رأي

ما الذي يمكن أن نتعلمه من نهج أفريقيا بشأن التشريد القسري؟

2016/06/08


مختار ديوب، نائب الرئيس لمنطقة أفريقيا، البنك الدولي المنتدى الاقتصادي العالمي

بينما تتجه أنظار العالم إلى أزمة اللاجئين المفجعة الناتجة عن الصراع في الشرق الأوسط، يكافح عدد من البلدان الأفريقية لمجابهة تحديات استضافة لاجئين لمدى طويل- وكينيا أحد تلك البلدان. إن محنة هؤلاء اللاجئين والأشخاص المشردين داخليا في أفريقيا- المشردون داخل بلدانهم- لم يعد بالإمكان تجاهلها.

والواقع أن الغالبية العظمى من تحركات اللاجئين الأفارقة تحدث داخل أفريقيا، ويقع عبء رعاية هؤلاء اللاجئين على البلدان المجاورة. فما الذي تتكلفه كينيا لرعاية اللاجئين في 2016؟ نحو 230 مليون دولار، طبقا لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. غير أن الوقت ومرة أخرى تلك النداءات من أجل المساعدات الإنسانية للأشخاص المشردين في أفريقيا تفتقر جميعها للتمويل. وقد حان الوقت للتفكير في كيفية تمويل هذا العمل بطريقة مختلفة.

إن الأرقام حقا هائلة: من بين إجمالي الأفراد المشردين في أفريقيا البالغ 18 مليون شخص، فإن 12.5 مليون منهم من المشردين داخليا الذين يعيشون في بلدانهم. إن المشردين داخليا واللاجئين يتشاركون معا في شيء: المعاناة والتكاليف من جراء إجبارهم على النزوح من بيوتهم. وغالبيتهم من الأطفال والشباب تحت سن 18 سنة، وهم يعانون الضياع والنزوح الذي سيؤثر على حياتهم مستقبلا. إن بعض المخيمات في أفريقيا يرجع وجودها إلى أربعين سنة مضت. والأطفال الذين ولدوا في هذه المخيمات ليس لديهم ما يطلقون عليه بيت؛ وفي دورة حياة هذه المخيمات، أصبح هؤلاء الأطفال آباء. لقد كبرت الأجيال المتعاقبة وهي بمنأى عن وصول جهود التنمية الأساسية. ودعونا لا ننسى المجتمعات المضيفة التي كانت غاية في الكرم في السماح للاجئين للعيش في بلداتهم وقراهم. وهذا يؤدي بنا إلى التوقف وإمعان التفكير.

إن ما يحركنا هو مخزون صور الملايين من الناس المكدسين في المخيمات أو في المستوطنات المؤقتة الأخرى. غير أنه في ظل المدة المطولة لمعظم حالات التشرد، حان الوقت للاعتراف بأننا - حكومات ومانحين ومجتمعا مدنيا وقطاعا خاصا- يتعين علينا التحول من الاستجابات الإنسانية الصارمة ووضع حلول تنموية جماعية طويلة المدى، إلى تعزيز الاعتماد على الذات، ودمج اللاجئين، وتقليل الاعتماد على المعونات، وتمكين ومساندة البلدان والمجتمعات المضيفة.  


Image

نساء في مخيم مابوكو للمشردين في بانجوي، جمهورية أفريقيا الوسطى، وهي موطن لنحو 20 ألف مشرد داخليا.

© ستيفان جلاديو/ البنك الدولي

أمام العالم الكثير ليتعلمه من أفريقيا. وها هي بعض أسباب ذلك:

أولا، حققت أفريقيا تقدما أكثر من أي قارة أخرى في وضع بعض أكثر الأطر القانونية تقدما بشأن التشريد القسري. وتعد " اتفاقية الاتحاد الأفريقي لحماية ومساعدة الأشخاص المشردين داخليا في أفريقيا" (المعروفة أكثر باتفاقية كمبالا) ، التي دخلت حيز النفاذ في 2012، علامة فارقة لحقوق الإنسان. وحتى اليوم، وقعت 25 دولة على الاتفاقية التي تقيد الحكومات من الناحية القانونية لحماية رفاهة المشردين داخليا.

ثانيا، على المستوى القطري، لاحظت حكومات مختارة أن الطريقة الأكثر فاعلية للتعامل مع اللاجئين هي السماح لهم بالمشاركة في الاقتصاد المحلي. فتنزانيا على سبيل المثال منحت الجنسية لمائتي ألف لاجئ، وأعطتهم حق الحصول على الأراضي وسمحت لهم بالمشاركة في الحياة السياسية. وكذلك فعلت زامبيا، حيث منحت الحكومة حق الإقامة والحصول على الأراضي والإدماج الاجتماعي الاقتصادي للاجئين الذين قضوا أمدا طويلا سابقا.

في أوغندا، التي تستضيف ثالث أكبر عدد من اللاجئين في أفريقيا، يُعطى اللاجئون قطعا صغيرة من الأراضي في القرى وبذلك يتم دمجهم داخل المجتمع المضيف. ويكون لهم الحق في العمل وإقامة شركاتهم الخاصة، وهو نهج أشادت به الأمم المتحدة باعتباره "نهجا رائدا يعزز التماسك الاجتماعي".

ثالثا، على المستوى الإقليمي، تبدأ البلدان الأفريقية في التعاون ومشاركة نُهجها الخاصة لتحسين الأحوال المعيشية للاجئين. والسبب بسيط: بمجرد أن يعبر اللاجئون الحدود، يصبح الأمر قضية إقليمية. في الأسبوع المقبل، سيجتمع ممثلو حكومات ست من دول البحيرات العظمى (بوروندي، وتنزانيا، ورواندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأوغندا، وزامبيا) لبحث سبل زيادة التعاون الإقليمي دعما لحلول مواجهة التشريد القسري. وهذا الاجتماع، الذي يستضيفه البنك الدولي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومبعوث الأمم المتحدة الخاص للبحيرات العظمى، يسجل المرة الأولى التي تجتمع فيها هذه البلدان معا لمناقشة القضية واقتراح نُهج إقليمية.

ما الدرس الذي تقدمه لنا؟ بالنسبة لشركاء التنمية أو هيئات الإغاثة الإنسانية، فإن الاعتراف بالحاجة للتركيز على المجتمعات المضيفة، التي غالبا ما تقع في المناطق الفقيرة والمهمشة، قد يكون هو الطريق للمضي قدما. وتشكل استضافة اللاجئين أو المشردين داخليا ضغوطا إضافية على الموازنات العامة والهياكل الاجتماعية للبلدان المستقبلة. وسيكون تمكين الحكومات المحلية بالسماح لها بالتوسع في تقديم الخدمات للمستوطنات وكذلك للمجتمعات المضيفة أمرا أساسيا. وسيزيد التوسع في مشاركة الفوائد من التسامح تجاه الجيران الجدد. وستعطي إتاحة الفرص لصناعة القرار المشتركة عبر نهج التنمية التي يقودها المجتمع صوتا لمن لا صوت لهم، وفي الوقت نفسه ستعزز التماسك الاجتماعي بين المجتمعات المضيفة والمشردين.

وللمساعدة في مواجهة هذا التحدي، يرتبط البنك الدولي بمبلغ 250 مليون دولار هذه السنة المالية لتوفير المساندة للمجتمعات التي تستضيف المشردين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وجيبوتي، وأوغندا، وزامبيا. وفي المقاطعات الشرقية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، دُمرت منطقة بفعل سنوات الصراع، وسيحسن خلق فرص لكسب العيش قصيرة وطويلة الأمد للسكان المشردين وللمجتمعات المضيفة لهم- في كل من منطقتي التهجير وإعادة التوطين- العقد الاجتماعي بين الحكومة والمواطنين ويساعد على تدعيم عملية السلام. في الشمال الشرقي لنيجيريا، التي تستضيف 1.8 مليون مشرد داخليا نتيجة تمرد جماعة بوكو حرام، فإن البنك يرتبط بنصف مليار دولار لتحسين حصول المشردين داخليا والمجتمعات المضيفة على الرعاية الصحية والتعليم وسبل كسب العيش، وللمساعدة على دعم إعادة التوطين الآمنة والطوعية لهم.

 ومن المهم الاعتراف بأن أزمة اللاجئين جاءت لتبقى. ففي مختلف أنحاء العالم، يخاطر آلاف البشر بأرواحهم كل يوم في محاولة يائسة للفرار من الصراع والعنف- ومئات يقضون نحبهم أثناء سعيهم اليائس من أجل حياة أفضل. من المحتم أن يطبق نهج تنموي للتشرد لضمان أن المشردين، ومن بينهم الشباب، بمقدورهم قيادة حياة منتجة خارج المخيمات. لقد حان الوقت للتفكير خارج الأطر التقليدية. وبمقدور تجربة أفريقيا في معالجة هذا التحدي المساعدة في توجيه صياغة النهج العالمية.

هذا المقال نشر للمرة الأولى على الموقع الإلكتروني  للمنتدى الاقتصادي العالمي.


الاتصال بمسؤولي الإعلام
في واشنطن
آن سينجيس
الهاتف : 0594-473-202 1+
asenges@worldbank.org