خطب ونصوص 2019/09/17

تحقيق نتائج طيبة عبر النمو - المسار إلى نجاح التنمية - كلمة رئيس مجموعة البنك الدولي ديفيد مالباس أمام معهد بيترسون

يسعدني أن أعود إلى معهد بيترسون. أنا أتوق الى سماع آرائكم حول الموضوعات الصعبة المتمثلة في النمو والتنمية. فهو نقاش يأتي في الوقت الملائم بالنظر إلى ما يواجه العالم من تحديات عاجلة عديدة، بما في ذلك البريكسيت، وأسعار الفائدة السلبية، والاحتكاكات التجارية، وارتفاع معدلات الفقر في العديد من البلدان النامية.

 هناك طائفة من قضايا التنمية التي يجب معالجتها، ومنها الحواجز التي تواجه القطاع الخاص، والاندماج الكامل للمرأة، والمشاكل الشديدة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والبيئة والبنية التحتية، على سبيل المثال لا الحصر.

وأود أن أطرح أربعة موضوعات اليوم، هي تراجع وتيرة النمو العالمي؛ وانخفاض معدل تكوين رأس المال الثابت، خاصة في البلدان النامية؛ والسندات ذات العائد السلبي كمؤشر على تجمّد رأس المال؛ وتأثير هذه الاتجاهات على البلدان النامية والبنك الدولي. وهذه المشاكل مرتبطة بعضها ببعض، مما يخلق بيئة نمو لا تدعم التنمية.

تراجع وتيرة النمو العالمي

لقد بات الركود العالمي واضحا. ففي شهر يونيو/حزيران، خفض تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الصادر عن مجموعة البنك الدولي تقديراتنا لمعدل النمو العالمي الحقيقي عام 2019 إلى 2.6%. وفي ضوء المستجدات مؤخرا، أتوقع أن يسجل النمو الفعلي معدلا أقل من ذلك. 

ومن الناحية الاسمية، يبدو أن نمو إجمالي الناتج المحلي بالدولار تبطء وتيرته إلى أقل من 3% عام 2019، في تراجع كبير من معدل النمو البالغ 6% في عامي 2017 و 2018. وبلغت قيمة إجمالي الناتج المحلي بالدولار 84.7 تريليون دولار عام 2018، كان نصيب الولايات المتحدة منها 20.6 تريليون دولار، والصين 13.6 تريليون دولار، وأكبر خمسة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي مجتمعة (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا) 13.1 تريليون دولار واليابان 5 تريليونات دولار.

وهذا الركود في النمو العالمي ذو قاعدة عريضة، بما في ذلك تراجع النمو في الصين؛ وفترات الركود الملموس في الأرجنتين والهند والمكسيك؛ وخيبة الأمل في معظم أنحاء العالم النامي. كما أن بعض أجزاء أوروبا في حالة ركود أو على وشك الوقوع في الركود. فقد شهدت ألمانيا والمملكة المتحدة ركودا خلال ربع من العام، وشهدت إيطاليا والسويد ركودا لفترة تجاوزت ستة أشهر من العام.

تراجع الاستثمارات

فلننتقل الآن إلى تكوين رأس المال. كان العنوان الفرعي لتقرير الآفاق الاقتصادية العالمية لشهر يونيو/حزيران هو "اشتداد التوترات، ضعف الاستثمار". فقد تراجعت وتيرة نمو الاستثمارات في جميع أنحاء العالم بعد الأزمة المالية العالمية من حوالي 6% في المتوسط ​​خلال الفترة 1992-2007 إلى حوالي 4% خلال الفترة 2010-2018.

وفي بلدان الأسواق الناشئة والبلدان النامية، انخفض متوسط ​​نمو الاستثمارات من حوالي 10% سنويا خلال الفترة 1992-2007 إلى أقل من 6% خلال الفترة 2010-2018. ومع استثناء الصين، كان متوسط ​​نمو الاستثمارات في بلدان الأسواق الناشئة والبلدان النامية حوالي 4 % فقط في الفترة 2010-2018. وتوقع تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية لشهر يونيو/حزيران ارتفاعها ارتفاعًا متواضعًا عامي 2019 و 2020. بيد أن البيانات الحديثة تشير إلى أن هذا أمر غير مُرجّح، ليصبح معدل تكوين رأس المال أقل بكثير من المتوسطات السابقة وغير كافٍ لرفع مستويات المعيشة عن طريق حفز النمو وخلق فرص العمل.

رأس المال مُجمّد

في الوقت نفسه، فإن أكثر من 15 تريليون دولار من السندات أصبحت عوائدها صفرية أو سلبية، وتحمل مع بعض الإصدارات الجديدة عوائد سلبية على الأجل الطويل. ورأس المال المتجمد هذا يُعني بطء وتيرة النمو مستقبلا. وحسب النظريات الاقتصادية، يجب أن تكون العوائد مرتبطة بتكلفة رأس المال والعائد المتوقع على الاستثمار. فعوائد السندات المنخفضة أو السلبية تعني أن العديد من مُجمّعات رأس المال تقبل فرضية السوق وهي أن العوائد ستبقى شديدة الانخفاض بل سلبية لعدة سنوات، إن لم تكن لعقود قادمة.

في الأسبوع الماضي، أعلن البنك المركزي الأوروبي عن دَفعة أخرى لأسعار الفائدة السلبية بشرائه سندات مفتوحة على الرغم من انخفاض العوائد.
 وبدلاً من دفع فوائد على التزاماته، سيقوم البنك المركزي الأوروبي بتحصيل رسوم على البنوك التي تزوده بالتزاماته بنسبة فائدة 0.5%، مما يضعف النمو.

فماذا يعني حَبس قدر ضخم من رأس المال العالمي في سندات منخفضة العائد؛ في حين أن معدل إجمالي الاستثمار في رأس المال الثابت بطيء بالمعايير التاريخية؟ النتيجة هي أن وتيرة النمو، خاصة في البلدان النامية، ستبقى بطيئة، حيث تتدهور أرصدة رأس المال الحالية وتتعرض لاستنفادها. ويشكل هذا تحديًا لمجموعة البنك الدولي بالنظر إلى أن هدفنا هو مساعدة البلدان على الارتقاء على سلم التنمية.

تحديات التنمية

إن الجمع بين بطء النمو العالمي وضعف الاستثمارات في البلدان النامية يخلق احتمال أن ترتفع معدلات الفقر في العديد من البلدان وأنه لن يتحقق كثير من أهداف البنك الدولي بشأن تخفيف وطأة الفقر.

 ومما يزيد المشكلة تعقيدًا، أن الأثر التوزيعي لبطء النمو العالمي وتجمّد رأس المال يفاقم من عدم المساواة، مما يحدّ من رسالتنا المتمثلة في تحقيق الرخاء المشترك ورفع متوسط الدخول.

 إن هذا التحدي هائل. ففي عام 2015، كان ما يقرب من عُشر سكان العالم يعيشون في فقر مدقع. وكان هذا يمثل تحسّنًا كبيرًا عن الوضع السابق، لكنه يجعل من الضروري على البلدان المعنية أن تحقّق مزيدا من التقدم من خلال ممارسات التنمية. فالحد من الفقر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو في البلدان النامية، والذي يرتبط هو أيضًا بالنمو في البلدان المتقدمة وبالسياسات الموجهة نحو النمو. إذ لم يتمكن أي بلد عبر التاريخ من الاستمرار في خفض مستويات الفقر خلال أي فترة زمنية دون تحقيق نمو اقتصادي. ومع بطء معدلات الاستثمار الإجمالية في البلدان النامية، تَضعُف آفاق النمو، مما يزيد من الإلحاح في تنفيذ إصلاحات هيكلية.

وفي قمة مجموعة السبع الأخيرة في بياريتز، أشرت إلى أن عدم فعالية الإنفاق الحكومي وغياب الشفافية في الديون يسهمان في ضعف مناخ الاستثمار والطائفة الواسعة من المشكلات الهيكلية التي تواجه التنمية. وشددت على أهمية التنسيق في معالجة هذه المشكلات: يسعى البنك الدولي إلى تحقيق نتائج إنمائية جيدة من خلال برامج قُطْرية قوية، مع مسارات عمل واسعة موجهة نحو النمو والاستدامة ورفع مستويات المعيشة على نطاق واسع.

إني على ثقة من توفّر الإصلاحات الهيكلية التي ستعمل في الاتجاه الصحيح، لكنني أدرك أيضًا المقاومة القوية التي تواجهها العديد من الإصلاحات الرئيسية. وتشمل المشكلات التكتلات الاحتكارية؛ والإفراط فيما تقدمه الحكومات من فرص عمل ومعاشات تقاعدية؛ وإعانات الدعم للسلع والخدمات والتمويل، وهي كلها مشكلات يتعذر على البلدان حلها. لقد حققنا قدرا من النجاح في تطبيق التنافسية (على سبيل المثال، من خلال أسواق المزادات)، ولكن اقتصاد العديد من البلدان النامية مازالت تهيمن عليه الحمائية التي تقوض قدرتها التنافسية؛ والمؤسسات والبنوك المملوكة للدولة التي يتسبب الكثير منها في تشويه الأوضاع الاقتصادية ويسحب الموارد المالية من الاستثمارات الأكثر إنتاجية.

ويمثل الافتقار إلى الشفافية في الديون وأعباء الديون التي لا يمكن الاستمرار في تحملها مشكلات في عدد من البلدان، وخاصة في أفريقيا. ولا تزال بلدان عديدة من بين البلدان المتعاملة معنا تعاني من نقص المياه النظيفة وإمدادات الكهرباء المنتظمة وإمكانية الوصول إلى الطرق والرعاية الصحية الأساسية والتعليم.

والجانب الجيد في انخفاض أسعار الفائدة وعوائد السندات يتمثل في أن رأس المال يصبح متاحا حين تقوم البلدان المعنية بتحسين إطارها الاقتصادي. فقد شهدت اليونان والفلبين انخفاضات سريعة في عوائد سنداتها مع ظهور فرص استثمارية أفضل.

وربما دخلت أوكرانيا تلك المرحلة. فقد سافرت إلى كييف يومي 22 و 24 أغسطس/آب لمناقشة أولويات الإصلاح الاقتصادي مع الرئيس زيلينسكي وفريقه. كانت الحكومة تتشكّل والبرنامج الجديد قيد الإعداد، لذا كان التوقيت مناسبًا لمشاركة مجموعة البنك الدولي. فاز الرئيس زيلينسكي فوزا ساحقا بنسبة 73% من الأصوات وحصل حزبه السياسي المشكل حديثًا على أغلبية حاسمة في الانتخابات البرلمانية على أساس برنامج لتحسين السياسات العامة.

وأتاحت شعبية الرئيس زيلينسكي فرصة قوية لدفع أوكرانيا على طريق من النمو الأكثر سرعة واستدامة. وقد حثثته على التحرك سريعًا في تنفيذ الإصلاحات، مع التركيز على الإصلاحات التي ستفيد المواطنين على وجه السرعة من خلال التحرير الاقتصادي. وأكد الرئيس زيلينسكي العديد من تدابير النمو الرئيسية، وهي كالتالي: إصلاح الأراضي، وتحرير قطاع الغاز الطبيعي، والقضاء على احتكار الشركات المملوكة للدولة والقطاع المصرفي، واحترام استقلال البنك المركزي. ونُشرت مقالتي المُشجعة لهذا المسار في صحيفة فاينانشال تايمز يوم 25 أغسطس/آب.

أتوقع أن تنتهز الأسواق والمستثمرون الفرصة بتقييم إصلاحات مثل الإصلاحات السابق ذكرها. بالنسبة للعديد من بلدان الأسواق الناشئة، يضع توفر رأس المال العالمي المزيد من التركيز على الإصلاحات التي تدعم أسواق رأس المال وتجتذب رؤوس الأموال من مواطنيها المغتربين، وهم الأكثر حرصًا في الغالب على الاستثمار عند حدوث تحسينات والأكثر إدراكًا بالتقدم الهادف.

  • ما الذي يمكن للبلدان النامية أن تقوم به؟ هناك حاجة ملحّة لإجراء إصلاحات هيكلية جيدة التصميم وذلك لإزالة الحواجز أمام النمو وبناء الأسس اللازمة لتحقيق الرخاء في المستقبل. وعلى مختلف البلدان ترتيب أولويات سياساتها السليمة:
  •  التسعير المستند إلى السوق؛
  • التوفيق بين قرارات الاقتراض والاستثمار لاجتذاب المشروعات الإنتاجية بدلا من مزاحمة القطاع الخاص؛
  •  الشفافية في الديون، وهو جزء حيوي من القدرة على تحمل أعباء الديون والكفاءة في توزيع رأس المال؛
  • المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يمكن تحقيقه عبر تحرير التجارة والاستثمار فيما بين البلدان وداخلها؛
  • استقرار العملة القائمة على السوق، وهو أمر حيوي كي يتمكن المستثمرون من ضخ استثمارات طويلة الأجل؛
  • الإدارة التحوطية للمالية العامة بفرض مستويات ضريبية معقولة والإنفاق الحصيف المتعقل - وهو من أكثر الإصلاحات صعوبة في تحقيقه؛
  • زيادة القدرة على المنافسة، والتسعير التنافسي والمنافسة في السوق، وهو إصلاح رئيسي للعديد من البلدان، وخاصة التي لديها أعداد كبيرة من الشركات المملوكة للدولة.

كما أشرت، فإن نجاح الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تعزيز النمو يحتاج إلى العديد من الإصلاحات المرتبطة. وتشمل الخطوات إلى الأمام الاستثمار في رأس المال البشري والرعاية الصحية والتعليم والإدماج الكامل للمرأة.

باختصار، فإن وتيرة النمو والاستثمار تتراجع على الصعيد العالمي مع تجميد قدر ضخم من رأس المال في سندات منخفضة العائد. ويزيد هذا المزيج من التحديات التي تواجه العديد من البلدان النامية ومن الإلحاح في السياسات التي تقدم منافع واسعة للنمو والاستثمار ومستويات المعيشة.

شكرا لكم.

Api
Api