خطب ونصوص

إرسال إشارة من باريس: إحداث تحوُّل جوهري في الاقتصاد لخفض انبعاثات غازات الدفيئة إلى الصفر

2014/12/08

رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم واشنطن العاصمة, الولايات المتحدة

بالصيغة المعدة للإلقاء

مرحبا بالجميع.

أولاً، أودُّ أن أشكر مجلس العلاقات الخارجية على استضافته الكريمة لهذا الحدث. وأشكرك، مارك، على هذا التقديم الرقيق. لقد كانت منظمة حفظ الطبيعة طرفاً فاعلاً مهماً في قضايا تغيُّر المناخ والحفاظ على البيئة في شتَّى أرجاء العالم، وأنت عزَّزت هذا الدور بقيادتك المُبدِعة. ونظراً للوقت الذي قضيتَه في عالم المال، فإنك تعرف جيدا أحد محاور التركيز في حديثي اليوم، وهو أن السياسة الاقتصادية هي مفتاح حشد استجابة عالمية مُنسَّقة للتصدي لتغيُّر المناخ.

لن يكون بمقدوري السفر إلى بيرو لحضور الاجتماع العشرين لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ هذا الأسبوع. ولكنِّي سأتابع الوضع عن كثب، مع سعي مندوبي البلدان لتمهيد الطريق للتوصُّل في غضون عام في باريس إلى اتفاقية من شأنها تغيير أسلوب معيشتنا لأجيال من بعدنا. ويُسعِدُني في هذه اللحظة الحاسمة أن أعود إلى مجلس العلاقات الخارجية لأعرض رؤية مجموعة البنك الدولي للاتفاقية المزمع توقيعها في باريس.

إن مجموعة البنك الدولي تعمل في مجال التصدِّي لتغيُّر المناخ لأنه خطر داهم على التنمية في وقتنا هذا. ونحن نعلم أننا إذا لم نتحرك للتصدِّي لمشكلة تغيُّر المناخ، فلا أمل في إنهاء الفقر أو تعزيز الرخاء المشترك. وفضلا عن ذلك، فإننا كُلَّما تأخَّرنا في التصدي لتغيُّر المناخ، زادت التكاليف التي سيتطلَّبها عمل ما هو صائب لكوكبنا وأطفالنا. وتُوضِّح سلسلة تقاريرنا المُعَنونة "اخفضوا الحرارة"، وأعمالنا لتشجيع النمو المراعي للاعتبارات البيئية، والصلات بين التنمية والمناخ أن ثمار التقدُّم نحو إنهاء الفقر التي تحققت في العقود الأخيرة باتت في خطر.

وفي الشهر الماضي، تم التأكيد على هذه النقاط مع إصدار تقرير التقييم الخامس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ. وثمَّة توافق في الآراء لم يسبقه مثيل بين العلماء على أنه إذا أردنا حقا تثبيت الاحترار العالمي بحيث لا يتجاوز درجتين مئويتين كما اتفق المجتمع الدولي في عام 2009، فإنه يجب علينا خفض انبعاثات غازات الدفيئة إلى الصفر قبل عام 2100.

ما أهمية مؤتمر باريس

في غضون عام من الآن ستُتاح للمجتمع الدولي فرصة لإرسال إشارة واضحة مفادها أننا كمجتمع عالمي مصممون على إدارة اقتصاداتنا بحيث نخفض انبعاثات الغازات الضارة إلى مستوى الصفر قبل العام 2100. ويجد كل بلد نفسه عند مرحلة مختلفة في مسيرة التنمية. ولذلك، فإن وتيرة وإيقاع خفض انبعاثات غازات الدفيئة والاستثمارات التي يضطلع بها كل بلد في مجال التكيف ستتفاوت من بلد إلى آخر. ومع ذلك، لدينا فرصة في باريس لتسليط الضوء على طموحنا الجماعي، ذلك الطموح الذي يمكن ترجمته إلى طلب طويل الأجل على تحقيق نمو نظيف لا يضر البيئة، وتقوية الالتزام بعملية التكيف. وكلما ارتفع سقف الطموح، ارتفع مستوى الطلب على البرامج والمشاريع التي ستُحدث تحولات جوهرية في اقتصادات العالم. وسيبعث ارتفاع مستوى الطموح أيضا رسالة قوية إلى المستثمرين – من القطاعين العام والخاص، على الصعيدين المحلي والأجنبي - بشأن ربحية الاستثمارات طويلة الأجل والطلب عليها في مجال الطاقة النظيفة وشبكات النقل، والزراعة المستدامة والغابات، والمنتجات الجديدة المتسمة بكفاءة استخدام الموارد.

إن باريس يجب أن تكون المكان الذي نطلق فيه صيحة استنفار من أجل تعزيز فعالية إدارة الاقتصادات المحلية والوطنية والعالمية لمكافحة تغيُّر المناخ. ويتوقَّع كثير من المراقبين أن تشتمل الاتفاقية التي يتم التوصُّل إليها في باريس على عدد من المُكوِّنات الجوهرية. ويجب أن يكون كل من هذه المُكوِّنات تعبيراً عن طموح على قدر التحدِّي الذي نواجهه من أجل أن نبعث بإشارة قوية إلى الجهات الاقتصادية الفاعلة في أنحاء المعمورة. ولبلوغ تلك الغاية، يجب أن تشتمل الاتفاقيات التي يتم التوصل إليها في المؤتمر الحادي والعشرين للأطراف على ما يلي:

1.      لغة مُلزِمة تُعزِّز طموحنا الجماعي وترسم مسارا واضحا للوصول إلى خفض صافي الانبعاثات الضارة إلى الصفر قبل العام 2100.

2.      مساهمات من البلدان كل على حدة بحِزَمٍ من السياسات التي تتناول بشكل شامل سبل استخدام كل الأدوات المتاحة على صعيد المالية العامة وسياسة الاقتصاد الكلي لتصحيح الأسعار، وزيادة الكفاءة، والتحفيز على التخلُّص من الانبعاثات الكربونية، ومعالجة مسألة المرونة والقدرة على التكيف لدرء المخاطر.

3.      حزمة تدابير مالية تُؤكِّد على ضرورة استخدام صناديق التنمية العامة وتمويل الأنشطة المناخية في التحفيز على التمويل المبتكر لأنشطة التكيُّف والتخفيف من الآثار. ولا يمكن للتدفقات المالية أن تصل إلى المستويات التي نحتاج إليها في الإطار الزمني اللازم دون شكل ما من سوق مترابطة للكربون تستند إلى آليات السوق والضرائب والبيئات المواتية التي بدأنا نشاهدها في أنحاء العالم.

4.      وأخيراً، ائتلافات عاملة من المؤسسات الخاصة والبلدان والمدن ومنظمات المجتمع المدني التي تمضي قدماً حيثما تتوافق مصالحها.

وعلى النقيض من معاهدات الماضي، يجب أن تتحدث اتفاقية باريس بجلاء عن التحوُّل الجوهري للاقتصاد مثلما تتحدَّث عن الأهداف الخاصة بالتلوُّث وانبعاثات الكربون.

الإدارة الفعّاَلة للاقتصاد

دعوني الآن أتحدَّث أليكم قليلا عما نعتبره إدارةً فعالةً للاقتصاد فيما يتعلَّق بتغيُّر المناخ، وما نأمل أن نراه في "مساهمات البلدان التي تتحدَّد على المستوى الوطني" التي ستُحدِّد التزام كل بلد من البلدان باتفاق باريس وما بعده.

إننَّا نفهم أن كثيرا من البلدان المتعاملة معنا ما زالت تواجه تحدياتٍ إنمائية جساماً، وأن الكثير من البلدان ستصل فيها انبعاثات غازات الدفيئة إلى أقصى مستوياتها في أوقات مختلفة. وإدارة اقتصاداتها لضمان أن يكون بمقدورها، مثلاً، خفض الانبعاثات الكربونية لقطاعات الطاقة فيها بمرور الوقت، مع توفير ما تحتاج إليه من الطاقة من أجل التنمية، يُشكِّل تحدياً لم يُضطر بلد مُتقدِّم إلى مواجهته وهو يسير على طريق التصنيع. ورغم ذلك، فإن كل بلد أياً كانت مرحلة التنمية التي يشهدها، يمكنه السعي جاهدا لإدارة اقتصاده إدارةً فعالة، وخفض الانبعاثات الكربونية الضارة، وفي الوقت ذاته أيضا إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك. ويقتضي هذا، على أقل تقدير، إطلاق إشارات قوية على صعيد السياسات توضِّح الأهداف على الأمد الطويل؛ وآليات لتسعير الكربون؛ وأسعار ملائمة للطاقة ترتبط بمستويات الكفاءة، وإلغاء الدعم الحكومي الضار، بما في ذلك دعم الوقود الأحفوري.

ويجب أن تتعهد كل البلدان بوضع سعر لانبعاثات الكربون. ومن الضروري، وإنْ لم يكن كافياً، التدخل في أي مرحلة باتجاه خفض صافي انبعاثات الدفيئة إلى مستوى الصفر. ويُمكِن إيجاد أسعار فعَّالة لانبعاثات الكربون من خلال الضرائب أو آليات السوق أو وضع قواعد تنظيمية. وأياً كان الخيار الذي يستقر عليه بلد ما أو منطقة أو مدينة، فإن وضع سعر للانبعاثات الكربونية يجعل التلوُّث الذي لا نريده أكثر تكلفةً، ويُحفِّز على توخِّي الكفاءة والإنتاج النظيف.

وقد يؤدي تسعير انبعاثات الكربون إلى زيادة العائدات، ويمكن استخدام هذه الموارد الإضافية في توليد مزيد من المنافع الاقتصادية والاجتماعية. ويُمكِننا تحقيق هذا، على سبيل المثال، من خلال: الانتقال من "فرض ضرائب على السلع" إلى "فرض ضرائب على الملوثين" باستخدام عائدات ضرائب الكربون في خفض الضرائب الخاصة بالعمالة والاستثمار، والتشجيع على تهيئة فرص العمل والتوظيف والتنمية الاقتصادية، أو من خلال مساندة الابتكار وتطوير تقنيات تراعي اعتبارات البيئة عن طريق تقديم دعم للبحوث والتطوير.

والمثل الذي تضربه كولومبيا البريطانية من أكثر الأمثلة قوةً ووجاهةً. فآلية تسعير انبعاثات الكربون التي تُطبِّقها لا تُؤثِّر على دافع الضرائب، فهي ليست زيادة في الضرائب. ووعدت الحكومة الأسر إنها لن تؤثِّر على السعر العام للضرائب المفروضة عليها. ومع تطبيق ضريبة الكربون، تم تخفيض الضرائب على العمالة. وارتفعت ضريبة الكربون التي بدأ العمل بها في ذروة الأزمة المالية عام 2008، من 10 دولارات كندية للطن إلى 30 دولارا كنديا للطن اليوم. وخلال هذه الفترة، أدت الضريبة إلى خفض الانبعاثات الضارة وأتاحت مزية صافية لدافعي الضرائب تتمثَّل في تخفيضات للضرائب على الأفراد ومؤسسات الأعمال قيمتها 300 مليون دولار كندي. وجدير بالذكر أن أداء إجمالي الناتج المحلي لكولومبيا البريطانية فاق باقي أجزاء كندا بعد تطبيق هذه الضريبة.

ولكن تسعير انبعاثات الكربون ليس كافياً لوحده. ويجب تعبئة أدوات أخرى بالتوازي مع إعادة توجيه الاستثمارات نحو التقنيات والقطاعات النظيفة.

ومن الواضح أن تعزيز عوامل ترشيد استخدام الطاقة يعود بالنفع على الجميع، إذ يساعد على تحقيق وفورات للمستهلكين ومنافع تتمثَّل في تحسين نوعية الهواء وخفض الانبعاثات الضارة. وقد يساعد تقوية مستويات الأداء على تحقيق زيادات في كفاءة الأجهزة والمباني ووسائل النقل وقطاع الصناعة. وقد تؤدي مثل هذه الإجراءات الرامية لترشيد استخدام الطاقة إلى خفض الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة بمقدار 1.5 جيجاطن بحلول عام 2020.

وفضلا عن ذلك، فإنه يلزم بذل جهود مُحدَّدة لتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وابتكار تقنيات لتجميع الكربون وحبسه، بوتيرة تتيح لنا الوصول إلى وضع لا يتسبب في زيادة انبعاثات الكربون بنهاية القرن. وسيلزم أيضا الاستثمار في مرافق البنية التحتية. ويمكن لشبكات الكهرباء في كثير من البلدان مع عمليات التطوير أن تُحقِّق معدلات كفاءة أعلى كثيرا، وهي فرصة هائلة على سبيل المثال في الهند، وتتيح ربط موارد الطاقة المتجددة بالشبكات العامة للكهرباء. وفي هذا العام، حينما تم تنفيذ الإصلاح المناسب للوائح التنظيمية وتطوير شبكات الكهرباء، قامت مؤسسة التمويل الدولية -وهي ذراع مجموعة البنك الدولي لمساعدة القطاع الخاص- بتمويل أول محطة للطاقة الشمسية يتم ربطها بشبكة الكهرباء في الفلبين. وتشتد الحاجة أيضا إلى استثمارات في وسائل النقل العام في المدن السريعة النمو في البلدان النامية لتفادي الأنماط التي تفتقر إلى الكفاءة والمُسبِّبة للتلوُّث.

 وقد تأخَّر كثيرا إلغاء الدعم الضار للوقود الأحفوري. ويجري في العالم اليوم تقديم ما قيمته 500 مليار دولار من الدعم المباشر الضار للوقود الأحفوري الذي تذهب معظم منافعه للموسرين، ولا يفعل شيئا لمساعدة الفقراء والبيئة. ويمكن استخدام هذه الأموال على نحو أفضل بالاستثمار في مجال تعزيز القدرة على مجابهة تغير المناخ، أو الرعاية الصحية، أو التعليم، أو في دعم التقنيات التي تساعد على تخفيض الانبعاثات الضارة.

وقد ظلَّت مسألة إلغاء الدعم طويلا قابعة في سلة "الأمور البالغة الصعوبة من الناحية السياسية" في مكاتب زعماء البلدان. وأثبتت بلدان مثل البرازيل والجمهورية الدومينيكية وإندونيسيا والمكسيك أن إلغاء دعم الوقود الأحفوري تدريجيا يمكن أن تنجح وتعود بالنفع على الفقراء إذا اقترنت بتحسين شبكات الأمان وتحويلات نقدية موجهة للمستحقين. وإذ وجدت حزمة سياسات تشتمل على هذه المُكوِّنات، فإنها ستضفي مصداقية على عملية التحوُّل، وتتيح الثقة والقدرة على التنبؤ التي يحتاج إليها كل المستثمرين والمستهلكين لتغيير خياراتهم وسلوكياتهم. ومن شأن إدراج هذه المُكوِّنات في مساهمات البلدان التي تتحدَّد على المستوى الوطني أن يُظهِر مدى التزام كل بلد على حدة بالقيام بدوره في الانتقال نحو اقتصاد عالمي خال من الانبعاثات الكربونية. وسيُمهِّد ذلك أيضا الطريق للأعمال الضرورية اللازمة قبل التنفيذ في عام 2020 لمساهمات البلدان.

وتتطلَّب الإدارة الفعالة للاقتصاد أيضا إيجاد سبل زيادة الاستثمار في القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ. ويجب أن تتناول مساهمات البلدان بعد ذلك أيضا إجراءات للتكيُّف مع الآثار. ومن الضروري أن تُنفِّذ الحكومات السياسات اللازمة لتقوية القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ وضمان أن تأخذ التنمية المخاطر المناخية في الحسبان. وسيراً على هذا النهج، يمكن لأية حكومة مركزية مساندة المدن وتشجيعها على أن تتحوَّل إلى مدن أكثر نظافةً وملاءمة للعيش فيها، وقد يجلب ذلك منافع هائلة. وبوسع المدن السريعة النمو تنفيذ التخطيط الحضري الذي يساعد على توجيه مشاريع التطوير العمراني الجديدة نحو أماكن آمنة، ويُمكنها أيضا عند تخطيط منظومة النقل فيها تحسين القدرة على مجابهة تغيُّر المناخ وتحقيق القدرة على المنافسة في الوقت ذاته. وأخيراً، يحدونا الأمل أن مساهمات البلدان سترسي إطارا واضحا للسياسات بشأن السبل التي يمكن بها للغابات والزراعة تلبية احتياجات التغذية والأمن الغذائي، ومساندة سبل كسب الرزق في المناطق الريفية، وخفض الانبعاثات الناجمة عن استخدام الأراضي.

وإذا استطاعت البلدان عرض هذه المساهمات الشاملة، فإن الإشارة الموجَّهة إلى الجهات الاقتصادية الفاعلة ستكون قوية. ولكن حتى تتكاتف هذه الجهود وتفضي إلى خفض صافي الانبعاثات الضارة إلى مستوى الصفر، سيتعيَّن علينا إيجاد التمويل الكافي. وهذا هو المُكوِّن الحاسم في اتفاقية باريس.

وثمة شواهد وقرائن قاطعة تشير إلى أنه إذا استخدمت البلدان قدراتها التنظيمية في تصحيح السياسات، والتحفيز على الاستثمارات النظيفة، واستخدمت المجموعة الكاملة من أدوات السياسات المتاحة لها، فإنها ستشهد زيادة في التدفقات الاستثمارية إليها.

وقد تبنَّى المغرب، على سبيل المثال، أهدافاً طموحة للطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة وتخفيض الدعم للوقود الأحفوري ووضع إطارا قانونيا جذاباً. وكانت نتيجة ذلك، أن هذا البلد أصبح معروفاً بأنه مركز لابتكارات الطاقة الشمسية، وشهد نمو استثماراته في الطاقة المتجددة من 297 مليون دولار في عام 2012 إلى 1.8 مليار دولار في عام 2013. وتتَّبِع بلدان أسواق صاعدة أخرى مثل شيلي وجنوب أفريقيا إستراتيجيات تستند إلى اعتبارات تمليها السياسات وحقَّقت نتائج مماثلة.

ويتضح الطلب القوي من المستثمرين على الاستثمارات الملائمة والمراعية للبيئة في السرعة التي استجاب بها المستثمرون للسوق المتنامية للسندات الخضراء. وتم حتى الآن هذا العام إصدار ما قيمته نحو 35 مليار دولار من السندات الخضراء، وبدأت تتشكَّل سوق نشطة ورائجة للائتمانات الخضراء المراعية للبيئة.

ولكن السندات الخضراء لن تكون الحل لأشد الناس تعرضا للمعاناة، لاسيما في أقل البلدان نموا والدول الهشة والمتأثرة بالصراعات. وفي هذا الصدد، ستلعب صناديق التنمية العامة وتمويل الأنشطة المناخية دوراً حيوياً. وسيتعيَّن في المستقبل أن تساعد هذه الأموال بدرجة أكبر من أي وقت مضى في تلبية الاحتياجات الكثيرة القائمة.

ويجب أن يهدف التمويل الإنمائي إلى تعميم أنشطة التكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ لضمان الفعالية. وما نعرفه الآن هو أنه لا توجد تنمية خارج سياق تغيُّر المناخ. وسيكفل الاستثمار في تدريج الحقول في سفوح الجبال في سانت لوشيا نجاح الاستثمارات في زيادة الإنتاجية الزراعية حيث أصبح المزارعون مستعدين لمواجهة سقوط الأمطار بشكل أكثر كثافة. والحرص على بناء المدارس وفقاً للقواعد السليمة في نيبال يُنبئ بأن الاستثمارات في التحصيل التعليمي ستكون محميِّة لأن البنية التحتية للمدارس تكون أكثر قدرة على مجابهة العواصف. والاستثمار في إعادة استزراع أشجار المنغروف قبالة ساحل فييتنام قد يتبيَّن أنه أقل تكلفةً في حماية الخط الساحلي من استخدام الخرسانة وحديد التسليح، وقد يُعزِّز الإيرادات التي يتم تحصيلها من مناطق صيد أكثر غنى. وكل من هذه المشاريع هو مشروع إنمائي. وكل منها سيعد استثماراً في الأنشطة المناخية. وهذا هو المجال الذي يترافق فيه التمويل الإنمائي وتمويل الأنشطة المناخية على الأمد الطويل.

وقد اتخذت مجموعة البنك الدولي خطوات رئيسية هذا العام بتطبيق نظام تمحيص مخاطر المناخ والكوارث في قروضنا للبلدان المتعاملة مع المؤسسة الدولية للتنمية (ذراع المجموعة لتمويل أشد بلدان العالم فقراً). ووضعنا أيضا خططا متعددة القطاعات للتكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ ستُنفَّذ في البداية في 25 بلداً من البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية. وإذا تبيَّن أنها مفيدة، فإننا سنوسِّع نطاق تطبيق هذه المبادرة. ويحدونا الأمل أن تستخدم البلدان مثل هذه الخطط للتكيُّف التي وُضعِت تحت إشراف المؤسسة الدولية للتنمية في إعداد مشاريعها بفاعلية من أجل صندوق المناخ الأخضر.

تمويل الأنشطة المناخية سيتدفق عبر مختلف القنوات

إنَّنا نعلم أن تمويل الأنشطة المناخية سيتدفق عبر قنوات كثيرة. وقبل أكثر من ستة أعوام، أنشأنا صندوقي الاستثمار في الأنشطة المناخية اللذين يقومان بدور رائد في الاستثمار في مشاريع تنطوي على تحوُّلات جوهرية من أجل التصدي لتغيُّر المناخ، واستخلاص الدروس في كيفية تعظيم نواتج الأنشطة المناخية. فمن محطة توليد الكهرباء باستخدام طاقة الرياح المرتبطة بشبكة الكهرباء العامة في المكسيك، إلى أول محطات على نطاق واسع للطاقة الشمسية المُركَّزة في المغرب، إلى خطط بناء القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ في بوليفيا وهايتي، إلى أرباب العمل الحر في مجال الطاقة الشمسية من السكان الأصليين في تايلند، أظهرت مشاريع صندوقي الاستثمار في الأنشطة المناخية وبرامجهما كيف يمكن للبلدان والقطاع الخاص تعبئة الأموال العامة من أجل الأنشطة المناخية واستخدامها. وتهدف خطة صندوقي الاستثمار في الأنشطة المناخية إلى الاستفادة من موجوداته التي تبلغ قيمتها 8.3 مليار دولار في تعبئة تمويل آخر بقيمة 57 مليار دولار من أجل مساندة الاستثمارات التي تقودها البلدان المعنية بهدف خفض صافي انبعاثات الغازات الضارة إلى الصفر وتعزيز التنمية التي تتسم بالقدرة على الصمود في وجه تغيُّر المناخ. وفي الأسبوع الماضي، قرر المساهمون وغيرهم من أعضاء مجلس الإدارة تمديد عمليات الصندوقين عامين آخرين، وتقديم مزيد من التمويل لضمان أن يكون بمقدورنا الاستمرار في تلبية احتياجات البلدان مع إنشاء صناديق أخرى.

وإننا نشيد بالتعهد الأولي لصندوق المناخ الأخضر التابع للأمم المتحدة بتقديم 9.9 مليار دولار. وسيكون أثره بالغاً إذا استخدم هذه الأموال مثلما يفعل صندوقا الاستثمار في الأنشطة المناخية لحفز استثمارات جديدة في خفض انبعاثات الغازات الضارة وتعزيز القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ. وإننَّا نتطلع إلى الاستفادة من أموال صندوق المناخ الأخضر مع الأموال التي نقدمها لتعظيم الآثار.

 

من الضروري أن نستثمر الآن في تعزيز القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ

إن التوصل إلى اتفاقية قوية في مؤتمر باريس سيبعث بإشارات فورية، حتى وإن كان مُكوِّنها الإلزامي لن يدخل حيز التنفيذ إلا في عام 2020. وهذا يعني أن المُكوِّنات الأخرى للاتفاقية يجب أن تعالج الاحتياجات الحاسمة الأهمية والملحة لتحقيق زيادة كبيرة الآن في استثماراتنا في تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية.

وثمة مبررات اقتصادية وجيهة لذلك. ففي مقابل كل دولار يُستثمر في تعزيز القدرة على مجابهة، يمكننا توفير 4 دولارات من تكلفة تخفيف الآثار. وفي مقابل كل دولار يُستثمر في نظم الإنذار المُبكِّر يمكننا توفير ما يصل إلى 30 دولاراً من تكاليف إعادة البناء والإعمار. وتكلفة التراخي عن التحرُّك واتخاذ إجراء آخذة في الارتفاع. فقد ارتفعت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن المخاطر الطبيعية من 50 مليار دولار في كل عام في ثمانينيات القرن الماضي، إلى ما يقل قليلاً عن 200 مليار دولار سنوياً في العقد المنصرم. وإلى جانب الخسائر الاقتصادية، زادت أيضا الخسائر المتصلة بالتأمين من جراء الظواهر المناخية القاسية زيادةً كبيرة. وتذهب تقديرات شركة سويس ري (SwissRe) إلى أنه خلال السنوات العشر الماضية، تزايدت الخسائر المتصلة بالتأمين من جراء الظواهر المناخية القاسية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وتضيق أيضا الفجوة بين الخسائر الكلية والخسائر المتصلة بالتأمين. وتظهر أيضا تقديرات مؤسسة سويس ري أن 75 في المائة من الخسائر المتصلة بالكوارث في أنحاء العالم ما زالت غير مؤمَّن عليها.

وسنستخدم في مجموعة البنك الدولي سجل أدائنا الحافل من أجل الابتكار المالي في البحث عن سبل لضخ أموال جديدة لمرة واحدة، وتقوية التغطية التأمينية لبناء القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ على الفور، وألا ننتظر إلى العقد القادم.

وكما أنه ينبغي لنا ألا نتأخَّر عن توسيع نطاق الجهود لبناء القدرة على مجابهة آثار تغيُّر المناخ، فإنه يجب علينا أيضا ألا ننتظر للتحرك على جبهات أخرى.

وقد شهدنا في السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة، وهي ما سمَّاه البعض "الائتلافات العاملة". فمع الشعور بالاستياء وخيبة الأمل من بطء وتيرة المفاوضات وصعوبة التوصل إلى توافق فيما بين كل أعضاء الأمم المتحدة البالغ عددهم 193، قررت ائتلافات من أصحاب المصلحة المضي قدماً على هذا الطريق. وفي قضيةٍ تلو الأخرى، وجدت الحكومات والشركات والأوساط العلمية ومنظمات المجتمع المدني أن مصلحتها تكمن في العمل معا للتغلُّب على الصعاب في صياغة اتفاقات مُلزِمة. وفي الواقع، مهدت هذه الائتلافات الطريق إلى اتفاق أوسع نطاقا، وساعدت على تسريع وتيرة جمع البيانات، وبناء الشواهد، والتحرُّك.

وهذا ما جعل البلدان الغنية بالغابات وغيرها من أصحاب المصلحة تمضي قدماً بمبادرة خفض الانبعاثات الناجمة عن إلغاء الأحراج وتدهور الغابات، وهو الجهد الذي يرمي إلى خفض الانبعاثات الناجمة عن إلغاء الغابات. ودفع هذا الاستعداد للعمل في إطار من الشراكة أيضا إلى بذل جهود لإلغاء المُلوِّثات المناخية قصيرة الأمد من الغلاف الجوي، ومبادرة الطاقة المستدامة للجميع، وتطوير أساليب زراعية في أفريقيا تراعي اعتبارات المناخ وتخفض الانبعاثات الضارة وتساعد على تهيئة فرص العمل في المجتمعات الريفية، وإطعام سكان العالم الذين تتزايد أعدادهم. وأرجو أن تسلم اتفاقية باريس بأهمية هذه الائتلافات في حث خطى المضي قدماً. وبالنسبة لنا في مجموعة البنك الدولي، أصبحت الشراكة في مثل هذه الائتلافات عنصرا أساسياً في استكشافنا لأشكال جديدة من المساندة للبلدان المتعاملة معنا.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمجموعة البنك الدولي؟

منذ انضمامي إلى مجموعة البنك الدولي قبل عامين ونصف، بدأنا قياس انبعاثات غازات الدفيئة للمشاريع في القطاعات الرئيسية، ووضع سعر داخلي لانبعاثات الكربون كنموذج إرشادي لمُصمَّمي المشاريع، وذلك بالإضافة إلى تقييم كل المشاريع وكل خطة قطرية يتم تمويلها من خلال المؤسسة الدولية للتنمية من أجل مواجهة مخاطر المناخ والكوارث. ونعكف الآن على مناقشة سعر الخصم الذي نستخدمه وسيُحدِّد كيف نقيس المنافع الاقتصادية على الأمد الطويل، وبدأنا العمل في إعداد مؤشر للقدرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية.

ونقوم بتنسيق تمويلنا للأنشطة المناخية مع بنوك التنمية متعددة الأطراف الأخرى، ووضعنا كمجموعة من البنوك طريقة مشتركة لقياس إجراءات التخفيف التي تحقَّقت من خلال الموارد التمويلية التي نقدمها. ونوشك على الاتفاق على مقياس مشترك للتكيُّف في مشاريعنا. ويحدونا الأمل، في المستقبل القريب، أن تصطلح كل بنوك التنمية متعددة الأطراف والمؤسسات المالية الثنائية المنضوية في إطار النادي الدولي للتمويل الإنمائي على أسلوب محاسبي مشترك.

وتُؤلِّف كل هذه الإجراءات مجموعة أدوات فعالة لفهم أثر الانبعاثات الكربونية في محفظة عملياتنا – أي بصمتنا الكربونية - وتتيح لنا معلومات إدارة مهمة في اختيار المشاريع وتصميمها. وستُساعد هذه الأدوات أيضا المجتمع الدولي على معرفة ما هي منافع التخفيف والتكيُّف التي تتحقَّق من توجيه تمويل الأنشطة المناخية من خلالنا، وما هي المنافع التي نُحقِّقها من تلقاء أنفسنا.

وفي العام المنصرم، غيَّرنا الطريقة التي ندير بها أطرا شراكاتنا القطرية وأدواتنا التشخيصية القطرية. وسيؤدي هذا إلى النظر على نحو متزايد إلى أعمالنا لمساندة البلدان المتعاملة معنا من منظور المناخ، وقد يصبح طريقا لمساندة البلدان في تنفيذ مساهماتها المُحدَّدة للتصدي لتغيُّر المناخ.

إنَّنا في حاجة إلى تحدِّي أنفسنا حتى تسترشد كل إستراتيجية إقليمية وقطرية وكل إستراتيجية قطاعية في مختلف مؤسسات مجموعة البنك الدولي بإيماننا أنه يجب أن تنجح البلدان المتعاملة معنا في الوصول إلى هدف خفض صافي الانبعاثات الضارة إلى مستوى الصفر.

وسيتطلَّب هذا تحوُّلا متواصلا في توجيه محفظة عملياتنا في مجال الطاقة لمساندة تيسير الحصول على الطاقة للجميع، وزيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتوسيع نطاق المساندة لعمليات ترشيد استخدام الطاقة. وسيتطلَّب أيضا المساندة المستمرة للنقل النظيف ومدن أكثر ملاءمة للعيش فيها وتطوير سوق للبناء الأخضر المراعي لاعتبارات البيئة. ويقتضي هذا تحويل محفظة عملياتنا الزراعية نحو الزراعة المراعية لاعتبارات المناخ، وزيادة المساندة لأسواق الكربون المترابطة على مستوى العالم، وتعزيز الابتكارات المالية من أجل حشد الاستثمار في تنمية منخفضة الانبعاثات الكربونية.

وفي هذا المنعطف الحاسم، في ليما وفي السنة الفاصلة بين اجتماعي ليما وباريس، أنوي حث مجموعة البنك الدولي وغيرها من مؤسسات التمويل الإنمائي أن تصبح شركاء على الأمد الطويل في هذا الجهد من أجل خفض الانبعاثات الكربونية في العالم. وإنِّي أعرض اجتماعاتنا الربيعية والسنوية كمكان للمساعدة على رفع سقف طموحنا مع وزراء المالية وغيرهم من الجهات الاقتصادية الفاعلة على مائدة المفاوضات. وسنساند قيادة ألمانيا لمجموعة السبع وقيادة تركيا لمجموعة العشرين لضمان أن تساند هذه المحافل الاتفاقية التي يتمخض عنها مؤتمر باريس ويبعث بالإشارة القوية التي نحتاج إليها.

واليوم، أُرسِل من جانبي إشارة بصفتي رئيس مجموعة البنك الدولي مؤداها: أنني سأوجِّه مؤسستنا وكل قدراتنا المالية والفنية والبشرية لمساندة هذا التحوُّل على طريق التنمية الذي يجب أن نسانده معاً وصولاً إلى هدف الحفاظ على كوكبنا من أجل كل الأجيال القادمة. شكراً جزيلاً لكم.