خطب ونصوص

خطاب رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم في جامعة هاورد: "تعزيز الرخاء المشترك"

2014/10/01

رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم واشنطن العاصمة, الولايات المتحدة

بالصيغة المعدة للإلقاء

سيدي العميد هارفي، أتقدم إليكم بالشكر على هذا الترحيب الحار، وإلى الرئيس فريدريك على هذا التقديم الرقيق. وشكراً لكم، أيها الطلاب والعاملين وهيئة التدريس على حسن الضيافة. وهذه، على حد علمي، المرة الأولى التي يُلقِي فيها رئيس لمجموعة البنك الدولي كلمةً في جامعة هاورد. وأتقدَّم بالشكر للجميع هنا على إتاحة هذه الفرصة لي.

في إطار إعداد خطابي هذا، قمت ببعض البحث عن تاريخ جامعة هاورد، ولقد أُعجبت كثيرا بما وجدت. ويُشرِّفُني أن أكون في مؤسسة رأسها ذات يوم جيمس نابريت، أحد كبار محاميي الحقوق الدستورية والمدنية في جيله؛ وأشعر بالامتنان والتواضع أن أكون في مكان ساعد على تشكيل فكر بولي موراي، رائدة الحركة النسائية والمفكرة الشجاعة. لقد تفانى كل منهما في حياته المهنية الحافلة بالنجاحات لجعل العالم مكانا أكثر عدلا وإنصافا. ونحن بالبنك الدولي مدفعون بنفس الطموحات والتطلعات.

على مدى الأسبوعين الماضيين، قدت جهدا لمجموعة البنك الدولي لإعادة تنظيم المؤسسة كي تتمكن من تحقيق هدفيها التوأمين، وهما: إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030 وتعزيز الرخاء المشترك بين أفقر 40 في المائة من السكان في البلدان النامية.

والهدف الأول طموح، وهو دليل على ما أحرزناه من تقدم هائل خلال ربع القرن الماضي في مكافحة الفقر. ففي عام 1990، كان 36 في المائة من سكان العالم أو 1.9 مليار نسمة يكسبون أقل من 1.25 دولار للفرد في اليوم. وتشير تقديرات خبرائنا الاقتصاديين إلى أنه بحلول العام القادم ستنخفض تلك النسبة إلى 12 في المائة، ويمثل ذلك انخفاضا بمقدار الثلثين في خلال 25 عاماً. ويعني هذا أنه بحلول العام القادم، سيقل عدد من يعيشون في فقرٍ مدقع مليار نسمة عما كان في عام 1990. إنه إنجاز رائع وتقدُّم هائل. إلا أن مساعدة المليار التالي على الفكاك من براثن الفقر المدقع ستكون أكثر صعوبة. وعلينا بذل المزيد من الجهد، ولاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يستيقظ ما يُقدَّر بنحو 450 مليون نسمة كل صباح وهم يعانون من الفقر.

أمَّا الهدف الثاني –التمثل في تعزيز الرخاء المشترك- فهو ما أودُّ أن أُحدِّثكم عنه اليوم. إنَّنا نعمل لضمان أن يؤدِّي نمو الاقتصاد العالمي إلى تحسين معيشة كل أفراد المجتمع، لا أن يقتصر على قلة محظوظة من الناس. ولبلوغ هذه الغاية، تسعى مجموعة البنك الدولي إلى تحقيق أهداف مُعيَّنة تتصل بالدخل والأحوال الاجتماعية، فنحن نريد زيادة دخول أفقر 40 في المائة من السكان في البلدان النامية، وتحسين سبل حصولهم على الاحتياجات الضرورية للحياة، ومنها الغذاء، والسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل.

دعوني أُعبِّر عن هذا بشكل أوضح، لقد وضعنا للمرة الأولى في تاريخ مجموعة البنك الدولي هدفاً يتمثَّل في الحد من التفاوت وعدم المساواة في العالم. وكما يتضح من انتشار فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا، فإن أهمية هذا الهدف لا يمكن أن تكون أكثر وضوحا من هذا. إن جهود مكافحة هذا الفيروس هي معركة على العديد من الجبهات- في طليعتها حياة البشر وصحتهم. ولكنها أيضا معركة ضد عدم المساواة. والمعارف والبنية التحتية اللازمة لمعالجة المرضى واحتواء انتشار الفيروس موجودة في البلدان مرتفعة الدخل والبلدان متوسطة الدخل. غير أننا على مدى سنوات طويلة فشلنا في تيسير الحصول هذه الأشياء لذوي الدخل المحدود في غينيا وليبريا وسيراليون. ولذلك، فإن الآلاف من الناس في هذه البلدان يموتون الآن، لأنهم وُلِدوا في المكان الخطأ دون اختيار منهم. وإذا لم نوقف تفشي الإيبولا الآن، فإن الوباء سينتشر ويمتد إلى بلدان أخرى، بل وحتى قارات أخرى، وبالأمس فحسب أكدت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أول حالة إصابة بالإيبولا في الولايات المتحدة. ويُظهِر هذا الوباء التكاليف الباهظة لعدم المساواة في الحصول على الخدمات الأساسية وعواقب فشلنا في معالجة هذه المشكلة.

وكما سأشرح لاحقا في كلمتي، فقد بدأت مجموعة البنك الدولي وآخرون اتخاذ الخطوات اللازمة لإيصال الموارد إلى المكان الصحيح. إن ما نقوم به من عمل ينبع بشكل مباشر من قرارنا بجعل تعزيز الرخاء المشترك جزءاً من الرسالة الرئيسية للبنك الدولي.

وحينما تدخل زائرة إلى مقرنا في جادة بنسلفانيا، فإن أول ما تراه هو عبارة مكتوبة على الجدار تقول: "حلمنا هو تحقيق عالم خال من الفقر." وبلوغ هذه الغاية من خلال التنمية مسعى بالغ التعقيد، لكن هناك أمرين ضروريين. الأول، أنه يجب علينا مساعدة البلدان منخفضة الدخل على تحقيق نمو اقتصادي. وفي السنوات الأربع الماضية وحدها، كان نتيجة معدلات النمو المرتفعة في الصين والهند أن 232 مليون نسمة تمكنوا من الفكاك من براثن الفقر. والثاني أن محدودي الدخل الذين يعيشون في بلدان منخفضة الدخل يجب أن يتقاسموا منافع ذلك النمو. فالرخاء المشترك جزء من الأهداف الرئيسية للبنك الدولي، لأنه ببساطة مطلوب لإنهاء الفقر.

وتعزيز الرخاء المشترك ضروري أيضاً لتحقيق العدالة. وذكرت مؤسسة أوكسفام الدولية التي تكافح الفقر في تقرير لها في الآونة الأخيرة أن أغنى 85 فرداً في العالم يملكون معا ثروةً تعادل ما يملكه أفقر 3.6 مليار نسمة. لك أن تتخيَّل هذا الأمر: مجموعة من الناس أقل كثيراً من عدد الموجودين في هذه القاعة يملكون ثروة أكبر مما يملكه نصف سكان العالم. إنها لوصمة في ضميرنا الجماعي أن تعيش هذه الأعداد الغفيرة في أفريقيا جنوب الصحراء وكذلك آسيا وأمريكا اللاتينية في فقر مدقع. وحماية قدرة الفرد على أن يجني الثمار المالية للجد والاجتهاد والنجاح أمر في غاية الأهمية. إنه يخلق الحافز، ويدفع إلى الابتكار، ويتيح للناس مساعدة الآخرين. وفي الوقت نفسه، ماذا يعني أن تتركز كل هذه الثروة الهائلة في العالم في أيدي قلة من الناس؟

لقد أفرزت الرأسمالية كنظام اقتصادي الثروة والابتكار. وهذه أمور طيبة للغاية. ولكن شرعية أي نظام اقتصادي ترتبط أيضا بقدرته على تيسير وصول الجميع إلى شيئين: الثروة التي يخلقها والمنافع الاجتماعية التي تنبع من تلك الثروة. ولكن مما يؤسف له، أن زيادة الدخل القومي الناجمة عن النمو لا يتقاسمها في العادة السكان بدرجة متساوية على أي نحو. وأوضح الخبير الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي في كتابه الأكثر رواجا الصادر عام 2014 بعنوان "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" أنه في البلدان المتقدمة عادةً ما تتدفق بوجه عام هذه المنافع الناجمة عن النمو لدى الملاك بمعدلات أكبر كثيراً من العمال. وفي نهاية المطاف، نحن نريد ضمان أن يتم توزيع منافع النظام الاقتصادي العالمي على نحو يخلق الفرص ويراعي كرامة الإنسان.

ومن ثمَّ ما الذي يقتضيه تعزيز الرخاء المشترك؟ كما أوضحت آنفاً، أحد المقاييس المهمة هو مستوى الدخل النسبي لأفقر 40 في المائة من سكان بلد ما. وخلال العقد الأول من القرن الحالي، كان هؤلاء يتمتعون بمعدلات نمو للدخل أسرع من عموم السكان في 52 من 78 بلدا من البلدان منخفضة الدخل. ولكن تفاوت النتائج المحرزة في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي وضعتها الأمم المتحدة يظهر أن الرفاهة العامة للأسر في فئة أفقر 40 في المائة من السكان لا تزال أقل كثيراً من نظيرتها في الأسر الأعلى دخلاً. وبعبارة أخرى، فإنه على الرغم من أن دخولهم نمت بمعدلات أسرع، فإن الأسر منخفضة الدخل لم تجن نفس المنافع الاجتماعية التي حصل عليها من هم أفضل دخلا، ومنها الحصول على الغذاء والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

والجدير بالذكر أن زيادة الدخول الفردية على أهميتها ليست سوى جزء واحد من معادلة تعزيز الرخاء المشترك. إننا نحتاج أيضا إلى النمو الاقتصادي لتوليد المنافع التي تخلق مجتمعاتٍ أكثر إنصافاً وعدلاً. وعليه، فإنه إلى جانب إحداث تغييرات في الدخل، يتركَّز تعزيز الرخاء المشترك على تحسين مستويات المساواة بين الجنسين وقدرة محدودي الدخل على الحصول على الغذاء والسكن والمياه النظيفة والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل.

فكيف يمكن لمجموعة البنك الدولي الإسهام في تحقيق ذلك؟ إحدى الآليات الرئيسية هي محفظة مساندتنا المالية السنوية التي تبلغ قيمتها أكثر من 60 مليار دولار لبناء المؤسسات العامة وحفز قطاع خاص يتسم بالحيوية والنشاط. ومن خلال خلق مجموعات الممارسات العالمية التي تستند إلى المعرفة، طورت عملية إعادة التنظيم أداة ً حيوية أخرى، وهي ما نسميه علم الإنجاز أو تحقيق النتائج. ولحل أعقد مشكلات التنمية في العالم، يجب أن نسأل أنفسنا سؤالين. الأول هو هل الحل على قدر التحدي. وبعبارة أخرى، هل نفهم المشكلة وهل تساعد إجابتنا على حلها؟ والثاني، هل وجد أحد سواء في داخل البنك الدولي أو خارجه وسيلةً لتقديم الحل. إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكننا استخلاصه وتطبيقه وتوسيع نطاقه في سياقات أخرى؟ وتركز مجموعات الممارسات العالمية لدينا على إجابة هذه الأسئلة المهمة.

إن تعزيز الرخاء المشترك هو الطريقة التي تتبعها مجموعة البنك الدولي للتصدي للتحديات المتعلقة بعدم المساواة. وتحديد الخطوات اللازمة لتقديم الحل يتطلب خطوتين على الأقل. الأولى، أنه يجب علينا تحسين فهمنا كيف يؤثِّر النمو الاقتصادي على المستوى الوطني في التنمية على مستوى الأسر. وعليه يجب علينا جمع بيانات أفضل وأدق من البلدان منخفضة الدخل.

والثانية، حينما نُقدِّم مساعدات مالية وفنية تستند إلى مشروع مُعيَّن يجب أن نستمر في تقييم أثر هذه المبادرات على إيرادات محدودي الدخل. انظر مثلاً لبناء الطرق. في بنغلاديش، ساعدنا في بناء وإصلاح ثلاثة آلاف كيلومتر من الطرق. ثم أجرينا تقييماً لنعرف هل كانت لهذه التحسينات أثر أم لا. ووجدنا أنه في خلال ستة أعوام فحسب زاد متوسط دخل الأسرة في مناطق تنفيذ هذه المشاريع 74 في المائة. ويرجع هذا إلى حد كبير إلى أن الطرق ربطت المجتمعات المحلية بالأسواق. وقمنا أيضا بدراسة أحوال المناطق التي لم تحصل على هذه التحسينات. ووجدنا أن متوسط دخل الأسر فيها هبط 23 في المائة. وتظهر هذه الأنواع من التقييمات أوجه النجاح والفشل عندما يتعلق الأمر بتعزيز الرخاء المشترك.

وتدل خبرتنا على أن ثمة أربع إستراتيجيات تُشكِّل جزءاً لا يتجزأ من تحقيق هذا الهدف، وهي: بناء رأس المال البشري، وإقامة شبكات للأمان الاجتماعي جيدة التصميم والتنفيذ، وعرض حوافز على القطاع الخاص ليسهم في خلق فرص عمل جيدة، وتنفيذ سياسات تتسم بالاستدامة المالية والبيئية من أجل بلوغ هذه الغايات. والمشاريع التي تشترك في هذه الخصائص ستكون لها أولوية في الحصول على المساندة المالية والفنية للبنك الدولي.

وقد ساعد علم تحقيق النتائج أيضا على توجيه استجابتنا في مواجهة وباء الإيبولا. إن هذا الفيروس آخذ في الانتشار والخروج عن نطاق السيطرة في غينيا وليبريا وسيراليون. والآلاف من الناس يموتون. ومن المحتمل أن أكثر من عشرة آلاف شخص أصيبوا بالمرض. وكل من هذه الأرقام يزداد بسرعة. ونتيجةً لذلك، فإن قدرتنا على تعزيز الرخاء المشترك في غرب أفريقيا، وربما في القارة كلها، قد تكون مخيبة للآمال.

وطبقاً للسيناريو الذي يتوقع البنك حدوثه في أفضل الأحوال، فإن الإيبولا سيتسبب في خسارة مئات الملايين من الدولارات من النمو الاقتصادي في البلدان المتضررة. وتلك مسألة خطيرة للغاية. فهذه الدول تتعافي من آثار سنوات من الحروب الأهلية والصراعات التي أسهمت في تدني مستويات نصيب الفرد من الدخل فيها. ولذلك، فإن النمو ضروري لتخفيف حدة الأوضاع الرهيبة التي يعيش فيها ملايين من مواطنيها. وإذا واصل الوباء الانتقال إلى بلدان أخرى، فإن خسائر ضياع النمو قد تقفز إلى عشرات المليارات من الدولارات أو أكثر. وعليه، فإننا إذا لم نوقف انتشار هذا الوباء الآن، فلن يوجد رخاء يمكن تقاسمه، ناهيك عن عدد من سيعجزون على تقاسم منافع ما يتبقى.

إن استجابة العالم حتى الآن ليست كافية. إنَّني طبيب ولي دراية بالأمراض المعدية، وقد عالجت أناسا فقراء ومُهمَّشين في هايتي وبيرو وليسوتو وأماكن أخرى تعاني من أمراض معقدة مثل السل المقاوم للعقاقير المتعددة وفيروس الإيدز. ولذلك، كان مؤلماً لنا أن نرى تكرار إخفاقات قديمة من أوبئة سابقة.

ومع مطلع القرن الحالي، كان عدد من أصيبوا من فيروس الإيدز في أفريقيا قد بلغ ما يُقدَّر بنحو 24 مليون شخص. ومع أنه كانت هناك سبل علاج فعالة للفيروس للأغنياء، فإن منخفضي الدخل في القارة لم يتح لهم الحصول عليها بسبب قصور الخيال وتدني التطلعات بالنسبة للفقراء. وظنَّ بعض خبراء الصحة العالميين أن توفير علاج فعال من فيروس الإيدز للمجتمعات منخفضة الدخل أمر بالغ الصعوبة وتكاليفه لا تطاق. ولكن اليوم يتلقَّى أكثر من 10 ملايين من الفقراء في أنحاء العالم العلاج من فيروس الإيدز.

وقد ارتكبنا أخطاء مماثلة فيما يتصل بمكافحة فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا، مع أننا تلقينا تحذيرات متكررة من حكومات البلدان المنكوبة وجماعة أطباء بلا حدود، وآخرين. والآن، فإننا نعمل على تعويض ما فاتنا.

ولتحديد كيف يمكننا المساهمة في استجابة مُنسَّقة، اختارت مجموعة البنك الدولي خبراء بالأمراض المعدية لديهم خبرة ميدانية في تنفيذ بروتوكولات معقدة للاحتواء والعلاج في البلدان منخفضة الدخل. ثم أرسلناهم إلى غينيا وليبريا. وعلى أساس مشاهداتهم، أبلغونا أننا إذا قمنا بجهد كبير الآن، فمن الممكن معالجة المرضى واحتواء انتشار الفيروس. فإقامة البنية التحتية التي نحتاج إليها ليست أمرا صعبا، ولدينا برتوكولات للحد من انتشار العدوى. والأهم من ذلك أنهم قالوا لنا إن حدوث أي تأخير أخر من شأنه زيادة صعوبة أي استجابة فعالة.

ونحن نتحرك بسرعة الآن لأداء دورنا. وقد قامت مجموعة البنك الدولي بتحويل 105 ملايين دولار من التمويل الطارئ إلى غينيا وليبريا وسيراليون، وهي أكثر مما قدمته أية منظمة أخرى حتى الآن. وتكفل التحويلات لحكومات هذه البلدان السيولة اللازمة لشراء المعدات والخدمات اللازمة لمكافحة الإيبولا. وعلى وجه الإجمال، فقد ارتبطنا بتقديم 400 مليون دولار لمساندة أنشطة العلاج والاحتواء. وقد خصصنا مواردنا التحليلية المعتبرة لإظهار أن التحرك الآن سينقذ مئات الملايين إن لم يكن عشرات المليارات من الدولارات.

كما يجري حاليا تنفيذ عناصر أخرى من الاستجابة العالمية المنسقة. وفي الأسابيع القليلة الماضية، شهدنا إجراءات مهمة من الرئيس أوباما والولايات المتحدة وعززت حكومتا فرنسا والمملكة المتحدة أيضا من جهودهما.

ونظرا لنطاق الوباء وسرعة انتشاره، فما زال ضروريا إحراز المزيد من التقدم. وإذا صح سيناريو أسوأ الأحوال الذي وضعه مركز مراقبة الأمراض وأصيب 1.4 مليون شخص بالفيروس، فإن تأثير انتشار الفيروس سيكون عالميا حقا. ويجب أن يطالب المواطنون المعنيون بإرسال موارد مالية وبشرية على الفور إلى البلدان المتضررة. وإلا فإن الآلاف سيتعرضون للموت دون داع، وقد تحل كارثة اقتصادية.

وتشارك مجموعة البنك الدولي حاليا مشاركة كاملة في جهود مكافحة الإيبولا بغية الحيلولة دون حدوث هذه النتيجة؛ ونحن منخرطون في هذا الجهد أيضا لأننا ملتزمون بتشجيع المساواة. وفي واقع الأمر، فإننا نتطلَّع إلى معايشة هذه القيمة كل يوم في أماكن عملنا. وموظفونا مواطنون من أكثر من 100 بلد ويتحدثون أكثر من 100 لغة. وإنَّي لفخور بانفتاح المؤسسة على الاختلافات إلى حد بعيد، لأنني أعرف ما هي نتيجة اتخاذ البديل لذلك. فبعد أن هاجرت من كوريا حينما كنت طفلاً، تربيَّت في بلدة صغيرة في إيوا. وإنني أتفهم مشاعر المرء حينما يكون غريبا على المجتمع، ولقد عانيت أحياناً من آلام التحيُّز العنصري والعرقي. ونحن لا نتسامح مطلقا بالبنك الدولي مع الإقصاء والتحيُّز.

وبمرور الوقت، حققنا تقدما في توسيع ما يتمتع به موظفو مجموعة البنك الدولي من تنوٌّع. ولكن يمكننا تحقيق المزيد. وظللنا سنوات على سبيل المثال لا نُعيِّن في صفوفنا أمريكيين من ذوي أصول أفريقية. وبدأ ذلك يتغيَّر. وطلبنا من بعض أوسع الزعماء الوطنيين درايةً وفكرا بشأن التنوع مساعدتنا في بناء قاعدة عريضة ومستدامة من التواصل مع مرشحين أمريكيين من ذوي أصول أفريقية يتمتعون بمؤهلات عالية. ووضعنا أهدافاً محدَّدة لتشجيع كبار المديرين على تعيين موظفين أكثر تنوعاً. وإنِّي أتوقع رؤية نتائج ما نقوم به حاليا في العام القادم".

وتساعد جامعة هاورد أيضا في هذه الجهود. وتجري الجامعة ومجموعة البنك الدولي حاليا مناقشات لإنشاء منح تدريبية لطلبة الدكتوراه في مجال الاقتصاد للعمل مع مكتب نائب رئيس البنك لاقتصاديات التنمية. وستتيح هذه المنح التدريبية الفرصة لخريجي جامعة هاورد للانخراط في سياسات وبرامج التنمية التي تؤثر في البلدان في شتَّى أنحاء العالم. وأدعو أيضا كل خريجي جامعة هاورد إلى طلب الالتحاق ببرامجنا الموسعة للمحللين والمهنيين الشباب وهي وسائل ممتازة للحصول على وظيفة في المؤسسة.

ويحدوني الأمل أن تُشجِّع هذه الخطوات وحضوري هنا الكثير منكم على إعداد سيركم الذاتية. ويعمل حاليا 29 من خريجي جامعة هاورد في البنك. ونحن نبحث دائما عن الأفضل والأكثر ذكاءً وقد وجدنا الكثير منهم هنا.

)توقف) 

في عام 1957، منح أمناء جامعة هاورد مارتن لوثر كنغ الابن وجاكي روبنسون الدكتوراه الفخرية في القانون. وكان السيد روبنسون قد تقاعد لتوه من دوري البيسبول الامريكي وعمره 38 عاما، وكان عمر الدكتور كنغ 28 عاما فحسب. وبعد ذلك بستة أعوام وخلال الزحف على واشنطن، وقف أمام نصب لينكولن التذكاري وقال عبارته الشهيرة "عندي حلم" وبعد ذلك بخمسة أعوام أُطلق عليه الرصاص وقُتل.

كان الدكتور كنغ أحد أبطالي. وحينما كنت أكبر وكانت أمي، وهي مدرسة فلسفة، تقرأ علي خطبه وكلماته. واليوم أتذكره لارتباطه بهاورد وإيمانه قبل سنوات بما أصبح الهدفين التوأمين لمجموعة البنك الدولي. 

وقبل أربعة أيام من وفاته، ألقى الدكتور كنغ إحدى عظاته الأخيرة. كان يقف على مبعدة بضعة أميال من الكاتدرائية الوطنية في واشنطن ووصف الفقر بأنه "أخطبوط رهيب" ينشر أذرعه المخيفة في النجوع والقرى في كل أنحاء عالمنا. وقال إنه رآه في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وكذلك في مسيسبي ونيو جيرسي ونيويورك. وتحدَّث عن تحدي "تخليص أمتنا وعالمنا من الفقر". 

وقال الدكتور كنغ لمستمعيه إنه "في خلال بضعة أسابيع" يعتزم أن ينضم إلى آخرين في مسيرة جديدة نحو واشنطن. ووصفها بأنها "حملة الفقراء" من أجل "المطالبة بأن تعالج الحكومة بنفسها مشكلة الفقر". وأوضح أنه في إطار هذه الرسالة لا تُشكِّل الثروة خطأ، إنما هي جزء من الحل. وقال إن قدرات أمريكا بوصفها "أغنى دولة في العالم" تتيح لها "الفرصة للمساعدة على تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء". وربط أيضا بجلاء العدالة بالتنمية الاقتصادية. وبعبارة يتردد صداها بيننا جميعا هنا قال: 

"إذا لم تكن للمرء وظيفة أو دخل فإنه يفتقر إلى الحياة وإلى الحرية وإلى القدرة على البحث عن السعادة. إنه مجرد إنسان موجود". 

إن الهدفين التوأمين لمجموعة البنك الدولي يرتبطان ارتباطا وثيقا بالأجندة التي طرحها الدكتور كنغ في تلك الأيام قبل وفاته أو قبل 56 عاما. وسيتحقق تعزيز الرخاء المشترك من خلال زيادة مستويات الدخل وخلق فرص العمل والتوظيف وتعليم الأطفال وتزويد الجميع بالغذاء والسكن والمياه والرعاية الصحية. وبذلك، ننمي ثروتنا الجماعية وتترقى إنسانيتنا". وعلى حد تعبير الدكتور كنغ "سينثني قوس تاريخنا نحو العدالة".

أدعوكم إلى الانضمام إلى هذه الرسالة. ساعدوا على جعل جيلكم الجيل الذي يقضي على الفقر المدقع ويحد من مظاهر التفاوت وعدم المساواة في أنحاء العالم.

شكراً جزيلاً لكم.