الصفحة باللغة:

موضوع رئيسي

المياه في لبنان: مطابقة الواقع بالأساطير

2013/12/23

على مدار التاريخ، تغنى المطربون والشعراء بالطبيعة الخلابة للبنان:من جبال تتوج قممها الثلوج وتطل على البحر المتوسط الخالد، والأنهار الشاردة التي تشق عباب المدن الصاخبة، والروابي المزدانة بمهرجان من ألوان الفواكه والخضروات الممتدة على أراض خصبة تغذيها مياه الينابيع.

ومع هذا، بات اليوم من الصعوبة بمكان التطابق بين الواقع والأشعار.وعندما يتعلق الأمر بالمياه بشكل خاص، ثمة القليل مما يمكن التغني به. فالأغلبية العظمى ممن يعيشون في لبنان لا يحصلون على المياه إلا لساعات قليلة في اليوم. ويرون أن المياه الشحيحة التي يحصلون عليها من البنية الأساسية العامة رديئة بشكل عام. ومنيستطيع إلى ذلك سبيلا يلجأ إلى شراء المياه المعبأة المكلفة وإلى مياه الصهاريج. وقد تم حفر أكثر من 20 ألف بئر جوفية بشكل غير قانوني فيمنطقة بيروت الكبرى وجبل لبنان، حيث يعيش ويعمل أكثر من نصف سكان لبنان في هذه المنطقة ويتحملون فيضانات الشتاء المدمرة، والمياه الرديئة أو باهظة التكلفة.

وقد ظل اللبنانيون على مدى عقود يصارعون من أجل العثور على السبل الملائمة لإدارة الموارد الطبيعية للمياه. وتعددت المناقشات التي تبحث دور القطاع الخاص في المياه والصرف الصحي، وعدد السدود المطلوبة، وعلاقة الزراعة والأمن الغذائي، وانخفاض تكاليف البنية الأساسية، وقبول العامة بتركيب عدادات للمياه، وقد يكون الأهم هو ما الذي ينبغي عمله أولا.

وقد أثبت التاريخ أن هذه المناقشات بشكل خاص يمكن أن تكون مثمرة، خاصة عندما يتم الاستنارة بمختلف الآراء والأصوات. كما أن سد قرعو ن المدهش، والبنية الأساسية الكهرومائية المرتبطة به، والعديد من قوانين المياه التي تتصدى للقضايا المعقدة الخاصة بنقل المياه بين الأحواض، وإشراك القطاع الخاص، وإضفاء الصبغة المؤسسية على شركات المياه، والاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه التي وضعت مؤخرا وتطورت على مدار سنوات عديدة وأقرها البرلمان في مارس/آذار 2012، ليست سوى أمثلة قليلة للمشاريع اللبنانية الناجحة التي استفادت من الحوار الوطني المكثف.

وعلاوة على ذلك، فإن أهمية التأكيد على سلامة المياه التي يتم توصيلها إلى مختلف أنحاء لبنان تحظى بموافقة الجميع. وقد وضعت مجموعة البنك الدولي سلامة المياه في صدارة جميع مشاريع المياه التي تمولها في لبنان.

شرب المياه من الصنبور: توفير المياه بالمعايير الدولية بالمشاركة مع القطاع الخاص

 في عام 2010، وبعد سلسلة من مواسم الصيف القاحلة، وتزايد الاستياء الشعبي إزاء المياه كما وكيفا، والاحتياج الواضح إلى حل عاجل لسد الفجوة الواسعة على المدى القصير، وافق البنك الدولي على التمويل الجزئي لمشروع إمدادات المياه لبيروت الكبرى. وقد انضم عدد من المؤسسات إلى قوى التطبيق، ومن بينها وزارة الطاقة والمياه(MOEW)، ومجلس الإنماء والإعمار (CDR)، ومؤسسة جبل بيروت للمياه (BMLWE).

 سيقدم المشروع المهم 250 ألف متر مكعب من المياه الإضافية يوميا لمنطقتي بيروت الكبرى وجبل لبنان. وسيستخدم مزيجا من الأنفاق الجوفية، والأنابيب، وخزانات المياه، ومحطة ضخمة لمعالجة المياه هي الأولى من نوعها في لبنان. ستقام محطة الوردانية لمعالجة المياه جنوبي بيروت وستوفر المياه بالمعايير الدولية للجودة بموجب عقد للتصميم والبناء والتشغيل (DBO) تم إبرامه بين مؤسسة جبل بيروت للمياه والقطاع الخاص.

 وتقديرا للالتزام الرائد لمؤسسة جبل لبنان للمياه بتنفيذ حلول مبتكرة لمشاكل المياه المزمنة، دخلت مجموعة البنك الدولي في شراكة مؤخرا مع بنك التنمية الإسلامي لتقديم الدعم الإضافي. وستعمل منحة قيمتها 680 ألف دولار مقدمة لمشروع جبل لبنان على مساعدة مؤسسة جبل لبنان للمياه في جذب القطاع الخاص والاستفادة منه. وستمول المنحة الاستعانة بالقطاع الخاص، وبإحدى شركات تصميم محطات المياه لمراجعة التصميم المقترح لمحطة معالجة المياه، إلى جانب العديد من تقنيات المعالجة المطروحة للدراسة والمساعدة في الإشراف على البناء.

 سلامة السد: الاستعانة بالخبرات الدولية

استشرافا للمستقبل، ستتوقف استدامة قطاع المياه اللبناني على المدى الطويل على الإجراءات المتزامنة لزيادة كميات المياه المتاحة والحد من الكميات المهدرة أو المفقودة.

ولزيادة حجم المياه المخزنة والمتاحة للاستخدام، يمر عدد من السدود المحددة في الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه بمراحل مختلفة من المراجعة والتصميم والتشييد. أكبر هذه السدود هو سد بسري الذي يخزن 120 مليون متر مكعب من المياه للاستخدام في الشرب.

وفي ظل حجم وتعقيد سد بسري المقترح، استعانت الحكومة اللبنانية بمجموعة من الخبراء بشأن سلامة السد لمراجعة تصميمه والتيقن من الأخذ بجميع جوانب الأمان في التصميم والبناء والتشغيل والصيانة في الخطط النهائية. تضم اللجنة خبراء مشهود لهم دوليا في تصميم السدود، والجيولوجيا المائية، والعلوم المائية، وعلوم الزلازل مع خبرة مباشرة في العديد من أكبر سدود العالم وأكثرها تعقيدا.

وقد أبدت الحكومة التزاما واضحا بسلامة واستدامة مشاريع قطاع المياه. وأكدت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لكل من مجموعة البنك الدولي وشركاء آخرين في التنمية أنه سيتم مراعاة أفضل الممارسات في جميع المشاريع. وربما يكون الأهم أن هذه الإجراءات تؤكد أيضا لمستخدمي المياه في مختلف أنحاء لبنان أن احتياجهم لمياه نظيفة ومستمرة وآمنة لم يكن فقط مجرد موضوعا للنقاش بل إنه لاقى أيضا آذانا صاغية.