذا الشأن، يمكن للشركاء ربط المساعدات المقدمة باتخاذ البلدان المعنية خطوات داعمة للمنافسة، وتقديم خبرة فنية في تصميم الهيئات التنظيمية المختصة والمستقلة على الصعيدين الوطني والإقليمي.

والثالث، أنه يجب على البلدان تعزيز المعرفة بالتكنولوجيا من أجل إطلاق العنان لإمكانات الشبان والشابات. فالاقتصاد الرقمي يساعد على إنشاء منصات تُقدِّم عروضا جديدة بشأن التعليم والنقل والحصول على التمويل— بما في ذلك للنساء، ويتيح فرص عمل أكثر مرونة من أي مكان، ويشمل ذلك تلك المناطق التي تفتقر إلى فرص العمل والتوظيف.

بيد أن الاقتصاد الرقمي في مراحله الأولى، ويواجه الشباب عقبات في استخدام التكنولوجيا استخداما منتجا. ويجب على البلدان العربية لتيسير وصول شبابها إلى الاقتصاد الرقمي إنشاء شبكة حديثة لخدمات الإنترنت ذات النطاق العريض تُغطِّي كل المناطق، ومنها تلك المناطق التي لم تحظ بنصيبها من التنمية الاقتصادية. وفي تلك المناطق، يمكن الاقتداء بالنموذج الهندي الذي يجري فيه تيسير الحصول على خدمات الإنترنت بلا مقابل لبعض الوقت لتعزيز آثاره النافعة على الاقتصاد وخلق الوظائف. ويجب على هذه البلدان إقامة البنى التحتية والأجهزة التنظيمية التي تدعم تحويل الأموال رقميا من خلال أجهزة الهاتف المحمول وشبكة الإنترنت.

إن البلدان العربية في خضم تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وفي الصميم منها يأتي تمكين النساء. وينبغي للبلدان العربية كي تنجح أن تبذل جهودا مخلصة في مجالات القوانين والتشريعات التنظيمية والمنافسة والتكنولوجيا.

 

Api
Api