رأي

مقال رأي: الإنفاق اليوم مع مراعاة الغد القادم

2014/09/10


سري مولياني إندراواتي هي العضو المنتدب ورئيسة العمليات في البنك الدولي. وشغلت سابقاً منصب وزيرة المالية في إندونيسيا. هافينغتون بوست

في يونيو/حزيران، حققت كينيا رقماً قياسيا إفريقياً جديدا.  إذ زاد الاكتتاب في أول طرح للسندات السيادية في البلاد بمبلغ ملياري دولار عن المقرر طرحه أربع مرات. وبعد شهر واحد فقط، حطمت السنغال هذا الرقم القياسي. كما حققت زامبيا وكوت ديفوار نجاحاً مماثلاً فيما أطلق عليه البعض ازدهار السندات الأفريقية.

تتسم أسعار الفائدة في الأسواق التقليدية بالانخفاض ما دفع المستثمرون إلى السعي لشراء أدوات الدين في أفريقيا جنوب الصحراء نظراً لما تتمتع به من عوائد مرتفعة تتراوح في المتوسط ما بين 5.5 و 7.5 في المائة. ولكن ما يجذبهم أيضاً معدلات النمو الواعدة في القارة واستقرارها الاقتصادي وتنامي صادراتها وتزايد الاستثمارات الخاصة.

وهذا كله من الأمور الطيبة.

وللحفاظ على النمو ومكافحة الفقر، فإن أفريقيا تحتاج إلى زيادة الاستثمار، وخاصة لتوليد المزيد من الكهرباء، نظراً لأن 600 مليون أفريقي لا يحصلون على الكهرباء. ويمكن تقليل الفجوة في الاستثمار في البنية التحتية، التي تقدر بحوالي 75 مليار دولار في السنة، وذلك عن طريق الاستدانة ضمن تدابير أخرى.

وهذا هو سبب ما تحظى به أسواق السندات من شعبية كبيرة إضافة إلى الإقراض على المستوى الثنائي. ولنكن واضحين، فإن الاستدانة من الأسواق العالمية وزيادة الإنفاق يمثلان اثنين من الأدوات المعيارية لأي وزير للمالية. ولكن هذا لا ينبغي أن يكون مدعاة للتسابق على إصدار سندات أكثر وأعلى قيمة، وينبغي ألا يؤدي إلى خروج الإنفاق عن السيطرة.

فمنذ وقت ليس ببعيد، استفاد أكثر من 30 بلداً أفريقياً من برنامج دولي ضخم لتخفيض عبء الديون. والآن فإن عددا ضئيلا من البلدان تراكم الديون عليها مرة أخرى، بخطى سريعة، وغالباً بشروط محفوفة بالمخاطر وبمستويات غير قابلة للاستدامة. ويمكن أن تصل ديون هذه البلدان في غضون عشر سنوات الى مستويات ما قبل تخفيض عبء الديون.

ومن الأهمية بمكان معرفة كيفية استخدام هذه الموارد. فقد بدأت بعض البلدان في زيادة الاقتراض والإنفاق وعينها على تحقيق مكاسب طويلة الأجل من خلال معالجة النقص في البنية التحتية وتوزيع مزيج من الحوافز الاقتصادية والاستثمارات في الإمكانات البشرية الهائلة في أفريقيا. ولكن في بعض البلدان الأخرى مازال الإنفاق يتسم بقصر النظر ولا تستخدم سوى القليل من العائدات في مكافحة الفقر.

هناك ثلاثة أمور يتعين على القادة وضعها في الاعتبار إذا كانوا يريدون لإدارة الاقتراض والمالية العامة لديهم أن تؤتي ثمارها:

أولاً، التحلي بالصبر. فمن النادر أن يحقق الحل السريع أفضل النتائج.  ومن ثم، يجب ألا يقعوا في شرك الدوائر السياسية وإغراءات الانتصارات الانتخابية. فالتنمية هي عملية تمرس على التحمل مع تحقيق تحسينات تدريجية. وعندما يتم تحقيقها بشكل جيد، فإنها تستمر على الأرجح، ويستفيد منها جيل اليوم والغد. ولكن التدابير الشعبية مثل رفع رواتب العاملين في جهاز الخدمة المدنية أو دعم الوقود يمكن أن تصبح سريعا غير مستدامة. فدعم الوقود يساعد الأغنياء أكثر من الفقراء، وبعض البلدان الأفريقية تنفق ما يصل إلى 5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي عليهم، تاركة النذر اليسير للاستثمارات الأكثر ذكاء.

ويرتبط بهذا جانب أخلاقي ثان للإنفاق. إذ يجب أن تفعل ما هو أفضل لمعظم الناس لا لعدد قليل منهم فحسب. وامنع النخب والطبقة الوسطى المتنامية، وهم غالباً المستفيد الأكبر من النمو والتنمية، من التحول إلى مجموعة مصالح خاصة تعرقل الإصلاحات. فهم حريصون دائماً على حماية ما يحصلون عليه من امتيازات، وسيكون عليك قضاء بعض الوقت وبذل الجهد لبناء المناخ الذي يشجع على تحقيق مساندة واسعة النطاق من أجل تحقيق إصلاحات صعبة. وإذا انتظرت طويلا، فسوف تزيد المقاومة لمزيد من القدرة التنافسية والأسواق المفتوحة وتحصيل الإيرادات مما يضيع الفرض دون الاستفادة منها.

ثالثاً، تحرك بشكل متعدد الأبعاد. فالاستثمار في محطات جديدة لتوليد الكهرباء دون إصلاح شركة الكهرباء غير الفعالة لن يحقق تغييراً يذكر. وبالمثل، فإن بناء المدارس دون تحسين جودة التعليم يمكن أن يكون نوعاً من إهدار الموارد. وبعبارة أخرى، توجه نحو "حزمة" التنمية، وهي النهج واسع النطاق. فالبنية التحتية وحدها لن تنهي الفقر. والبنك الدولي كان عليه أن يتعلم هذا الدرس أيضأ.  ففي حين كنا نعتقد كثيرا في الانشاءات في أيامنا الأولى، ندرك الآن أن الجمع بين التمويل والخبرة الفنية والمعرفة المجربة يحقق ما هو أكثر بكثير.

ونركز مع عملائنا الآن على إيجاد حلول للاستثمارات التي تعود بالنفع على بلدان متعددة في قطاعات متعددة. وقبل بضعة أشهر فقط، قمنا بتجميع ما لدينا من مصادر تمويل وموارد تمويلية خاصة قدمنا لها ضمانات استثمار لمساعدة موريتانيا على تنمية مكامن الغاز البحرية. وسيتم تحويل الغاز إلى طاقة كهربائية سيتم بيع جزء منها إلى السنغال ومالي، مما يوفر لهذه البلدان مصادر أرخص وأنظف للطاقة الكهربائية. والملايين من الناس سيستفيدون من ذلك.

إن التوقعات جيدة. وأفريقيا لديها مؤسسات أفضل اليوم من أي وقت مضى، وهي أكثر تحملاً للصدمات، وتسترشد في كثير من الأماكن بسياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية الحصيفة. فقبل 25 عاماً، كان 60 في المائة من الأفارقة شديدي الفقر. أما الآن فقد انخفضت النسبة إلى 48 في المائة فقط. ولكن هذا الانخفاض كان أبطأ وتيرة مما كانت عليه في مناطق أخرى، ويتزايد عدم المساواة في العديد من البلدان.

ولهذا السبب يحتاج القادة إلى تمويل المرحلة المقبلة من التنمية في بلدانهم. ويمكنهم عمل ذلك دون تعريض مكاسب التنمية التي تم تحقيقها بشق الأنفس للخطر. ولكن الانضباط المالي مازال يمثل أمراً في غاية الأهمية لضمان نمو طويل الأجل وتمويل سياسات ناجحة لصالح الفقراء. فهو الفضيلة التي يمكن أن تساعد على حماية نجاحات اليوم من أجل الجيل القادم. فإذا أنفقت أفريقيا بذكاء وصممت حزمة التنمية على النحو الصحيح، يمكنها مواصلة السير في مسارها نحو النجاح.