**النسخة المعدة للإلقاء**
صاحبة المعالي رئيسة الوزراء السيدة/ ملوني، أقدم لك جزيل شكري على قيادتك وصداقتك، وعلى عطائك وكرمك باستضافتنا هنا في روما.
فخامة الرئيس ثارمان، جزيل شكري لالتزامك الثابت بأجندة خلق فرص العمل والوظائف، ولمساهمتك بقيادة المجلس الاستشاري رفيع المستوى المعني بالوظائف في مجموعة البنك الدولي.
في البداية، أود أن أعبر عن شكري وامتناني للشعب الإيطالي على حسن استقبالهم لنا اليوم في هذا المبنى الجميل.
خلال الأعوام العشرة إلى الخمسة عشر القادمة، سيبلغ 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سن العمل. وتشير التوقعات الحالية إلى أنه لن يتم توفير سوى حوالي 400 مليون وظيفة.
وتُمثل هذه الفجوة، التي تبلغ قرابة 800 مليون وظيفة، أكثر من مجرد إحصائية؛ إنها التحدي الاقتصادي والإستراتيجي الأبرز في عصرنا.
فبحلول عام 2050، سيعيش أكثر من 80% من سكان العالم في البلدان النامية الحالية، بينما سيكون ربع سكان الأرض من الأفارقة.
وإذا لم يجد هؤلاء الشباب فرص عمل، فإن الضغوط المتعلقة بالهجرة والهشاشة والأنظمة السياسية ستتجاوز الحدود.
أما إذا حصلوا على فرص العمل، فسيُصبح هذا التحول الديموغرافي واحداً من أقوى محركات النمو العالمي التي عرفها العالم.
إنها معادلة تتسع للجميع، فمكسب طرف لا يعني خسارة الآخر.
فعندما تزدهر البلدان النامية وتحقق النمو، تستفيد الاقتصادات المتقدمة، وهو أمر تدركه جيداً معالي رئيسة الوزراء السيدة/ ملوني وفخامة الرئيس ثارمان.
السادة الحضور تعلمون جيداً أن ارتفاع الدخل يزيد من أعداد المستهلكين الجدد، ويفتح الآفاق لأسواق جديدة، ويساعد على إقامة شراكات جديدة ودخول شركاء جدد.
ومما لاشك فيه أن سلاسل الإمداد ستتنوع. وبالتالي، يتعزز الاستقرار.
أما نحن في مجموعة البنك الدولي، فقد صممنا إستراتيجيتنا حول الوظائف باعتبارها المسار الأكثر ضماناً للخروج من دائرة الفقر. وركزنا بشكل خاص على رواد الأعمال والمؤسسات والمشاريع والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تسهم في توفير 90% من الوظائف على مستوى العالم.
إنه نهج يرتكز على ثلاث دعائم أساسية.
أولا، البنية التحتية، المادية والبشرية: وتشمل الطاقة، والنقل، والمياه، وخدمات الربط الرقمي، والإسكان، والرعاية الصحية، والتعليم، وتنمية المهارات.
ثانيا، البيئة التنظيمية المواتية للأعمال: القواعد الواضحة وإمكانية التنبؤ بالتطورات والمستجدات وهو ما يحتاجه المستثمرون.
ثالثا، المساعدة في زيادة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي: عبر استخدام أدوات تخفيف المخاطر، والضمانات، والاستثمارات المباشرة في أسهم رأس المال والشركات لتحفيز الاستثمارات الكبرى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن خطة الحكومة الإيطالية للتعاون والاستثمار في أفريقيا (خطة ماتي) تتسق مع إستراتيجيتنا التي تركز على توفير الوظائف أولاً، عبر الركائز الثلاث جميعها.
وستتضافر جهودنا وسنعمل معاً على توسيع نطاق مشاريع البنية التحتية المادية، لتشمل توصيل الكهرباء في موزامبيق، وكوت ديفوار، وتنزانيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومد شبكات المياه والري في أنغولا وتنزانيا.
كما سندعم البنية التحتية البشرية للربط بين الطلب على العمالة والفرص المتاحة عبر الحدود، حيث سيتم ربط الوظائف في أوروبا بالجهود الرامية إلى خلق فرص العمل في شمال أفريقيا، بدءاً بتونس ثم التوسع إلى مصر وإثيوبيا.
إننا سنعزز الجهود الرامية إلى إصلاح اللوائح التنظيمية من خلال إحداث التوأمة بين توفير التمويل والتفاعل والمشاركة على صعيد السياسات، مع ربط الاستثمارات العامة بمشاركة القطاع الخاص.
كما أننا ندعم جهود جذب رؤوس الأموال الخاصة من خلال منح التمويل الميسر والضمانات، مما يساهم في تعزيز كفاءة وفاعلية الموارد العامة القيّمة والثمينة. وقد تم بالفعل توفير قرابة مليار يورو في صورة تمويل مشترك إلى جانب التمويلات التي تقدمها مجموعة البنك الدولي.
هذا النهج القائم على الركائز الثلاث، والشراكة مع إيطاليا، يسهمان في خمسة قطاعات تُعزز جهود خلق فرص العمل محلياً على نطاق واسع. هذه القطاعات لا تعتمد على نقل الوظائف عبر الحدود، بل تهدف إلى خلق الفرص حيثما يعيش السكان: الطاقة والبنية التحتية، والصناعات الزراعية، والرعاية الصحية، والسياحة، بالإضافة إلى الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة بما في ذلك المعادن الأساسية.
قبل أيام قليلة كنت في مصر، حيث شاهدت هذه الإستراتيجية قيد التطبيق عبر أربعة من تلك القطاعات الخمسة.
لقد زرت مصنعاً ينتج الحافلات (الأتوبيسات). هذا المصنع استفاد من إصلاح السياسات وتوفير التمويل، وقد ساهم ذلك في زيادة الإنتاج المحلي وفتح المجال لفرص عمل تتطلب مهارات عالية في قطاع التصنيع.
كما استعرضت برنامجاً للإسكان. هذا البرنامج لا يقتصر على بناء منازل ميسرة وقوية فحسب، بل يعزز أيضاً سلاسل الإمداد الخاصة بالبناء وأعمال المقاولات ويوفر فرص عمل.
والتقيت أيضاً رواد أعمال متخصصين في التكنولوجيا الزراعية، يعملون على دعم صغار المزارعين وأصحاب الحيازات الصغيرة لزيادة الإنتاجية، وربطهم بالأسواق، وخلق فرص عمل عبر سلسلة القيمة، بدءاً من التخزين مروراً بالخدمات اللوجستية وصولاً إلى عمليات التجهيز والمعالجة والتصنيع.
وقمت بجولة في المتحف المصري الكبير الذي تم إنشاؤه حديثاً، والذي يلعب دوراً رئيسياً في زيادة أعداد السائحين ويوفر فرص عمل تتجاوز حدود قاعات العرض.
في كل ما رأيت، كانت البنية التحتية محورية، وكان الحصول على التمويل عنصراً أساسياً.
ومن اللافت في مصر أيضاً أن الإصلاحات التنظيمية المخطط لها، إذا تم تنفيذها بالكامل وتطبيقها بانتظام، يمكن أن تدعم بشكل كبير جذب رؤوس الأموال الخاصة والتوسع في هذه البرامج بصورة أكبر من المتوقع.
ولهذا تُعد قمة اليوم بالغة الأهمية حيث إنها تركز على تسهيل وتيسير ممارسة أنشطة الأعمال وإقامة الشركات.
ففرص العمل تتواجد عندما يكون لدى رواد الأعمال والشركات مهما كان حجمها، كبيرة أو صغيرة أو متناهية الصغر، الثقة اللازمة لتأسيس الشركات وتوظيف العاملين والتوسع وتحقيق النمو. هذه الثقة تُبنى على الوضوح والقواعد الموثوقة التي تتسم بالشفافية والاتساق.
إن الأدلة والشواهد على مر الزمان تؤكد ذلك بوضوح؛ فالبلدان التي حققت نمواً مستداماً وزيادة في فرص العمل نجحت في تحقيق هذه المستهدفات من خلال التحسينات المستمرة في بيئة الأعمال انطلاقاً من إصلاحات مخطط لها، نُفذت على مراحل وتم الاستمرار فيها مع الوقت، وليس عبر مشاريع منفردة ومنعزلة.
وإذا نجحنا فيما نسعى إليه من خلال مواءمة مشاريع البنية التحتية من الاحتياجات وساهمنا في استقرار اللوائح التنظيمية وإتاحة الوصول إلى الفرص والخدمات للجميع على نطاق واسع، يمكننا المساهمة في خلق فرص عمل في المناطق التي يعيش فيها الشباب.
وبذلك، نعزز الاستقرار، ونوسع آفاق النمو، ونرسخ الرخاء المشترك الذي يوحّد الاقتصادات المتقدمة والنامية معاً ويدعم تضافر جهودها.
ولهذا نحن هنا اليوم.