خطب ونصوص

إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتصاديات التنمية

2010/09/29


روبرت ب. زوليك, رئيس مجموعة البنك الدولي جامعة جورج تاون

بالصيغة المعدة للإلقاء

أولاً: مقدمة: من الغطرسة إلى التواضع

لجورج برنارد شو كلمة شهيرة هي: "لو أن جميع الخبراء الاقتصاديين في العالم اجتمعوا معاً، فلن يتوصلوا إلى استنتاج واحد."

لعل من حقنا أن نتساءل عند النظر إلى الأسباب التي أفضت إلى أسوأ أزمة اقتصادية في العالم منذ الكساد العظيم والمسار الذي سلكته: هل كان من الخطأ وجود عدد قليل للغاية من البحوث والاستنتاجات الدالة على إمكانية حدوث هذه الأزمة؟ أو هل تعاظمت لدينا درجة اليقين؟

سأحاول اليوم، في هذه الكلمة، أن أقنعكم بضرورة أن يقوم علم الاقتصاد، وخاصة اقتصاديات التنمية، بتوسيع نطاق الأسئلة التي يطرحها ـ بحيث يصبح أكثر صلة وارتباطاً بالتحديات الراهنة، إذ يتعين عليه أن يمد يد المساعدة لواضعي السياسات الذين يواجهون تحديات متعددة ومعقدة.

ولابد أن يستفيد علم الاقتصاد من تركيزه في الآونة الأخيرة على الشواهد التجريبية، وهو أمر كان موضع ترحيب، وألا يشغل نفسه ببساطة بتعقب البيانات في كل مكان.

من الضروري أن يتواصل علم الاقتصاد مع العلوم والمجالات الأخرى كي يستوعب بشكل أفضل خبرات وتجارب الاقتصادات الصاعدة الناجحة، على ألا يكون ذلك من خلال القوالب والمخططات المُسبقة أو الوصفات الجاهزة، ولكن من خلال الاستدلال وطرح الأسئلة والتعاون والانفتاح.

ثانياً. هل نحن مهيئون لمواجهة القضايا الملحة الراهنة؟

لقد أسهم علم الاقتصاد إسهاماً كبيراً في كيفية فهمنا للعالم الذي نعيش فيه. لكنه ليس دائماً على صواب. إذ يمكنه، في واقع الأمر، أن يحيد عن جادة الصواب وأن يخلص إلى نتائج خاطئة بشكل كبير، كما شاهدنا في الأزمة الأخيرة عندما أفضت أفكار سيئة إلى نتائج سيئة مازلنا جميعاً ندفع ثمنها.

لقد مُنحت جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية للكثير من الاقتصاديين البارزين، لكنها تُمنح أيضاً لاقتصاديين يستند حبهم للنماذج الرياضية إلى افتراضات نبيلة وغير واقعية حول الجنس البشري. وقد ذهب أحد العلماء الفيزيائيين البارزين يوماً إلى القول بأن جائزة نوبل في الفيزياء تُمنح تقديراً للتوصل إلى نتائج صحيحة، في حين أنها كثيراً ما تُمنح في علم الاقتصاد تقديراً للتوصل إلى نتائج براقة.

وقد ادعت النظرية الحديثة لإدارة المحافظ الاستثمارية، التي تقوم على هذه النماذج، أنها تتقن التعامل مع حالة عدم اليقين والجوانب المجهولة التي تحيط بعالمنا. لكن هذا الشعور المتغطرس تحول إلى تواضع جم عند اندلاع أزمة القروض العقارية عالية المخاطر عام 2007 والتي أدت بدورها إلى اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. ونذكر هنا أن أحد بنوك الاستثمار تعرض لعدة أيام متتالية لخسائر كان من رابع المستحيلات، وفقاً لنموذج المخاطر الخاص به، أن تقع.

ووجد علم الاقتصاد، بوصفه فرعاً من فروع المعرفة يشتهر بصعود النظريات وتراجعها شأنه في ذلك شأن الإمبراطوريات، في أحوال كثيرة متعة في الثقة المؤكدة التي تتسم بها العلوم الاجتماعية، مع صقل تطلعاته العلمية في الوقت نفسه. إلا أننا شهدنا مؤخراً زيادة ملحوظة في التفاعل مع علم النفس والتاريخ -- وهو تطور يحظى بالترحيب.

لقد أضافت اقتصاديات التنمية، وهي مجال متخصص يدرس كيفية تعزيز عملية التنمية، لعلم الاقتصاد جرعة مؤثرة من نظرياتها وأساليبها. وقد أسهم البنك الدولي، باعتباره إحدى المؤسسات الرائدة في هذا الشأن، في تحديد شكل هذه النظريات والأساليب.

ففي خمسينيات القرن العشرين، خلال السنوات الأولى لعمل البنك الدولي التي ركز فيها على مشاريع الإنشاء والتعمير، اقتصر النطاق الضيق نسبياً لصلاحيات إدارة الاقتصاد على إجراء دراسات جدوى مالية للمشاريع المقترحة. لكن مديرها المساعد، بول روزنشتين رودان، سعى إلى وضع تصور نظري للتحدي الإنمائي من خلال نظرية "الدفعة القوية". ووفقاً لهذه النظرية، فإن عملية التنمية اعتمدت على التوسع المتزامن للقطاعات الداخلية التي ولدت الطلب على نواتج كل منها. ولم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى بدأت بعض اقتصادات شرق آسيا في الصعود السريع على أساس نموذج "أضيق" للنمو الذي يقوده التصدير.

وكان ذلك أيضاً العصر الذي افترض فيه الخبراء الاقتصاديون في مجال التنمية أن البلدان النامية "ستنطلق" إلى الأمام بمجرد حصولها على رأس المال حتى يمكنها الجمع بينه وبين الأيدي العاملة العاطلة عن العمل. ويبدو أن الاتحاد السوفيتي قد وجد حلاً لهذه الإشكالية من خلال فرض أسلوب "الادخار الإجباري"؛ ورأى البعض أن في مقدور العالم الثالث أن يسد "فجوة الادخار" من خلال المعونات الأجنبية.

وفي ستينيات القرن العشرين، وسع البنك الدولي نطاق بحوثه من حيث أعدادها ومجالاتها، وسعى في السبعينيات إلى تحسين فهمه لأسباب الفقر، وأخذ في البحث عن خيارات في مجال السياسات العامة من أجل القضاء على الفقر، مع التركيز بصفة خاصة على المناطق الريفية. وأصبح، على حد قول أحد المؤرخين، أشبه بوكالة إنمائية وليس بنكاً.

وفي عام 1972، أصبح هوليس تشينري أول من تولى منصب كبير الخبراء الاقتصاديين بالبنك، وتأثر بعض الشيء بسيمون كوزنيتس -- الذي فاز بجائزة نوبل عام 1971 تقديراً له على تأسيسه نظرية التفسير التجريبي للنمو والتنمية. وأطلق تشينري أول برنامج للبحوث الكمية للبيانات في البنك الدولي.

وفي الثمانينيات، انتقل محور تركيز البحوث باتجاه حوافز السوق، والتحديد الصحيح للأسعار، والطاقة، والتصحيح الهيكلي للاقتصاد الكلي.

وظهر محورا المساواة بين الجنسين والبيئة في أجندة بحوث البنك في أواخر الثمانينيات. وبعد عام 1989، أصبح إصلاح الاقتصادات الاشتراكية وظهور مرض الإيدز ضمن مجالات التركيز الخاصة للبنك، فضلاً عن الجهود الأولى المبذولة لفهم "معجزة شرق آسيا". ثم ظهرت خلال التسعينيات قضايا الفقر وعدم المساواة والفساد من جديد باعتبارها موضوعات بحثية.

وفي العقد الأول من الألفية الحالية، حظيت الاقتصادات الصاعدة، وخاصة الصين والهند وتأثيرهما على الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى الدور الذي لعبه إقراض قطاعي البنية التحتية والزراعة -- بعد سنوات من الإهمال، بأولوية متقدمة على أجندة بحوث البنك. ويصدق الأمر نفسه على المشاكل المتعلقة بالدول الهشة التي يجعلها ضعف مؤسساتها عرضة للسقوط في براثن الصراعات، ويثير تحديات خاصة أمام عملية التنمية.

لقد كانت هذه الإسهامات مثيرة للإعجاب -- ولكم أنا معجب بالمساعي الرامية لبلورة أفكار شاملة بشأن التنمية رغم أن هذه الأفكار غالباً ما تتهاوى تحت وطأة ضربات الواقع.

لكن، أليس من حقنا أن نتساءل: إلى أين أوصلتنا اقتصاديات التنمية؟ وهل هي مفيدة لنا؟

وحتى قبل نشوب الأزمة، كان هناك نقاش محتدم حول النماذج السائدة وشعور بضرورة إعادة النظر في اقتصاديات التنمية. وما كان من الأزمة الراهنة إلا أن جعلت ذلك أكثر ضرورة وإلحاحاً.

وقد تحقق قدر كبير من التقدم على مدى العقود العديدة الماضية: في مجالات الصحة والتعليم ومكافحة الفقر. حيث هبطت نسبة من يعيشون في فقر مدقع في البلدان النامية بأكثر من النصف في ربع القرن الأخير منذ عام 1980؛ وانخفضت معدلات وفيات الأطفال على مستوى العالم بواقع النصف تقريباً.

لكن هذا النجاح كان متبايناً؛ وتملك الإحباط البلدان بسبب نقص التقدم المحرز على صعيد القضاء على الفقر، وبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية، التي تُعتبر معياراً جيداً لقياس التقدم المحرز. وكان معظم الانخفاض في معدلات الفقر في مناطق شرق وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية. وبينما يمضى العالم قدماً نحو تحقيق الهدف الإنمائي للألفية المتعلق بتخفيض أعداد الذين يعيشون في فقر مدقع بواقع النصف بحلول عام 2015، فإن التقدم المحرز في أفريقيا جنوب الصحراء مازال متأخراً عن الركب رغم المكاسب الملحوظة التي تحققت مؤخراً. وكان التقدم المحرز أكثر تبايناً فيما بين البلدان: إذ لم يحقق سوى 45 بلداً من بين 87 بلداً تتوافر عنها بيانات في الوقت الراهن الهدف المتعلق بالفقر أو هي سائرة على الطريق الصحيح لتحقيقه.

وأبرزت الأزمة العالمية تغيرات أخرى لها آثار ومدلولات أوسع نطاقاً.

فرغم مضى البلدان قدماً نحو التعافي والخروج من آثار الأزمة الاقتصادية، يتساءل الكثيرون حالياً عما يرون أنه يشكل "شَرَك البلدان متوسطة الدخل"، وهو الخوف من أن تتباطأ معدلات النمو بعد الزيادات الأولية التي شهدتها، وأن يستغرق الأمر سنوات طوال، وتعرضها لانتكاسات مؤلمة، قبل أن تنضم إلى مصاف البلدان مرتفعة الدخل.

وقد أثار نجاح الصين وغيرها من البلدان تساؤلات حول دور الدولة في الاقتصاد. فما هي الأدوار الفعالة والملائمة التي تضطلع بها الحكومة؟ هل هو دور المساعد؟ أم دور الحَكَم في إطار قواعد منصفة وواضحة؟ أم دور المُمكن؟ أم المستثمر؟ أم المالك؟ أم دور الميسر للأطراف الرابحة؟

إن منافع العولمة والإصلاحات لم تصل بعد إلى العديد من الفقراء. ويرى كثيرون أن وصفات السياسات الاقتصادية التي تمخض عنها توافق آراء واشنطن غير كاملة ولا تولي القضايا المؤسسية أو البيئية أو الاجتماعية الاهتمام الكافي، أو أنها تفتقر ببساطة إلى أية فلسفة توجيهية.

ويبشر آخرون بأن السياسات "التقليدية" من شأنها مساعدة البلدان النامية على الخروج من الأزمة العالمية، وأشاروا في الوقت نفسه إلى أن انحراف بعض البلدان المتقدمة بعيداً عن الدروس التقليدية في مجالي التمويل وإعداد الموازنات قد عرضها لمخاطر بالغة.

ثالثاً. عالم جديد متعدد الأقطاب يتطلب معرفة متعددة الأقطاب.

إذا تجاوزنا هذه التحديات إلى الافتراضات القديمة، ثمة مجموعة أكثر تعقيداً من التغييرات آخذة في الحدوث حالياً.

ومع تغير القواعد الاقتصادية الراسخة، يجب أن تتغير النماذج الاقتصادية هي الأخرى.

فالاقتصادات الصاعدة تشكل الآن متغيرات أساسية في معادلة النمو العالمية. وأصبح العالم النامي قوة محركة للاقتصاد العالمي. ويرجع جانب كبير من انتعاش التجارة العالمية إلى قوة الطلب على الواردات من جانب البلدان النامية. وتمثل البلدان النامية حالياً، بقيادة الأسواق الصاعدة، نصف النمو العالمي، وهي تقود التعافي في حركة التجارة العالمية.

ونرى الآن اتجاهاً مماثلاً في واقع التنمية العالمية، مع تبؤ البلدان النامية أدواراً مهمة بجانب شركاء التنمية التقليديين. ويسهم هؤلاء الشركاء الجدد ليس فقط في تقديم المعونات، ولكن الأهم من ذلك أنهم أصبحوا شركاء تجاريين رئيسيين ومصادر أساسية للاستثمار والمعرفة. ولخبراتهم وتجاربهم أهمية كبيرة.

بيد أن التوصيات والتوجيهات كانت تتدفق لمدة طويلة باتجاه واحد. ويتطلب الاقتصاد الجديد متعدد الأقطاب معرفة متعددة الأقطاب.

ومع نهاية مفهوم "العالم الثالث" الذي عفا عليه الزمن، يجب على العالم الأول أن يفتح أبوابه أمام المنافسة في الأفكار والخبرات.

إن تدفق المعرفة لم يعد مقتصراً على الانتقال من الشمال إلى الجنوب، أو من الغرب إلى الشرق، أو من الأغنياء إلى الفقراء فحسب.

فالاقتصادات الصاعدة تجلب معها نهجاً وحلولاً جديدة. ونرى ذلك واقعاً ملموساً بأم أعيننا عندما تقوم الهند بإسداء المشورة لأفريقيا بشأن صناعة الألبان؛ وعندما تستقي الصين من أفريقيا دروساً مستفادة حول نهج التنمية الفعالة المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية في غانا ونيجيريا؛ وعندما تتعلم الولايات المتحدة من تجارب الصين في مجال السكك الحديدية عالية السرعة؛ وعندما يأتي كبير الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي، لأول مرة في تاريخه على امتداد 66 عاماً، من أحد البلدان النامية: جوستين يوفي لين – خريج جامعة بكين وجامعة شيكاغو.

إن محاضرات مارشال المتعمقة التي ألقاها جوستين في جامعة كامبرج عام 2007، والتي يتناول فيها بالبحث أسباب عدم تطور العديد من البلدان، لتجسد هذا النفوذ الجديد للأفكار الذي يقوم على تجارب أكثر تنوعاً.

إن الأمر لم يعد يتعلق بتوافق آراء واشنطن. إذ من غير الممكن بناء توافق في الآراء حول الاقتصاد السياسي من مدينة واحدة وتطبيقه على الجميع. فالأمر يتعلق بالخبرات والتجارب ذات الصلة بالتدابير الفعالة ـ في كل من نيودلهي وساو باولو وبكين والقاهرة وأكرا. وقد يُولد توافق الآراء من رحم الخبرات والتجارب. لكنه لن يحيا طويلاً إلا إذا كان ضارباً بجذوره في أرض الواقع -- ويمثل شرائح عريضة من بلدان العالم.

رابعاً: هل ضلت اقتصاديات التنمية طريقها؟

هل تعالج اقتصاديات التنمية اليوم المشاكل الأكثر أهمية التي تواجه البلدان النامية أم أنها ضلت الطريق؟

لتسمحوا لي أن أتحدث بصراحة؟ أنا لست خبيراً اقتصادياً. ولعلكم تقولون إن ذلك يكفي.
لماذا التدخل إذاً؟

أو لماذا نفتح على أنفسنا أبواب الجحيم؟

لسبب بسيط وهو أن واضعي السياسات يتطلعون إلى علم الاقتصاد طلباً لحل مشاكلهم، ويتطلع واضعو السياسات في البلدان النامية إلى اقتصاديات التنمية أكثر من ذلك. إنه على درجة كبيرة من الأهمية.

لقد حصلت أول الأمر على دورة في اقتصاديات التنمية عام 1973، وهو عام شهد اضطرابات اقتصادية بسبب الحظر النفطي الذي فرضته الدول العربية، وبعد وقت قصير من تهاوي نظام بريتون وودز لأسعار الصرف. وربما كان انجذابي إلى دراسة هذا المجال، مثل بعض منكم، بسبب أهميته لمن يرغب في دراسة العلاقات الدولية، وكيفية نمو الاقتصادات، والسياسة العامة. وعلى كل حال، وكما يرى البعض، فإن الخبراء الاقتصاديين الكلاسيكيين من القرن السابع عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر كتبوا أيضاً عن التنمية، ولو أن علماء الاقتصاد هم الذين أصَّلُوا لهذا الفرع من المعرفة بعد ذلك بكثير.

منذ تلك البداية، كانت السياسة العامة هي موضع اهتمامي الرئيسي. وبالنسبة لي، فقد تطور هذا الاهتمام كمزيج من العلوم المختلفة، منها: التاريخ وعلم الاقتصاد وتاريخ الاقتصاد والتمويل والقانون والسياسات العامة والحكومات وعلم النفس. وقد رسخت تجاربي وخبراتي لديّ مدى تعقد عالمنا. وأتاح لي الواقع العملي قدراً من الشك المهني بشأن سلامة بعض التصاميم الكبرى وبعض التحفظ بشأن الهندسة الاجتماعية. ولاحظت بقلق عندما تحول علم الاقتصاد بعيداً عن الاقتصاد السياسي إلى النظريات "الخالصة".

أحترم كثيراً الدراسة والعلم، ولكم أستمتع بالتعلم عن البحوث، وقد استفدت من حفز العلاقات التفاعلية مع الأوساط الأكاديمية على مرّ السنين.

لقد جعلني علم الاقتصاد نهماً لمعرفة المزيد من النتائج العملية للبحوث وعملية التعلم. ولا شك أن الكثيرين منكم في هذه الجامعة العريقة يشاركونني هذا النهم.

ولذا، لعل بالإمكان السماح لشخص غير متخصص أن يطرح بعض الأسئلة البحثية نيابة عن واضعي السياسات.

وهل هناك مكان أفضل من هنا، في جامعة جورج تاون، يمكن المزج فيه بين البحوث الأكاديمية والسياسة العامة؟

ولتسمحوا لي أن اطرح عليكم سؤالاً: هل انتقلنا من حالة من اليقين الزائف إلى أخرى؟

هل أدت خيبة أملنا في النظريات الكبرى للتنمية إلى ردود أفعال مبالغ فيها، ومن ثم عودتنا إلى مرحلة وضع النظريات وعمليات التنمية الصغيرة؟

على مدى السنوات العشر الأخيرة، نما اعتقاد بأنه لا توجد وصفة جاهزة بسيطة من أجل التنمية، وكان هناك تحول نحو بحوث التنمية التي يغلب عليها الطابع التجريبي والعملي. وكان هذا التطور الإيجابي موضع ترحيب. فقبل ثلاثين عاماً، أوصى دنغ زياوبنغ، وهو أحد خبراء اقتصاديات التنمية، "بتحرير العقل حتى يمكن استخلاص الحقيقة من الوقائع." وقبل مائتي عام، كتب الفيلسوف البريطاني دفيد هيوم، "الحكيم هو من يبني إيمانه على البرهان."

لكن هل المجموعة المثيرة للإعجاب من البيانات والأدوات التحليلية المتاحة حالياً ترتبط بشكل كاف بالتساؤلات الأكثر إلحاحا التي تواجه الزعماء والمستشارين والمستثمرين في البلدان النامية؟

أم أنها أشبه بخريطة للعالم يتم استيفاء بياناتها من خلال دراسة متأنية لقرى تم اختيار كل منها على حدة بطريقة غير عشوائية؟

وفي حالات كثيرة، تُعتبر النتائج الإيجابية للبحوث بالنسبة لواضعي السياسات نواتج عرضية للبحوث وليست هدفاً لها منذ البداية.

ويبدو أن الخبراء العاملين في مجال البحوث الاقتصادية لا يبدأون في أحوال كثيرة بالتعامل مع الفجوات الأساسية في المعارف التي تواجه العاملين في مجال التنمية، ولكنهم يبحثون بدلاً من ذلك عن الأسئلة التي يمكنهم الإجابة عنها باستخدام الأدوات التي يفضلونها حالياً في هذا المجال.

وتُعتبر التساؤلات الكبيرة التي تواجه واضعي السياسات بالغة التعقيد. لكن، هل البحوث التي نجريها اليوم مركزة تركيزاً ضيقاً -- وتتصف بضعف صلاحيتها الخارجية وإمكانية التوسع فيها -- بحيث لا يمكنها توفير الرؤى والأفكار الثاقبة التي يحتاج إليها واضعو السياسات؟

أعتقد أننا بحاجة إلى نهج أكثر عملية ـ نهج راسخ في معالجة الفجوات الأساسية في المعارف من أجل إثراء سياسات التنمية.

نهج موجه نحو تلبية احتياجات واضعي السياسات والممارسين -- باعتباره محور تركيز رئيسي، وليس أفكاراً أكاديمية لاحقة.

نهج منفتح أمام جميع من يملكون الخبرات والتجارب العملية.

خامساً. إعادة بحث البديهيات والمسلمات القديمة

علينا أن نسأل أنفسنا: هل أصبحنا أسرى لما لدينا من حكمة متعارف عليها؟ وهل أخفى اليقين الفرص عنا؟

أظهرت سجلات التنمية عدم صلاحية الاستعانة بنموذج واحد لكافة الأوضاع. لقد قطعنا شوطاً طويلاً من ذلك الشعور المتغطرس الذي استولى علينا خلال الستينيات في علم الاقتصاد، والذي كان معتمدة بشدة على النظرية الكنزية وعملية تخصيص رأس المال، أو على الاعتقاد بإمكانية القضاء على الفقر من خلال المدن النموذجية والهندسة الاجتماعية، التي توجزها بعناية خطة صاغها خبراء اقتصاديون في العالم المتقدم.

إن حقيقة أن هذه الأفكار فقدت مصداقيتها تشكل اليوم في حد ذاتها تقدماً كبيراً. لكن لا يمكننا التوقف عند هذا الحد. علينا أن نخطو بفكرة عدم وجود نموذج واحد لكافة الأوضاع خطوة إلى الأمام.

نعم، إن هناك بعض المبادئ الأساسية التي علينا اتباعها: الإيمان بحقوق الملكية؛ وإنفاذ العقود؛ واستخدام الأسواق؛ وتصحيح أنظمة الحوافز؛ ومنافع المنافسة داخل الاقتصادات وفيما بينها؛ وأهمية التعليم؛ واستقرار الاقتصاد الكلي -- لكن قد نتعلم ذلك بصورة أفضل من تاريخ الاقتصاد عنه من النماذج الاقتصادية.

وكما أبرزت تقارير "ممارسة أنشطة الأعمال" الصادرة عن مجموعة البنك الدولي، يمكن لمنشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة أن تزدهر إذا توافرت بيئة ملائمة تشجع روح تنظيم العمل الحر، بدلاً من وضع عقبات أو قيود أمامها.

وإذا ما تجاوزنا المبادئ الأساسية، فإن التجارب والخبرات تشير إلى أننا قد يلزم النظر في اعتماد نهج متمايزة بشأن السياسات.

ويمكن أن تتباين السياسات السليمة باختلاف مراحل عملية التنمية ـ ونذكر هنا على سبيل المثال سياسة الاعتماد على النمو الذي تقوده الصادرات مقابل سياسة الطلب المحلي، أو الاعتماد على نماذج مختلفة للابتكار تبعاً للإمكانات التكنولوجية المتوفرة لدى الشركات.

ولعل السياسات السليمة تختلف حالياً عن تلك المتبعة خلال فترة السبعينيات في ضوء التغييرات التي تمخضت عنها ثورة الإنترنت، والأهمية المتزايدة لسلاسل التوريد في المعاملات الدولية."

وقد تختلف السياسات السليمة الخاصة بالنظم والقواعد المالية باختلاف مراحل عملية التنمية ـ فالنظم والقواعد التي توفر الحماية في أوضاع معينة قد تؤدي إلى التعثر في أوضاع أخرى .

علينا في المقام الأول أن نتحلى بالصدق والأمانة حول ما لا نعرفه. فالفجوات المعرفية هي التي تعيقنا.

سادساً. ماذا يتعين علينا الآن أن نعرفه

بروح الاستقصاء والتحري وبالبناء على استعراض داخلي لبرامجنا الإنمائية، اسمحوا لي أن أطرح أربع مجموعات من الإشكاليات الجديرة بأن توجه إليها البحوث قدراً أكبر من الاهتمام في المستقبل. وهذا الطرح لا يشكل قائمة شاملة -- إذ سيدلي الآخرون بدلوهم في هذا النقاش -- لكن دعوني أبدأ هنا.

تأمين عملية التحول

أولاً، يجب علينا تحسين فهم كيفية حدوث عملية التحول الاقتصادي. لماذا استطاعت بعض البلدان تحقيق معدلات نمو مستدامة في حين مازالت هناك بلدان أخرى، فيما يبدو، تعاني من الفقر المدقع؟

حددت لجنة النمو، التي يقودها العالم والخبير الممارس مايكل سبنس، 13 اقتصاداً استطاع الحفاظ على تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع على مدى 25 عاماً. فلماذا لم ينجح سوى القليل؟

كيف يمكن للبلدان تحويل اقتصاداتها حتى تتمكن من القضاء على الفقر وخلق فرص العمل وتشجيع الاستثمارات المحلية والخارجية على حد سواء -- ومن ثم ومع مرور الوقت رفع مستوى الأجور ومستويات المعيشة، وزيادة الفرص المتاحة، وتشجيع الابتكار والإبداع، وحماية الشرائح المعرضة للمعاناة، والتكيف مع الصدمات الناجمة عن الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية؟

تتعاون البلدان في اقتصاد عالمي، وعليه فإن أنماط التنمية قد تختلف تبعاً لتغير الظروف والأوضاع على مستوى العالم.

إننا بحاجة إلى تعميق فهمنا لكيفية تطور هيكل أي اقتصاد.

وهذا الأمر لا يتعلق فقط بالتحول من الصناعة إلى الزراعة والخدمات مع مرور الوقت.

فنحن بحاجة، في قطاعات الزراعة أو الخدمات أو الصناعة، إلى معرفة الكثير والكثير عن خطوات الانتقال إلى إنتاج سلع وخدمات ذات جودة أعلى، والعوامل التي تحدد الديناميكية الاقتصادية في بلد ما، والعوامل المساهمة في عمليات التصحيح المرنة في الهيكل الاقتصادي لأي بلد.

لقد تناولت البحوث المبتكرة التي قام بها البروفسور بول كولييه بالدراسة والبحث كيف تساعد سياسات الحوكمة الرشيدة التي تعتمدها البلدان على تجنب الوقوع في شرك "لعنة الموارد الطبيعية"، بل وفي توظيف مركز تنافسي في الموارد أو المنتجات الأولية كركيزة من أجل تحقيق النمو الشامل والمستدام.

إن هذه التساؤلات لا تقتصر على السياسة العامة للحكومة؛ بل أنها تشمل أيضاً سياسة قطاع الأعمال التجارية وسلوك الشركات.

علينا أن نتفادى الأغلال والأصفاد الفكرية التي تكبل روح الاستقصاء والتحري. فجميع الاقتصادات تقريباً تجمع في أسواقها بين دور القطاع الخاص ودور الدولة. والسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو كيف تتفاعل هذه الأدوار؛ وما هي الأهداف المتوخاة؛ وما هي التكاليف والمنافع الناشئة عن ذلك من الناحيتين الاقتصادية والمجتمعية.

أرى أن الآلية الرئيسية الخاصة بتخصيص الموارد في أي اقتصاد يجب أن تتمثل في وجود سوق تنافسي. لكن ثمة إخفاقات في الأسواق. وثمة إخفاقات من جانب الحكومات أيضاً -- بما في ذلك عدم قدرتها على تصحيح إخفاقات الأسواق. وهناك دور مهم للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وسيادة القانون. فتفعيل دور الحوكمة سيتجاوز نطاق اعتبارات تحقيق كفاءة الاقتصاد.

وهذه التساؤلات تتعلق بالاقتصاد السياسي.

تسعى معظم الحكومات إلى تشجيع قطاع الصناعة على نحو ما -- بطريقة مباشرة أو من خلال السياسة الضريبية والدعم المالي والحوافز والإجراءات الحمائية والمنافسة أو من خلال عدد لا يعد ولا يحصى من الأدوات الأخرى ـ سواء أقرت بذلك أم لم تقر. وتثير هذه الجهود نقاشات مثيرة للجدل بدرجة كبيرة. إلا أن عمليات التقييم الجادة كانت قليلة ومفتقرة إلى الدقة في حالات كثيرة. وثمة حاجة ماسة للقيام بجهود بحثية جديدة بغرض تقييم هذه السياسات، سواء أكانت هذه الجهود عريضة القاعدة أم مركزة على قطاعات بعينها، أم خاصة بشركات محددة.

توسيع نطاق الفرص

ثانياً، ثمة حاجة لتحسين فهم كيفية توسيع نطاق إمكانية الوصول إلى الفرص الاقتصادية لضمان تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، وذلك حتى يمكن للمجتمعات الاستفادة من وتشجيع طاقات الإبداع والابتكار لدى جميع أفرادها. وعلينا كذلك أن نفهم الكثير والكثير بشأن القيود التي تعوق تحسين تقديم الخدمات، وتعزيز قدرة الفقراء على الحصول على التمويل.

كيف يمكننا مساعدة الشباب على التعلم -- والكبار على مواصلة التعلم؟ وما هي أفضل السبل لربط التعليم بالوظائف، والوظائف بتوسيع المعارف الفنية؟

لقد رأيت بنفسي تعثر عملية التنمية نتيجة لعدم قدرة الفقراء على الوصول إلى الأسواق والحصول على التمويل. فالكثير من منشآت الأعمال الصغيرة لا تستطيع الحصول على الائتمان، ولا يستطيع الناس استخدام ممتلكاتهم كضمانات عينية، ولا توجد منافسة تؤدي إلى انخفاض الأسعار. وفي هذه المجتمعات المحلية الفقيرة، نحن بحاجة إلى توسيع الأسواق وليس العكس حتى يمكن خلق المزيد من الفرص. لكن، كيف يمكننا إدارة المخاطر التي ستجلبها الأسواق معها؟ وكيف نساعد الناس على إدارة هذا التغيير؟

إن هذه التساؤلات تقتضي منا بذل الجهود لفهم طبيعة الإجراءات التدخلية التي يمكنها تحقيق أكبر الأثر؛ وأسباب نجاح برامج مماثلة في بعض البلدان وعدم نجاحها في بلدان أخرى؛ وما هي الأدوار التي تضطلع بها الحوكمة الرشيدة والشفافية ومنافسة القطاع الخاص ومشاركة المواطنين.

كما أن لتوسيع نطاق الفرص أبعاداً إقليمية وعالمية مهمة.

فكيف يمكننا أن نكفل أن يكون الاندماج على الصعيدين الإقليمي والعالمي أكثر شمولاً لكافة الفئات؟

لقد أدت الأزمة الاقتصادية إلى أكبر تراجع سنوي في حجم التجارة العالمية في فترة الستين عاماً الأخيرة. فالكثير من البلدان النامية جعلت الاندماج في الاقتصاد العالمي عنصراً أساسياً في إستراتيجيتها الخاصة بالنمو، ويرجع ذلك في جانب منه إلى المشورة التي قدمها لها البنك الدولي. فهل سيواصل نموذج التحول للنمو الذي تقوده الصادرات -- الذي اعتمده على نحو معروف عدد من بلدان شرق آسيا ـ النجاح، وخاصة في ضوء التغييرات التي طرأت على أوضاع الديون والأوضاع الديمغرافية في البلدان المتقدمة والإمكانات الهائلة للصين في مجال الصناعات التحويلية؟

وهل سيشير الواقع الحالي بدرجة أكبر إلى مسارات النمو من خلال الطلب المحلي أو التكامل الإقليمي -- في ظل وجود مجموعة مختلفة من العوائق مثل الحاجة إلى تحسين الإنتاجية الزراعية وزيادة الطلب المحلي وإقامة بنية تحتية إقليمية؟

إننا بحاجة إلى ايلاء اهتمام أوثق لدور القطاع الخاص في ضمان تحقق مكاسب عالمية من الاندماج في الاقتصاد الدولي.

في بداية الألفية الجديدة، كانت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر أكبر مصدر لرؤوس الأموال إلى البلدان النامية، وشكلت أحد المدخلات البالغة الأهمية في نقل التكنولوجيا إلى الشركات العاملة في هذه البلدان.

فما هي السياسات الملائمة لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستبقائها، مع العمل في الوقت نفسه على زيادة الفرص المتاحة أمام الاستثمارات المحلية حتى يمكن للسكان الاستفادة، وتكون لديها مصلحة في نجاح الاقتصاد؟ وقد ساعد عملنا في مؤسسة التمويل الدولية مع القطاع الخاص على إثراء بحوثنا الاقتصادية بشأن هذه الموضوعات، ووجهنا إلى فرص لزيادة تعميق أواصر التعاون بين القطاعين الخاص والعام. وهذه المسألة حاسمة الأهمية بالنسبة لأفريقيا، إذ يتعين عليها تشجيع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتكوين المدخرات الوطنية، وإنشاء بنية أساسية للأسواق المالية المحلية، وتدعيم الاستثمارات المحلية.

التعامل مع المخاطر ومواطن الضعف

ثالثاً، لابد أن نكون قادرين على مواجهة التحديات العالمية الجديدة المتعلقة بالتعامل مع المخاطر التي تواجه الاقتصادات والناس. إذ إن عالمنا أصبح أكثر خطورة مما اعتقد الكثيرون.

ومازال هناك جزء كبير من السكان في البلدان النامية عرضة بشكل خاص لمخاطر الصدمات.

ويمكن أن تتراوح هذه الصدمات بين الكوارث الطبيعية وتفشي الجوائح الصحية والأوبئة، والحروب والنزاعات المدنية، وأزمات النفط والغذاء، والأزمات الاقتصادية الإقليمية والعالمية. وقد أدى تغير المناخ إلى زيادة هذه المخاطر.

إن البلدان المتعاملة معنا في حاجة إلى تنفيذ سياسات حماية اجتماعية تتسم بقدر أكبر من الكفاءة والفعالية بتكلفة معقولة لمواجهة المخاطر البيئية الجديدة، ومعالجة أوجه الضعف في القطاع المالي، وإدارة مخاطر الاقتصاد الكلي التي تطرحها العولمة.

وحتى الآن، تم توجيه مزيد من الاهتمام لمعالجة المخاطر المالية وليس المخاطر البشرية. علينا معالجة هذه الاختلالات.

إننا بحاجة إلى المزيد من البحوث حول كيفية الحد من الصراعات وتحقيق الاستقرار في الدول الهشة ـ من خلال مزيج متكامل من الأمن والحكم الرشيد وسياسات التنمية -- ويشكل ذلك موضوعاً لمطبوعة تقرير عن التنمية في العالم التالية للبنك الدولي. وثمة حاجة أيضاً لإجراء المزيد من البحوث عن المساواة بين الجنسين، التي تشكل موضوع هذا التقرير في العام المقبل.

فحتى "البلدان ذات الأداء الجيد" يمكن أن تنحرف بعيداً عن مسارها نتيجة لتعرضها للكوارث الطبيعية التي لا يمكن التنبؤ بها بصورة منفردة، وإن كان يمكن توقعها بشكل جماعي. إننا بحاجة إلى مزيد من البيانات والتحليلات المناخية والهيدرولوجية حتى يمكن معايرة نظم الإنذار بوقوع موجات الجفاف والفيضانات؛ والمزيد من أدوات "التأمين" المالي للمساعدة في عمليات محددة للتعافي والانتعاش من الكوارث، مع تفادي وقوع انتكاسات خطيرة على صعيد الاقتصاد الكلي في الوقت نفسه.

ونحتاج كذلك إلى المزيد من الدراسات التحليلية للأمن الغذائي، ونمو الإنتاجية الزراعية، وتحسين سلالات البذور، وتعزيز أساليب الزراعة الأكثر قدرة على مجابهة التغيرات المناخية، بينما نستعد لتوفير الطعام الكافي لسكان الكرة الأرضية الذين يُتوقع أن يزدادوا بواقع 3 مليارات نسمة آخرين بحلول عام 2050.

معرفة التدابير والتدخلات الفعالة والناجحة: أجندة النتائج

رابعاً، علينا معرفة التدابير والتدخلات الفعالة والناجحة: إننا في حاجة إلى وضع أجندة بحثية تركز على تحقيق النتائج. وللقيام بذلك، علينا جمع المزيد من الشواهد والبيانات لتقييم فعالية جهود التنمية، بما في ذلك المعونات.

وكيف يمكن لقروض التنمية والمعونات أن تبني الشعور بالملكية والمشاركة على الصعيد المحلي؛ واستخلاص الرؤى والأفكار المحلية؛ وإشراك قطاعات أوسع نطاقاً من المجتمع؛ والانتقال بعملية التنمية إلى ما يتجاوز النخب؛ وتهيئة المزيد من الفرص أمام المنافسة؛ وتوسيع نطاق فرص تملك العقارات؟ فكيف يمكننا الجمع بين الخدمات العامة ومشاركة القطاع الخاص في التمويل والتقديم؟

إن المعونات والقروض، سواءً من مصادر عامة أو خاصة، لا تشكل المحركات الرئيسية لنجاح التنمية. إذ يتعين أن يضطلع السكان والحكومات في البلدان المعنية بهذا الدور الرئيسي.

كما يحتاج تقييم النتائج المتحققة في مجال اقتصادات التنمية إلى قدر أكبر من الاهتمام.

إن البلدان المتعاملة مع البنك الدولي في حاجة إلي هذا التقييم، ولم تفتأ البلدان المساهمة تطالب بإجرائه. وما لم نقم بذلك، فمن المرجح أن تخفق اقتصاديات التنمية ذات الطابع العملي في الاضطلاع بالأهداف المرجوة منها.

سابعاً. تجاوز البرج العاجي إلى نموذج جديد للبحوث: إتاحة البيانات والمعرفة والحلول للجميع

ماذا يعني ذلك بالنسبة للبنك الدولي؟

اعتماد نهج جديد تماماً: فتح قواعد البيانات ومصادر المعرفة والحلول أمام الجميع

من شأن هذه المبادرة أن تفتح أبواب كنوز البيانات والمعرفة المتوفرة لدى البنك الدولي على مصراعيها أمام جميع أخصائي الرعاية الصحية في القرى، وجميع الباحثين والمستخدمين.

لقد قاد خبراء البنك الدولي في مجال بحوث الاقتصاد العالم في قياس أوضاع الفقر وعدم المساواة، وقدموا بحوثاً رائدة عن سبل تقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية التي غيرت طريقة تفكيرنا حول هذه القضايا.

وقدمت بحوث البنك الدولي إسهامات كبيرة في فهم طبيعة العولمة وآثارها؛ وفهم العلاقة بين النمو والفقر؛ وتقييم السياسات والبرامج؛ وتحليل فعالية المعونات.

لكننا تعرضنا أيضاً للانتقاد بسبب طريقة استخدام هذه البحوث في بعض الأحيان للترويج لسياسات البنك، دون أن نجري دائماً دراسة متوازنة للشواهد أو دون أن نخضعها لقدر ملائم من الشك المهني. وتمشياً مع الكثير من البحوث الأكاديمية، كثيراً ما كانت أنشطة العمل التحليلي للبنك الدولي مفتقرة إلى الشفافية عريضة القاعدة -- وخاصة بين الأطراف المعنية الأكثر تأثراً من جراء السياسات المستمدة من هذه التحليلات.

واليوم، فإن البنك الدولي مازال أكبر مصدر واحد للمعرفة الخاصة بعملية التنمية. لكن يجب فتح مصادر المعرفة أمام الجميع.

في عالم تتعدد فيه الأطر النظرية الرئيسية؛

في عالم يتعين فيه الربط بين المعرفة والعلم من جهة والواقع العملي من جهة أخرى؛

في عالم يمكن لاقتصادات البلدان النامية أن تسهم فيه شأنها في ذلك شأن البلدان المتقدمة؛

علينا إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتصاديات التنمية وإزالة الغموض المحيط بها، إقراراً منا بأننا لا نحتكر الإجابة على الأسئلة المطروحة.

إننا بحاجة إلى أن نكون منفتحين، مع التسليم بأن بمقدور الآخرين إيجاد ووضع حلول خاصة بهم. لقد خرجت ثورة البحوث المفتوحة هذه من عقالها.

وعلينا التسليم بأن المعرفة الخاصة بعملية التنمية لم تعد مقصورة على الباحثين والدارسين، ولم تعد كذلك تشكل ذلك البرج العاجي. إنها تتعلق بأخصائية الرعاية الصحية في ولاية شياباس بالمكسيك التي تسجل نتائج عملها؛ والمسؤول المحلي الذي يعلق ميزانية المدرسة على باب الفصل حتى يمكن لأولياء الأمور الشكوى عندما يحصل أطفالهم على موارد أقل مما ينبغي؛ والوزراء والأكاديميين وخبراء الإحصاء وأصحاب مشاريع العمل الحر الذين يقارنون ملاحظاتهم بشأن تأثير الحوافز.

وهذه المعرفة تتعلق بالاقتصاد السياسي والحوكمة والحكم الرشيد والشفافية، وكذلك بالتسليم بأن البحوث وثيقة الصلة بكافة القضايا وعدم وجود "أي مجالات محظورة" في عملية البحث.

وفي هذا العالم الجديد لبحوث السياسات، علينا إبداء قدر من التشكك الموضوعي، مع التحلي في الوقت نفسه بروح الابتكار والإبداع.

إننا بحاجة إلى التواصل العالمي، ولكن بلمسة تراعي الحساسيات المحلية.

علينا أن نتحلى بالتواضع في مواجهة المشاكل المعقدة التي تقتضي الملاحظة والتجربة والاختبار ـ وبالأمانة للاعتراف عندما لا تؤدي بعض الجهود التي يتوافر فيها حسن النوايا وعمق الالتزام إلى الأهداف المرجوة منها.

وعلينا أن نعمل مع الخبراء في مجالات تاريخ الاقتصاد والحكومات والاقتصاد السياسي وعلم الإنسان وعلم النفس، وفي العلوم الفيزيائية والبيولوجية في بعض الأحيان.

وعلينا أولاً وقبل كل شي أن نتطلع بأبصارنا إلى ما وراء نموذج البحوث "النخبوي المحدود".

إذ لم يعد ممكناً أن يقتصر عمل هذا النموذج على بحث قضية محددة وكتابة ورقة بشأنها على أمل أن يقرأها البعض. يجب أن يكون النموذج الجديد "شاملاً" وأكثر ترابطاً وتشابكاً. وعلى هذا النموذج أن يتيح بصورة متزايدة المعلومات والمعارف أمام الآخرين من خلال تزويدهم بالأدوات اللازمة للقيام بالبحوث الاقتصادية بأنفسهم.

ويمكن للجميع، مع توافر البحوث المتشابكة، المساعدة في جمع وتقاسم البيانات التي يوجد نقص فيها. إننا بحاجة إلى المزيد من البيانات الأساسية عبر مختلف البلدان والفترات حول الصحة والتعليم والبنية التحتية والمساواة بين الجنسين. ونحتاج كذلك إلى بيانات أكثر وأفضل عن المالية العامة، وخاصة على مستويات المناطق والمدن داخل البلدان، التي تكتسي أهمية بالغة في تحسين أنظمة الحوكمة والحكم الرشيد. ونحتاج إلى المزيد من المشاركة لمواجهة النظريات بالشواهد والأدلة حول قضايا السياسات الرئيسية.

وهذا هو الاتجاه الذي أريد البنك الدولي أن يسلكه؛ أي أن نضفي الطابع الديمقراطي على اقتصاديات التنمية. ومن شأن ذلك أن يغير وإلى الأبد طريقة قيامنا بإجراء بحوث التنمية.

ويخطو البنك حالياً الخطوة الأولى في هذا المضمار.

في ربيع العام الحالي، أطلقنا مبادرة إتاحة البيانات للجميع، وأتاح ذلك للجمهور العام -- مجاناً ودون مقابل -- إمكانية الوصول المجاني إلى أكثر من 2000 مؤشر لأكثر من 200 بلد تتعلق بالمجالات المالية وأنشطة الأعمال والصحة والتنمية الاقتصادية والبشرية، يرجع بعضها لعقود من الزمن. ونعمل حالياً، في إطار شراكتنا مع شركات البحث على شبكة الإنترنت كشركة جوجل، على ضمان وصول البيانات إلى جماهير جديدة ومتنوعة، مع إتاحة المزيد من الفرص لعدد أكبر من المستخدمين لتبادل ما لديهم من أفكار جديدة.

ونعمل حالياً على زيادة سهولة أدوات تحليل البيانات ووضع النماذج، حتى يتمكن الباحثون ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية من التوصل إلى النتائج الخاصة بهم، والتحقق من صحة النتائج التي خلصنا نحن إليها.

دعونا نتخيّل معاً: أن بوسع إحدى أخصائيات الرعاية الصحية أو أحد الآباء في قرية ما ـ وهي تمسك بحاسوب محمول أو هاتف محمول ـ الوصول مباشرة إلى المعرفة الخاصة بعملية التنمية من خلال استخدام الترميز والخرائط الجغرافية. ويمكنها رؤية المدارس التي لديها برامج تغذية وتلك التي لا تتوفر لديها هذه البرامج، وآخر المستجدات والتطورات في الأوضاع الصحية المحلية. كما يمكنها الاطلاع على بيانات تمتد لعشرين عاماً عن معدلات وفيات الرضع في بلدها والبلدان المجاورة. بل ويمكنها التعمق في البحث ومقارنة قريتها مع القرى الأخرى. كما يمكنها تحميل البيانات الخاصة بها، وتسليط الضوء على الآثار المحتملة للإجراءات التدخلية الجديدة، وحشد المجتمع المحلي للمطالبة بتحسين البرامج الصحية الموّجهة أو التوسع فيها.

وأطلقنا كذلك "مسابقة تطبيقات من أجل التنمية" بغرض تشجيع وتحديد الأدوات والتطبيقات الجديدة والمبتكرة، وذلك باستخدام البيانات التي قمنا بإتاحتها للجمهور.

وفي يوليو/تموز، شرعنا في تطبيق سياسة إتاحة الحصول على المعلومات، مستندين في ذلك إلى قانوني حرية تداول المعلومات في الولايات المتحدة والهند، وذلك حتى يتمكن واضعو السياسات والباحثون ومنظمات المجتمع المدني من التحقق من عملياتنا، واستخلاص الدروس من أجل المستقبل.

وفي العام الماضي، وإدراكاً منا بأن الحلول التنموية تحقق أفضل النتائج عند تصميمها بالتعاون مع النظراء الذين يواجهون تحديات مماثلة، أطلق معهد البنك الدولي برنامج "تبادل الممارسين" الذي يربط بين الممارسين والعاملين في مجال التنمية في مختلف أنحاء العالم لتبادل خبراتهم وتجاربهم العملية بشأن التحديات الإنمائية الرئيسية.

وتتيح قاعدة بياناتنا التفاعلية الخاصة بالفقر (PovcalNet) حالياً للجمهور إمكانية الوصول المجاني إلى بيانات البنك الدولي الخاصة بالفقر، حيث تسمح للمستخدمين باستخدام نماذج محاكاة أوضاع الفقر في العالم ووضع تقديراتهم في إطار افتراضات مختلفة.

كما قمنا بتطوير برنامج (ADePT)، وهو برنامج إلكتروني مبتكر قائم بذاته يستهدف تبسيط وتسريع إعداد جداول ورسومات بيانية نمطية في العديد من مجالات التحليل الاقتصادي. ويتيح البنك هذا البرنامج دون مقابل حيث يمكن لأي شخص في العالم تنزيله.

وقمنا، من خلال استخدام أداة المحاكاة iSimulate، بفتح نموذجنا للتنبؤات لأكثر من 100 بلد عبر الإنترنت للمستخدمين من خارج البنك. ويمكن للمستخدمين الاطلاع على تنبؤاتنا، كما يمكنهم تصميم التنبؤات ونماذج المحاكاة، وتبادلها مع غيرهم.

وسنعقد منتدى مفتوح خلال الاجتماعات السنوية في الأسبوع المقبل، وهو عبارة عن مناقشة مباشرة عبر شبكة الانترنت لمدة يومين بشأن قضايا التنمية الأساسية في الوقت الراهن. وسندرج هذه القضايا في مناقشاتنا مع الوزراء المشاركين من مختلف أنحاء العالم في مناقشات لجنة التنمية.

ويتمثل هدفنا في فتح قواعد البيانات ومصادر المعرفة والحلول أمام الجميع.

ويجب أن يكون ذلك أكثر من مجرد شعار. كما ينبغي أن تكون هناك وسيلة جديدة للبحث عن حلول تنموية في هيكل تنموي متشابك، حيث لا يوجد طرف رئيسي واحد فيه، ويمكن للجميع المساهمة فيه.

ثامناً. الخاتمة

علمتنا الأزمة الاقتصادية العالمية ـ من خلال الدروس الصعبة والقاسية ـ ضرورة التحقق من صحة الفرضيات. وقد أكدت هذه الأزمة على تزايد أهمية البلدان النامية. كما شددت على العواقب التي تنتج عن السياسات العامة غير المتحوطة ـ ـ بالنسبة للبلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

وثمة فرصة جديدة، وبالطبع حاجة ملحة، لبث النشاط والحيوية في اقتصاديات التنمية. لقد أتاحت برامج الحاسب الآلي أدوات جديدة؛ ووفرت الإنترنت وسائل اتصال جديدة؛ وجلبت الاقتصادات الصاعدة خبرات وتجارب جديدة.

وأمامنا أسئلة يجب الإجابة عليها. وهي أسئلة لا تأتي من داخل الأوساط الأكاديمية فحسب ـ بل من جميع الأطراف المعنية صاحبة المصلحة، ومنها: واضعي السياسات والمجتمعات والمخترعين ومنشآت الأعمال والعاملين في مجال التنمية والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام. إنها أسئلة تتدفق عبر الحدود والقارّات والأجيال.

علينا أن نصغ للآخرين وأن نضفي الطابع الديمقراطي على اقتصاديات التنمية.