خطب ونصوص

الاستعداد للسلام والازدهار: سبل السير قدماً في العالم العربي

2014/06/03


خطاب الرئيس جيم يونغ كيم في وزارة التربية والتعليم بيروت , لبنان

بالصيغة المعدة للإلقاء

 

أصحاب السعادة، أعضاء مجلس النواب، حضرات الأساتذة، الطلاب، والأصدقاء

أتوجه إليكم بالشكر لاستضافتي ولإتاحة لي فرصة لقاء المستقبل، وأعني بذلك الطلاب الطموحين من مختلف الجامعات بين الحضور. فأنتم مدعوون للسير ببلدكم إلى الأمام. لقد جئت إليكم اليوم  حاملاً رسالة أمل وتفاؤل، ولأقدم لكم رؤية لمسار نحو مستقبل عادل ومستدام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أعلم أن التفاؤل صعب للغاية في ظل الكارثة التي تتكشف جوانبها في سوريا. فحجم المأساة أكبر من أي شيء شهدتموه في حياتكم حتى اليوم. إنه أكبر مما شهده معظمنا. فهناك ملايين اللاجئين في أرضهم وداخل بلدهم، وهناك ملايين غيرهم لجؤوا إلى بلدان مجاورة، إلى تركيا والأردن والعراق ومصر، وخاصة إلى لبنان.

ولكن دعوني أعود بكم 70 عاماً إلى الوراء، إلى عام 1944 تحديداً، حين كانت المدافع لا تزال تطلق نيرانها خلال الحرب العالمية الثانية. آنذاك، كان من الصعب على أحد تصوّر إمكانية تحقيق السلام فقد كان حجم الكارثة الإنسانية يتحدى آمال الأوروبيين، منهم من كانوا في نفس عمركم الآن. ولكن حينها، التقت مجموعة من الحلفاء، في بلدة بريتون وودز الصغيرة في ولاية نيو هامشير الأميركية، لمدة 22 يوماً وبدأوا يخططون لليوم الذي سيتحقق فيه السلام. وأسسوا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، الذي أصبح اليوم جزءاً من مجموعة البنك الدولي. وكان هدف هاتين المؤسستين هو المساعدة في تمويل إعادة إعمار أوروبا وتأهيل اقتصاد بلدانها.

وما زالت اتفاقية تأسيس البنك الدولي، التي تمت صياغتها في ذلك الوقت، صالحة إلى يومنا هذا، وهي تعني بشكل خاص هذا الحضور. فالمادة الأولى تنص على أن الهدف من البنك الدولي هو، وهنا أقرأ النص حرفياً: "المساعدة في إعمار وتنمية أراضي الدول الأعضاء فيه بتيسير استثمار رؤوس الأموال لأغراض إنتاجية، بما في ذلك إحياء الاقتصادات التي دمرتها الحرب أو سبّبت اضطرابها، وإعادة تحويل مرافق الإنتاج للوفاء باحتياجات السلم وتشجيع تنمية المرافق والموارد الإنتاجية في الدول الأقل تقدماً".

من المهم أن نتذكر أن الناتج الاقتصادي في أوروبا عام 1951 كان أعلى بنسبة 35 في المائة مما كان عليه قبل الحرب. ومن هنا نرى أنه يمكن إعادة البناء بشكلٍ أفضل حتى بعد أشد الحروب تدميراً.

وقبل نصف قرن ونيف، كانت كوريا، مسقط رأسي، خارجة للتو من حرب أهلية وكان  البعض من خارج كوريا يصفها بالحالة الميئوس منها. ولكنها باتت اليوم إحدى قصص النجاح العظيمة في العالم.

لذا يمكن أن تتجلى لسوريا اليوم، وللعالم العربي بأسره، اللحظة نفسها التي شهدها عام 1944.

اليوم ينبغي أن يبدأ المجتمع الدولي، بقيادة الزعماء العرب، بالاستعداد للسلام في سوريا ووضع الأسس لمستقبل أكثر رخاء لجميع شعوب هذه المنطقة.

تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الآن عند مفترق طرق.  ووفقاً لأحد السيناريوهات المستقبلية، يمكن للأزمات السياسية والصراعات العنيفة والأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية أن تزداد عمقاً وربما تنتشر الى بلدان مجاورة.  ولكن هناك سيناريو آخر -- وهو أنه يمكن للمنطقة البناء على الانفتاح السياسي الناشئ عن التحولات العربية، ومواجهة مشاكل الإقصاء القائمة منذ سنوات طويلة، وحشد الجهد الدولي لإنهاء الصراعات الأليمة في ليبيا والعراق وسوريا، وإطلاق إمكاناتها لتحقيق نمو مستدام. وتهدف استراتيجية البنك الدولي في هذه المنطقة بحق إلى تنفيذ السيناريو الثاني - وهو طريق المضي إلى الأمام بدعم من مبادئ التعايش والتسامح والتوافق والشفافية والحكم الرشيد والنمو الاقتصادي الشامل.

لا أحد يعرف كيف أو متى ستضع هذه الحرب أوزارها - وما يبعث على الحزن أنه لا يبدو في الأفق ما يبشر بنهايتها قريباً. لكن الآن هو الوقت المناسب لنستعد للسلام الذي سيحل حتماً. وعلى المجتمع الدولي، ومن ضمنه مجموعة البنك الدولي والأمم المتحدة والمانحين الرئيسيين، وضع خطة لا تساعد فقط على إعادة بناء سوريا، بل تساعد أيضاً لبنان والأردن وتركيا والعراق على التعافي من الآثار الهائلة الناجمة عن هذه الحرب.

ستكون هناك أيام أفضل في المستقبل لسوريا ولبنان وللمنطقة بأسرها. وفي حين أن الوضع لا يزال ينذر بكارثة في معظم أنحاء المنطقة، فهناك على الأقل بصيص من الأمل. 

ففي يناير/كانون الثاني الماضي، تابع العالم الشرق الأوسط بترقب بينما يصوّت أعضاء الجمعية التأسيسية في تونس على الدستور الجديد الذي  أقر بمبادئ التعددية وأنهى بنجاح المرحلة الأولى من التحول الديمقراطي. 

وفي اليمن، جمع الحوار الوطني  المكونات المختلفة من الأحزاب السياسية وممثلي المجتمع المدني ومن النساء والشباب. ولأول مرة كان للمرأة تمثيل كبير، تزيد نسبته عن 30 في المائة. لم يكن هذا أمراً سهلاً لليمن، ولكن التزامه بالحوار لحل الخلافات كان مصدر إلهام لنا جميعاً.

على  المنطقة الاستفادة من جميع مواردها لبناء مجتمعات عادلة ومستدامة. ولعل أهم هذه الموارد المئة مليون شاب وشابة من أبناء المنطقة.

أدرك أن هناك مشككين من بينكم. فقد وَلّد الاضطراب وعدم اليقين في السنوات الثلاث الماضية وكذلك الارتفاع المستمر في معدلات البطالة، خاصة بين النساء والشباب، تشاؤماً بشأن مستقبل المنطقة. أما هنا في لبنان، فيوجد أيضاً غياب محبط للتقدم في مجال إصلاحات الطاقة والكهرباء. وفي حوار مع شباب من المنطقة أجريناه في تونس في وقت سابق من هذا العام، وخلال لقاء ذي صلة في واشنطن من ضمن اجتماعات الربيع السنوية، سمعنا وجهات نظر تعبر عن خيبة أمل في التغييرات التي تم تحقيقها حتى الآن. وفي استطلاع للرأي أجريناه عبر الانترنت قبل حوار تونس، رأى 71 في المائة أن الشباب أسوأ حالاً الآن مما كانوا عليه قبل الربيع العربي. وقال لنا سامي بو بكري، وهو شاب من تونس، وأنا أقتبس هنا ما قاله - "هناك المزيد من الحرية، ولكن البؤس نفسه ما زال قائماً". أما شذى آلحرازي، وهي ناشطة يمنية شابة شاركت في الحوار الوطني، فقد شككت في الالتزام بالإصلاح. وقالت إن اليمن لديه دستور بالفعل ولكنه ظل حبيس الأدراج المقفلة - وتم تجاهل قوانينه ولم يتم تطبيقه مطلقاً.

بالفعل هناك تحديات هائلة. لذا ما المطلوب لكي نبني على التفاؤل الذي ولّده الربيع العربي ونحقق تقدماً حقيقياً؟

أولاً، الأمر يتطلب تحسين جودة التعليم. ففي حين اجتازت المنطقة شوطاً كبيراً في طريق إتاحة التعليم للجميع، إلا أن جودة التعليم لم تتحسن. فكثير من الطلاب يتخرجون دون الحصول على ما تحتاجه سوق العمل من مهارات. وهذه ليست مشكلة استثمار. فمتوسط ​​الاستثمار العام في التعليم في أنحاء المنطقة يزيد عن 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. إنها مشكلة الإدارة السليمة والمحاسبة. فيجب أن تستجيب المدارس والجامعات للمواطنين، مثلها مثل كل المؤسسات، ويجب أن تتم محاسبتها عن نتائجها التعليمية. وبوصفي أحد من عملوا في مجال التعليم على مدى حياتهم، فإنني أتعهد أمامكم اليوم بالتزام شخصي بالمساعدة في بناء المؤسسات التعليمية في المنطقة، وتحسين جودة التعليم.

ثانياً، الأمر يتطلب إعادة بناء الثقة بين الحكومات والمواطنين. فالتنمية شراكة تتطلب الالتزام بالشفافية من جانب الحكومات، ومواطنين مطلعين لمحاسبة الحكومات. فالدستور المغربي الجديد يتضمن بنوداً محددة تضمن الحق في الحصول على المعلومات. وقد بدأت الحكومة في تطبيق هذا الحق من خلال نشر موازنة المواطن، التي تتيح توفير المعلومات عن المالية العامة بشكل يمكن الوصول إليه. كما وفي تونس، قامت مجموعة المجتمع المدني "البوصلة" ببث أنشطة الجمعية التأسيسية مباشرة في صورة تغريدات، جعلت المواطنين مطلعين بشكل مستمر على أخبار صياغة الدستور الجديد. ويحدونا الأمل في ألا يؤول مصير دستورهم أبداً إلى الحفظ حبيساً في الخزانات.

وتتمثل إحدى طرق إعادة بناء الثقة في الإصلاحات التي تهدف إلى إنهاء رأسمالية المحاباة التي تعاني منها هذه المنطقة ومناطق عديدة من العالم.  ففي تونس، على سبيل المثال، تبين من تحليلنا أن أسرة واحدة استحوذت على 20 في المائة من أرباح البلاد - وهي أسرة  بن علي. والرد بالنسبة لبلدان المنطقة هو العمل الآن على توفير بيئة تكافؤ الفرص، ومحو الإرث الاقتصادي للماضي، وإتاحة المنافسة المفتوحة التي تحفز النمو الشامل.   

ثالثاً، الأمر يتطلب مساعدة النساء للتغلب على القيود القانونية والثقافية المتعددة التي حدّت مشاركتهن في القوة العاملة. فنسبة مشاركة النساء تبلغ اليوم  29 في المائة من إجمالي القوة العاملة، نسبة هي الأدنى على مستوى العالم.

واتساقاً مع هذه الجهود لتحسين التعليم، وبناء الثقة مع المواطنين، ودمج المزيد من النساء في القوى العاملة، يجب أن تكون لدينا خطة للتنمية الاقتصادية من شأنها ربط العواصم والموانئ وبناء قوة اقتصادية إقليمية. قد تبدو هذه الرؤية وكأنها سراب في الصحراء، ولكنها في واقع الأمر ممكنة، تنتظر من لديهم إيمان وقناعة لتحقيقها.

لا تختلف هذه المنطقة عن أي منطقة أخرى. فالسلام والاستقرار والنمو والفرص تأتي حينما يدرك الناس والبلدان أن ثمة مصلحة مشتركة في العيش والتنمية والازدهار معاً، بغض النظر عن الانقسامات الوطنية والعرقية والطائفية. فالتكامل في هذه المنطقة هو الأساس. ونحن، في مجموعة البنك الدولي، قد بدأنا من خلال تعزيز التكامل داخل البلدان، وبدأنا بإقامة ممر للنقل وتوفير الخدمات اللوجستية في العراق. ويفتح هذا المشروع الطريق أمام مزيد من الاندماج الوطني وسيخلق فرصاً جديدة للتجارة والتنمية الاقتصادية في بلد يعاني الانقسام الشديد، وتسعى قوى عديدة إلى تمزيقه إرباً.

كما نعمل أيضاً على تحقيق التكامل في مجالي النقل والتجارة بين بلدان المنطقة، فيما يتجاوز الحدود الوطنية، مثل ربط ميناء البصرة، عبر الأردن، بميناء العقبة من خلال تحسين البنية التحتية للطرق. وستفتح هذه المشاريع المجال أمام أجندة التعاون الإقليمي الأوسع، حيث ستوفر الربط بدول الخليج التي تعمل هي نفسها على تحسين الترابط فيما بينها من خلال  مشاريع كبيرة للطرق والسكك الحديدية، بالإضافة إلى تركيا ولبنان، وكذلك سوريا عندما تنتهي الحرب فيها.  ويوضح هذا التكامل الإمكانات المتاحة أمام الشرق الأوسط ليكون جسرا أساسيا بين الشرق والغرب، ومنفتحا حقاً أمام أنشطة الأعمال.

وفي هذا العالم العربي الذي يستعيد نشاطه، يجب علينا أيضاً أن نواجه واحداً من أكبر التحديات في المنطقة - ألا وهو التغيّر المناخي. فتأثيره حاد بشكل خاص على هذه المنطقة. إنه يهدد حياة البشر وموارد رزقهم على السواء. فالمدن الساحلية الكبيرة في المنطقة معرضة لخطر ارتفاع منسوب مياه البحر. ولكن يأتي في صلب هذه القضية نقص المياه، وما استجد من ندرة فيها بسبب التأثيرات الشديدة المتزايدة الناجمة عن تغير المناخ. فحتى قبل اندلاع الصراع السوري، أجبرت موجة من الجفاف استمرت ثلاث سنوات 1.5 مليون شخص على الهجرة. وقد تكيفت المنطقة مع تغير المناخ على مدى آلاف السنين، إلا أن وتيرة التغير قد تسارعت الآن مما يتطلب استراتيجيات جديدة واتخاذ تدابير بوتيرة أكثر سرعة. ويتعين علينا الآن أن ندمج تأثير تغير المناخ في عملية وضع السياسات، بداية من التخطيط الحضري إلى الزراعة.

وفي العام الماضي، قمنا أنا والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون برحلتين معاً إلى منطقتي البحيرات العظمى والساحل في أفريقيا. وقد أدلى الأمين العام خلال إحداها ببيان بسيط وقوي، حيث قال: "لا يمكننا تحقيق التنمية بدون السلام، ولكن لا يمكننا أيضاً تحقيق السلام بدون التنمية".

وكما يعلم الأمين العام، كما تعلمون جميعاً، فإن التنمية والسلام صنوان لا ينفصمان. وبالنسبة لسوريا ولبنان والأردن وتركيا والعراق، فإن عملية الاستعداد للسلام لن تكون سهلة.

ولكن هذه الحرب ستنتهي. ويجب علينا أن نلزم أنفسنا باغتنام هذه اللحظة وإعداد خطط ملموسة لذلك اليوم الذي تتوقف فيه أصوات المدافع في سوريا والذي تضمن فيه حكومة مُعترف بها دولياً السلام والاستقرار. عندئذ، ودون تأخير، يجب على المجتمع الدولي أن يساعد سوريا. كما يجب أيضاً أن يُزيد من المساعدة لجيرانها. إننا بحاجة إلى التواصل بشأن هذه الرؤية حتى لا يكون هناك شك في أن مكاسب السلام ستكون قادرة على تحقيق التحوّل، وهذا ما سيعطي أطراف الصراع حافزاً لوضع حد لهذا الجنون.

أنتم تقفون عند مفترق طرق لمستقبل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.  وأقول للشباب هنا وفي جميع أنحاء العالم العربي - للشباب المائة مليون جميعا - أقول يجب أن تسنح لجيلكم فرصة النشوء في منطقة تركز على خلق فرص العمل وليس على الصراع، على النمو الشامل وليس على النمو للنخبة فحسب، بقيادة حكومات تستثمر في شعوبها بنظم قوية للتعليم والصحة. هذا هو الشرق الأوسط الذي يجب أن ينهض في السنوات المقبلة، ليجعل من سنوات الخراب ذكرى بعيدة، ويطلق العنان لحيوية منطقة تعيش في سلام يدوم طويلاً.

اسمحوا لي أن اختتم كلمتي بأبيات من قصيدة الشاعر أبو القاسم الشابي، والتي تدور حول التحكم بالمصير. ولأنني أعلم أن البعض منكم حفظ هذه الأبيات منذ أيامه الأولى بالمدرسة، فأرجوا أن ترددوها معي - ويمكنكم تصحيح لغتي العربية:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي

ولابد للقيد أن ينكسر

شكراً جزيلاً.


Api
Api