الصفحة باللغة:

خطب ونصوص

كلمة رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم أمام جمعية الصحة العالمية

رئيس مجموعة البنك الدولي

جمعية الصحة العالمية

جنيف, سويسرا

2013/05/21

بالصيغة المعدة للإلقاء

الفقر والصحة ومستقبل البشرية

سيدي الرئيس، المدير العام الدكتورة مارجريت تشان، أصحاب المعالي، الزملاء والأصدقاء:

إننا نقف على مشارف لحظة رائعة؛ لحظة أصبحت فيها الأهداف العالمية المتصلة بالرعاية الصحية والتنمية، التي طالما بدا أنه يتعذر بلوغها، قريبة المنال؛ لحظة تهدد فيها أيضا مخاطر لم يسبقها في شدتها مثيل مستقبل البشرية؛ لحظة تتطلب منَّا نبذ الاستكانة والروتين وإذكاء المطامح والآمال التي تميزت بها الفصول الفارقة من تاريخ الصحة العامة في العالم.

يجب أن يظهر جيل يمحو الفقر من على وجه الأرض، ويمكن أن نكون هو ذاك الجيل.

يجب أن يظهر جيل يقضي على آفة عدم تكافؤ الفرص التي تُفرِّق المجتمعات وتزعزع استقرارها، ويمكن أن نكون هو ذاك الجيل.

يجب أن يظهر جيل يجلب خدمات الرعاية الصحية الفعالة لكل فرد في كل مجتمع في كل بلد في العالم، وسنكون هو ذاك الجيل. وأنتم - أعضاء هذه الجمعية - من سيقود الطريق.

نعم يحدوني التفاؤل. وإني متفائل لأني أعلم ما حققته الرعاية الصحية بالفعل في العالم، ما حققتموه أنتم.

ففي عام 2011، بلغ متوسط عمر الإنسان 70 عاما، بزيادة ستة أعوام عن المتوسط منذ 1990. وتراجع معدل وفيات الأطفال على مستوى العالم 40 في المائة في الفترة ذاتها. وفي السنوات العشر منذ أعلن الدكتور لي جونج ووك التزام منظمة الصحة العالمية بمساندة البلدان في توسيع نطاق برامج علاج الإيدز بمضادات الفيروسات الرجعية، أصبح بإمكان أكثر من 9 ملايين شخص في البلدان النامية الحصول على هذا العلاج المنقذ للحياة. إن هذا ليس سوى القليل من معالم التقدم الحديث.

وثمة سبب آخر يدعوني إلى التفاؤل. فأنا أعلم أن الرعاية الصحية في العالم تسترشد بالقيم الصحيحة. فقبل 35 عاما وضع مؤتمر ألما آتا للرعاية الصحية الأولية أسسا أخلاقية وفلسفية قوية لعملنا. وأكد إعلان ألما آتا الرباط الذي لا ينفصم بين الصحة والجهود الرامية إلى بناء رخاء يتسم بالإنصاف أو ما سماه واضعو الإعلان "التنمية بروح العدالة الاجتماعية".

وأظهر إعلان ألما آتا أهمية الرعاية الصحية الأولية كنموذج للعمل الصحي يستمد جذوره من المجتمع المحلي ويستجيب لاحتياجاته ويراعي طموحاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأرسى الإعلان مستوى مرجعيا عاليا. لكننا مازلنا نجاهد لتوفير رعاية صحية أساسية فعالة وعالية القيمة لجميع مواطنينا. وللأسف لم يقم أي بلد من بين الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية وعددها 194 دولة ببناء نظام كامل للرعاية الصحية. إننا نستطيع أن نحقق ما هو أفضل، ونحن نعلم ذلك.

لكن بالروح العظيمة لإعلان أألما آتا، يجب علينا أن نُركِّز ثانية على الرباط بين الرعاية الصحية والرخاء المشترك. وفي هذا الوقت، يجب علينا العمل لتحويل أعلى طموحاتنا إلى أنظمة تبني مجتمعات أفضل صحة وأعلى إنتاجية وأكثر إنصافا.

لأن ما لم يفعله إعلان ألما آتا هو تقديم خطط ملموسة أو أنظمة قياس فعالة لتحقيق أهدافه الباهرة. وفي حالات كثيرة، كانت جهود خط المواجهة التي استلهمها الإعلان تفتقر إلى الإستراتيجية، وآليات التنفيذ المستند إلى الشواهد، وأساليب كافية لجمع البيانات. وينبغي ألا يثير ذلك الدهشة، وأنا - يقينا - لا أنتقد القيادات الصحية في العالم في ذلك الوقت. ففي الواقع، فإن كثيرا من مصممي مبادرة الصحة للجميع هم أبطالي حتى اليوم. 

واليوم، أصبح لدينا الموارد والأدوات والبيانات التي لم يكن أسلافنا ليحلموا بها. ويزيد هذا من مسؤوليتنا ويجردنا من الأعذار. واليوم يمكننا - بل يجب علينا - ربط القيم التي تم التعبير عنها في إعلان ألما آتا بالإستراتيجية وتحليل النظم بما أسميه "علم تقديم الخدمات" وبالقياس الدقيق. ويجب علينا بالفعل أن نبني مجتمعات أفضل صحة.

الأمل في التغطية الصحية الشاملة

إن سياق هذا العمل هو التحرك المتزايد من أجل التغطية الصحية الشاملة.

وأهداف التغطية الصحية الشاملة هي ضمان أن يتاح للناس جميعا إمكانية الحصول على خدمات صحية عالية الجودة، ووقاية كل الناس من المخاطر التي تواجه الصحة العامة، وحمايتهم من الفقر بسبب اعتلال الصحة، سواء بسبب المدفوعات الشخصية من مالهم الخاص على الرعاية الصحية أو فقدان الدخل حينما يمرض أحد أفراد الأسرة.

ويستطيع كل بلد في العالم تحسين أداء منظومته الصحية في الأبعاد الثلاثة للتغطية الشاملة، وهي إمكانية الحصول على الخدمة، ونوعيتها، ويسر تكلفتها. وتختلف الأولويات والإستراتيجيات وخطط التنفيذ اختلافا كبيرا من بلد لآخر. وفي كل الحالات، يجب على مختلف البلدان ربط خططها بمقاييس صارمة وملائمة لأرض الواقع. ويجب أن يكون الشركاء الدوليون مستعدين لمساندتك. ويجب علينا جميعا أن نحول دون أن تتحول التغطية الشاملة في نهاية الأمر إلى شعار أجوف لا يبعث فينا روح التحدي ولا يجبرنا على التغيير أو على التحسُّن كل يوم.

والخبر السار هو أنَّ بلدانا كثيرة تتحدى نفسها، إذ تقوم بقياس النواتج وتحقَّق تقدما ملحوظا. إذ قامت تركيا عام 2003 بتدشين "برنامج التحوُّلات الصحية" الذي يهدف إلى تيسير حصول الجميع على خدمات صحية ميسورة التكلفة عالية الجودة. ويغطي التأمين الصحي الرسمي الآن أكثر من 95 في المائة من السكان. وكانت الإصلاحات الصحية من بين عوامل كثيرة أسهمت في المكاسب الصحية التي حققتها تركيا، ففي الفترة بين عامي 2003 و2010، خفضت تركيا معدل وفيات الأطفال الرضع بأكثر من 40 في المائة.

ويعود تاريخ برنامج إصلاح التغطية الصحية الشاملة في تايلاند إلى عام 2001. وساعد البرنامج على تحقيق زيادة كبيرة في الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية، ولاسيما بين غير المشمولين بمظلة التأمين الصحي. وحتى عام 2009، خفض البرنامج عدد التايلانديين الذين يعانون من تكاليف الرعاية الصحية الكارثية بمقدار 300 ألف شخص.

ودعوني أقرّ بأن تايلاند دشنت برنامجها للتغطية الصحية الشاملة على الرغم من المخاوف بشأن الاستدامة المالية للبرنامج والتي أثارتها في البداية مؤسستي: مجموعة البنك الدولي. وكان مسؤولو الصحة في تايلاند عازمين على اتخاذ خطوات جريئة من أجل تيسير حصول كل السكان على خدمات الرعاية الصحية. واليوم، فإن العالم يستخلص الدروس من المثل الذي ضربته تايلاند.

وكثير من البلدان الأخرى تحقق أيضا تقدما على هذا الطريق. ويتزامن الزخم المتزايد من أجل التغطية الصحية الشاملة مع فصل جديد في جهود محاربة الفقر على مستوى العالم.

ففي الشهر الماضي، تعهدت المؤسسة التي أرأسها، وهي مجموعة البنك الدولي، بالعمل مع مختلف البلدان على إنهاء الفقر المدقع في أنحاء العالم بحلول عام 2030. وللمرة الأولى حددنا تاريخ انتهاء الفقر المدقع.

ونحن نعلم أنه لا يكفي الاقتصار على محاربة الفقر المدقع. ولذلك، وضعنا هدفا ثانيا. وسنعمل مع البلدان لبناء الرخاء الذي يشترك فيه الجميع بإنصاف، وذلك من خلال تعزيز النمو الاقتصادي الذي يراعي مصالح المحرومين نسبيا في كل مجتمع. وسوف نتتبَّع نمو الدخل بين أفقر 40 في المائة من السكان في كل بلد ونعمل مع زعماء ذلك البلد من أجل التحسين المستمر للسياسات وآليات التنفيذ، حتى تحقق بلدان العالم التقدم الاقتصادي الذي يتسم بالاشتمال والاستدامة اجتماعيا وماليا وبيئيا.

ومن أجل إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك، تحتاج البلدان إلى نمو اقتصادي شامل وقوي. ويجب عليها، لتعزيز النمو، بناء رأس المال البشري من خلال استثمارات في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية لكل مواطنيها.

وحتى يصبح العالم خاليا من الفقر المدقع بحلول عام 2030، يجب على البلدان أن تحرص على أن يتوفر لكل مواطنيها إمكانية الحصول على خدمات صحية ذات نوعية جيدة وميسورة التكلفة.

ويعني هذا اليوم أكثر من أي وقت مضى أنه سنحت لنا الفرصة لتوحيد الرعاية الصحية في العالم ومكافحة الفقر بإجراءات تتركز على أهداف واضحة.

تعميم التغطية الصحية

تتخذ البلدان مسارات مختلفة للوصول إلى تعميم التغطية الصحية. ولا توجد صيغة واحدة لتحقيق ذلك. مهما يكن من أمر، فإن هناك اليوم مجالا جديدا لعلم تقديم الخدمات الصحية في العالم يتيح توفير الشواهد والأدوات التي تقدم خيارات واعدة للبلدان.

ودعوني أضرب مثالاً واحداً فقط. فعلى مدى عقود، تحتدم المجادلات التي تقارن بين نماذج "رأسية" لتقديم خدمات صحية تختص بأمراض بعينها ونماذج "أفقية" متكاملة. ويدعم علم تحقيق النتائج الشواهد التي تثبت كيف استطاعت بعض البلدان حل هذه المعضلة من خلال ابتكار نهج "قُطري": يتمثل في وضع برامج تختص بأمراض معينة ذات أولوية مع تحسين نظام الرعاية الصحية الأوسع. وقد شهدنا نجاح هذه النماذج الشاملة في بلدان مختلفة مثل المكسيك ورواندا.

وسواء كانت الأولوية الفورية الملحة لبلد ما هي مرض البول السكري، أو مكافحة الملاريا، أو بقاء الأمهات والأطفال على قيد الحياة، أو إدارة "الجولة النهائية" في مواجهة الإيدز، فإن إطار التغطية الصحية الشاملة يمكن أن يستخدم البرامج التي تختص بأمراض معينة في إطار مسعى قطري لتدعيم نظام الرعاية الصحية.

 محور تركيز للعمل المشترك

مع سعي البلدان حثيثا نحو التغطية الصحية الشاملة، هناك تحديان نريد - نحن في مجموعة البنك الدولي - التصدي لهما معكم. ويرتبط هذان المجالان ارتباطا عميقا بالهدفين المتصلين بالفقر والرخاء المشترك واللذين ذكرتهما لتوي.

أولا، فلنعمل على ضمان ألا تسقط أسرة في أي مكان في العالم في براثن الفقر بسبب تكاليف الرعاية الصحية. فأفضل التقديرات الحالية تشير إلى أن الإنفاق الشخصي على الرعاية الصحية تتسبب في سقوط 100 مليون شخص في براثن الفقر المدقع كل عام، وتعريض 150 مليونا آخرين لمصاعب مالية شديدة. وهذا شكل طاغ من أشكال البلاء الذي يعصف بالناس لأن كُرُبات الفقر تفاقم من معاناة المرض. وتستطيع البلدان التخلص من هذا الظلم من خلال تطبيق نماذج منصفة لتمويل الرعاية الصحية إلى جانب إجراءات للحماية الاجتماعية مثل التحويلات النقدية للأسر الضعيفة.

ثانيا، فلنعمل على سد النقص في إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية وحماية الصحة العامة من أجل أفقر 40 في المائة من السكان في كل بلد. إن تحسين نطاق تغطية الخدمات الصحية ونواتجها بين الفقراء في أي بلد أمر ضروري لبناء قدراتهم وتمكينهم من المنافسة على الوظائف الجيدة التي يمكن أن تُغيِر حياتهم. ويجب أن نعمل على سد فجوات الرعاية الصحية، إذا كنا جادين في الحد من المظالم الاقتصادية، وتنشيط اقتصاديات البلدان وبناء مجتمعات يتاح فيها لكل فرد فرصة عادلة.

وتعد قضية رسوم المستخدم عند نقطة تقديم الخدمة ذات أهمية بالغة. وكل من يُقدِّم رعاية صحية للفقراء يعلم أن أي نفقات شخصية من أموالهم الخاصة مهما صغرت قد تؤدي إلى تقليص حاد لاستفادتهم من الخدمات المطلوبة. وهذا أمر ينطوي على ظلم وإجحاف ولا داعي له. وتستطيع البلدان استبدال نظام رسوم المستخدم عند نقطة تقديم الخدمة بمجموعة متنوعة من أشكال التمويل المستدام التي لا تخاطر بوضع الفقراء في هذا الإسار الذي قد يكون مميتا. وقد كان إلغاء مدفوعات نقطة تقديم الخدمة أو خفضها بشكل حاد سمة مشتركة لكل الأنظمة التي حققت بنجاح التغطية الصحية الشاملة.

الدور الذي يمكن لمجموعة البنك الدولي أن تضطلع به

الآن دعوني أخبركم عن خمس وسائل محددة ستساند بها مجموعة البنك الدولي بلدان العالم في سعيها نحو التغطية الصحية الشاملة.

أولا، سنستمر في توسيع نطاق أعمالنا التحليلية ومساندتنا للأنظمة الصحية. فتعميم التغطية هو تحدٍ تواجهه الأنظمة الصحية، وتقديم المساندة للأنظمة هو المجال الذي يمكن أن تقدم فيه مجموعة البنك الدولي أكبر مساعدة للبلدان على تحسين صحة مواطنيها.

وقد زرت أفغانستان في الآونة الأخيرة حيث تعمل مجموعة البنك الدولي مع الحكومة وشركاء آخرين لإعادة بناء النظام الصحي للبلاد. وفي أفغانستان، يكتسب هذا التعبير المجرد (النظام الصحي) معنى شخصيا سريعا. ودعوني أرو لكم قصة. فقبل عدة سنوات، وضعت شكيبة وهي امرأة شابة من إقليم بروان مولودها في المنزل لأنه لم يكن هناك مركز صحي يمكنها الذهاب إليه. وأُصيبت بمضاعفات وفقدت طفلها. وفي وقت سابق من هذا العام، وضعت شكيبة طفلا آخر، في غرفة التوليد بمركز صحي أُنشئ حديثا ومزود بتجهيزات حديثة وعاملين مهرة. والآن فإن شكيبة وطفلها الجديد ينعمان بصحة جيدة. فتحسين الأنظمة الصحية يعني حرفيا حياة أو موت كثير من الأمهات والأطفال.

وزاد عدد المنشآت الصحية العاملة في أفغانستان أكثر من أربعة أمثال بين عامي 2002 و2011. وخلال هذه الفترة، شهدت البلاد انخفاض عدد وفيات الأطفال دون الخامسة أكثر من 60 في المائة.

وقد تواجه البلدان المتوسطة الدخل تحديات مختلفة. ويعاني كثير من البلدان التي زرتها من مشكلة بناء المستشفيات. وفي بعض البلدان، شاهدت منشآت طوارئ جديدة بالغة التطوُّر حيث الأخصائيون مستعدون لمعالجة طوارئ معقدة مثل حماض الكيتوني السكري. لكن حين يخرج المريض من مثل هذه المنشآت فإنه لا يستطيع أن يحصل على العناية الروتينية اليومية بأمراض مثل البول السكري، وذلك لأن نظام الرعاية الأولية يفتقر إلى التمويل. ولا يعقل ضخ موارد في مجال الاستجابة للحالات المعقدة بدون الاستثمار في أنظمة الوقاية وإدارة الأمراض والتي يمكنها في الغالب أن تحول دون وقوع هذه الحالات المعقدة في المقام الأول.

فحين يركز بلد ما أنظمته الصحية في الرعاية الصحية القوية وحماية الصحة العامة، يمكن السيطرة على تكاليف الرعاية الصحية. وسنعمل مع كل البلدان لتحقيق ذلك.

والتزامنا الثاني هو أننا سنساعد البلدان في مسعى شامل لتحقيق الهدفين الرابع والخامس من الأهداف الإنمائية للألفية والمتصلين بالوفيات النفاسية ووفيات الأطفال. وبلوغ هذين الهدفين من الأهداف الإنمائية للألفية اختبار مهم لالتزامنا بالعمل من أجل المساواة في الرعاية الصحية.

ويجب أن نواصل التركيز على الأهداف الإنمائية للألفية حتى ونحن نستعد لأجندة التنمية ما بعد 2015. فهذه الأهداف منحت كل من يعمل في المجتمع العالمي للتنمية الطاقة والتركيز. فنحن لم ننته من عملنا. وقد حان الوقت لنقوم بإنهائه.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنتُ في الجمعية العامة للأمم المتحدة أن مجموعة البنك الدولي ستعمل مع المانحين لإنشاء آلية تمويل لتوسيع نطاق المساندة للهدفين الرابع والخامس من الأهداف الإنمائية للألفية. ومنذ ذلك الحين، نقوم بتوسيع تمويلنا المستند إلى النتائج مع التركيز على الأهداف المتصلة بصحة الأمهات والأطفال. وقد ساعد نهجنا التمويلي المرتبط بتحقيق النتائج على حشد موارد إضافية من المؤسسة الدولية للتنمية ذراع مجموعة البنك الدولي لمساعدة أشد البلدان فقرا. وكان هذا نجاح لا نزاع حوله: فقد ضاعف هذا الصندوق الاستئماني الموارد المخصصة لصحة الأمهات والأطفال. وخلال الأعوام الخمسة الماضية، استطعنا تعبئة 1.2 مليار دولار من أموال المؤسسة الدولية للتنمية في 28 بلدا، منها 558 مليون دولار من أجل 17 بلدا منذ سبتمبر/أيلول وحده. والآن، فإننا نعمل مع النرويج والمملكة المتحدة وشركاء آخرين لتوسيع نطاق هذا الجهد.

ويعد التمويل المرتبط بالنتائج أسلوب ذكي لممارسة أنشطة الأعمال. وهو يتضمن اتفاق تمويل مسبق بين الممولين ومقدمي الخدمات بشأن النتائج الصحية المتوقعة. ويتوقف الدفع على إنجاز النتائج مع قيام جهة مستقلة بالتحقق. ويسمح التمويل المرتبط بالنتائج أيضا للمواطنين بمحاسبة مقدمي الخدمات. فهو يضع المعرفة والقوة في متناول الشخص العادي.

ولهذه البرامج تقييمات دقيقة للآثار. ففي رواندا، أظهر تقييمنا للآثار للمسؤولين أن حوافز الأداء لم توسع من نطاق تغطية الخدمات وجودتها فحسب، بل حسنت أيضا من النواتج الصحية. وخلصت الدراسة إلى أن الرضع يزدادون وزنا وأن الأطفال ينمون بسرعة أكبر.

أمَّا التزامنا الثالث، فهو أن مجموعة البنك الدولي ستعمل مع منظمة الصحة العالمية وشركاء آخرين لتدعيم جهودنا المتصلة بالقياس في مجالات تتعلَّق بالتغطية الصحية الشاملة. وفي فبراير/شباط، اتفق البنك ومنظمة الصحة العالمية على التعاون في وضع إطار للرصد والمتابعة للتغطية الشاملة. وسنعرض ذلك الإطار للتشاور مع البلدان بحلول موعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول.

ولا يتوفر لدينا ما يكفي من بيانات. فعلى سبيل المثال، لا نقوم بقياس عدد الأفراد الذين يسقطون سنويا في هاوية الفقر المدقع من جراء الإنفاق على الرعاية الصحية في كل بلد. وسنعمل مع البلدان والشركاء لضمان الحصول على بيانات أفضل كي تستطيع بلدان العالم تحقيق نواتج أفضل.

ورابعا، سنقوم بتعميق أعمالنا فيما نطلق عليه علم تقديم الخدمات. وهذا مجال جديد، تساعد مجموعة البنك الدولي في تشكيله استجابة لطلب البلدان. وهو يبني على عقود من الخبرات في العمل مع البلدان لتحسين الخدمات المُقدَّمة للفقراء. وعندما يصل علم تقديم الخدمات إلى مرحلة النضج، فسيعني أنه سيتوفر للعاملين في الخط الأمامي – الأطباء والممرضات، المديرين والفنيين – أدوات أفضل وإمكانية أسرع للوصول إلى المعارف لتقديم رعاية أفضل للمواطنين.

معالي الوزراء، مع سعيكم من أجل التغطية الصحية الشاملة، نرجو أن تذكروا لنا ما هي العوائق التي تواجهونها في التنفيذ. وسنقوم بتوصيلكم أنتم وفرقكم بشبكات من صناع السياسات والقائمين على التنفيذ في أنحاء العالم الذين واجهوا مشكلات مماثلة. وسنقوم بحشد الخبراء المخضرمين من داخل مجموعة البنك الدولي وخارجها، بما في ذلك من القطاع الخاص الذي يشهد الكثير من أفضل خبرات التنفيذ وتحقيق النتائج.

وخامسا وأخيرا، ستستمر مجموعة البنك الدولي في توسيع نطاق أعمالنا لتحسين الصحة عبر تدابير في قطاعات أخرى لأننا نعلم أن السياسات في مجالات مثل الزراعة، والطاقة النظيفة، والتعليم، والصرف الصحي، وتمكين النساء، تؤثر كلها تأثيرا عظيما على ما إذا كان المواطن ينعم بالصحة في حياته.

وقد حققت المكسيك عملا رائعا في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، فإن برنامج سيجورو بوبولار (Seguro Popular) للتأمين الصحي في المكسيك يعمل بالتنسيق مع برنامج الفرص Oportunidades للتحويلات النقدية. وقد زاد برنامج الفرص من قدرة الفقراء على الإنفاق وقلص من حدة الفقر. وزاد أيضا من معدل القيد في المدارس والحصول على الخدمات الصحية بين الفقراء. وفي الوقت ذاته، حدّ برنامج سيجورو بوبولار من الإنفاق الشخصي على الرعاية الصحية والإنفاق في حالة الطوارئ الصحية، ولا سيما بين الفئات الأشد  فقرا. ولا تستطيع كل البلدان محاكاة المكسيك في مواردها. لكن هناك خيارات واعدة لأنواع مماثلة من التدابير في جميع البلدان.

فحينما يسعى وزراء الصحة إلى تحقيق التكامل بين التغطية الصحية الواسعة النطاق وبين الجهود الرامية إلى الحد من الفقر فبوسعهم الاستعانة بما تقدمه مجموعة البنك الدولي من مشورة في السياسات وموارد معرفية وقدرة على جمع مختلف الأطراف. فعلى سبيل المثال، سنساعد في تسهيل المناقشات مع وزراء المالية. وقد شهدنا خطوات مبشرة في هذا الاتجاه في اجتماع وزراء الصحة والمالية الأفارقة في واشنطن الشهر الماضي.

ديناميات جديدة في مجتمع الرعاية الصحية على مستوى العالم

لكن إجراءات معينة من مجموعة البنك الدولي يجب أن تكون جزءا من تغيير أوسع في كيفية عملنا معا كمجتمع عالمي للرعاية الصحية.

فقد أدَّى تفتيت تدابير الرعاية الصحية في العالم إلى أوجه نقص وقصور يعرفها جيدا كثير من الوزراء هنا، مثل هياكل التنفيذ الموازية، وتعدد أنظمة الرصد والمتابعة ومتطلبات الإبلاغ، ومسؤولي الوزارات الذين يقضون ربع وقتهم في إدارة طلبات من طائفة من الشركاء الدوليين ذوي النوايا الحسنة.

وهذا التفتيت قاتل للناس بمعنى الكلمة. ويجب أن نعمل معا الآن على إصلاحه الآن.

والانحياز إلى تحسين النتائج هو نهج الشراكة الدولية للصحة (IHP+). وهي تكتسب زخما متزايدا. وفي وقت سابق من اليوم شاركت أنا والمدير العام مارجريت تشان في اجتماع لهذه الشراكة. ومن الأمور التي تبعث على الأمل رؤية المزيد من البلدان تضطلع بمسؤوليتها وتحدد أجنداتها على أساس خطط وطنية قوية وتجعل شركاء التنمية يتتبعون صدارة الحكومات.

وإننا نعيد تأكيد التزامنا المشترك تجاه الشراكة الدولية للصحة بوصفها أفضل سبيل لتنفيذ مبادئ الفعالية الإنمائية ومساندة البلدان التي تعمل على تحقيق النتائج. لكن معالي الوزراء، يجب أن نسائل بعضنا بعضا. ويجب أن نكون جميعا مستعدين لدق الطاولة والمطالبة بوقف هذا التفتيت القاتل الذي أعاق تنمية أنظمتكم الصحية لزمن طويل للغاية. إن المخاطر كبيرة والطريق وعرة لكني أعلم أنه بوسعنا تحقيق ذلك.

الخلاصة

أصدقائي،

إننا نواجه معا لحظة الحسم. فلم يعد السؤال هو ما إذا كانت العقود المقبلة ستجلب تغييرات كاسحة في الصحة والتنمية والأوضاع الجوهرية من حياتنا على هذا الكوكب، بل بات السؤال الوحيد هو ما الاتجاه الذي ستتخذه هذه التغيرات:

تجاه كارثة مناخية أم صحة بيئية،

تجاه استقطاب اقتصادي أم رخاء مشترك،

تجاه إقصاء قاتل أم إنصاف في الصحة.

إن التغير قادم، بل هو يقع حاليا. والمسألة هي ما إذا كنا سنتولى زمام هذا التغير ونصبح المهندسين له، بدلا من أن نصبح ضحاياه. والخطر الأعظم هو أننا قد نتخذ قرارات من خلال الاستكانة، بدلا من الالتزام الشجاع.

ومنذ بداية الألفية، شهدت الصحة العالمية عصرا ذهبيا، عصرا تميَّز بمنجزات القادة الحاضرين في هذه القاعة. لكن هل سيكتب التاريخ أن العصر الذهبي انقضى دون تحقيق آماله، ولم تبدأ أعظم أعماله؟ وأنه غرق تحت ثقل الضبابية الاقتصادية وعدم قدرة الزعماء على التغيير ودفعنا لما يتجاوز حدودنا القديمة؟

إننا نعلم ما يجب أن تكون عليه الإجابة. إن الإجابة تنتظرها شعوب بلادنا جميعا، من هم أحياء حاليا ومن سيولدون لاحقا.

إننا نستطيع إنجاز المزيد. ويمكننا تغيير مسار التاريخ لضمان أن كل فرد في العالم تتوفر لديه خدمات صحية ميسورة التكلفة وعالية الجودة خلال جيل واحد.

فلنبن معا العدالة الصحية والتحولات الاقتصادية كهيكل واحد – قلعة - يأوي مستقبل البشرية.

لقد حان وقت العمل.

يجب أن نكون ذاك الجيل الذي يحقق تعميم التغطية الصحية.

يجب أن نكون ذاك الجيل الذي يحقق التنمية بروح العدالة الاجتماعية والبيئية.

يجب أن نكون ذاك الجيل الذي يهدم أسوار سجن الفقر، ويبني مكانه الصحة والكرامة والرخاء لكل الناس.

شكرا لكم.