Skip to Main Navigation
09/17/2020

كيف نعيد البناء على نحو أفضل بعد أزمة تفشي فيروس كورونا؟ نهج عملي يجري تطبيقه في فيجي

أطفال من قرية فني سافي سافي في فيجي يجلسون في قارب القرية أثناء توجههم إلى بقعتهم المُفضَّلة للسباحة، وهي تجويف عميق في الشعاب المرجانية يُطلق عليها "المقبرة" غير بعيدة من الشاطئ. بعدسة: ألانا هولمبرغ / البنك الدولي

بقلم سام فارغر وإستيفاني هاليغات

تواجه جمهورية فيجي، شأنها شأن أي بلد آخر، تحدي التعامل مع تبعات جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، وهو تحد لم يسبق له مثيل. ومع أن أعداد حالات الإصابة بالمرض لا تزال متدنية، فإنه في بلدٍ تشكل فيه السياحةُ الدوليةُ الركيزة الأساسية لاقتصاده، خلَّفت الأزمة تداعياتٍ هائلة. فمن المتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي بنسبة تزيد على 20% في عام 2020، مع هبوط نسبته 75% لأعداد السائحين الأجانب القادمين، وفقدان 40 ألف وظيفة بالفعل في قطاع السياحة. وفي مواجهة الأزمة، تعكف الحكومة على تصميم حزمة تنشيط اقتصادي بقيمة 3.7 مليارات دولار فيجي لحماية السكان ودعم النشاط الاقتصادي.

فكيف ينبغي لفيجي أن تُخصِّص هذه الموارد؟ هل يُمكِنها أن تفعل هذا على نحو يكفل تحقيق منافع قصيرة الأجل بحماية السكان من تأثيرات آثار الأزمة الراهنة، وبلوغ الأهداف الأطول أجلا ببناء اقتصاد مستدام أكثر احتواءً وازدهارا؟ وكيف يمكنها تقييم الإجراءات التدخلية التي تُحقِّق الأمرين كليهما؟ وهل مِن دروسٍ مستفادة لتنتفع منها بلدان أخرى تواجه التحدي نفسه؟ مع أن حزمة التنشيط الحالية التي أعلنتها الحكومة تتركَّز على خفض الضرائب والرسوم الجمركية، فإن برامج التنشيط الاقتصادي تشتمل في العادة على استثمارات وتهدف إلى إيجاد الوظائف، وما مِن سببٍ يحول دون أن تُسهِم هذه الاستثمارات والوظائف في النمو المستدام طويل الأجل.

Image

ولكن ليس لكل إنفاق تنشيطي منافع طويلة الأجل - بل إنَّ المُفكِّر الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز اقترح فيما عُرِف عنه ملء زجاجات بأوراق النقد القديمة ودفنها حتى يتم توظيف أناس لاستخراجها، وهو نهج قد يُؤدي إلى إيجاد وظائف وتحقيق دخْل في الأمد القصير لكن من الواضح أنه إهدار للموارد. وفي المقابل ليس كل استثمار طويل الأجل قادرا على تحقيق تنشيط اقتصادي قصير الأجل - فعلى سبيل المثال فإن مشروعات البنية التحتية غالبا ما يستغرق تصميمها والموافقة عليها سنوات، ولذا لا يمكنها إيجاد الكثير من الوظائف على وجه السرعة ما لم تكن جاهزة بالفعل للتنفيذ. فكيف يُمكِن للبلدان تحديد السبيل الأنجع والأنفع بين هاتين الغايتين، بمجموعة من الإجراءات التدخلية التي تحقق منافع قصيرة وطويلة الأجل على السواء، وتخلق التآزر وتضافر الجهود بين العديد من أهداف السياسات؟

لتوجيه البلدان للإجابة عن هذه الأسئلة، اقترح البنك الدولي البدء من الخطط القائمة طويلة الأجل - بما في ذلك خطط التنمية الوطنية - ووضَع قائمة مرجعية مقترحة للاستدامة. والقصد من هذه القائمة المرجعية هو مساعدة واضعي السياسات على أن يُحدِّدوا في تلك الخطط المشروعات والسياسات والتدابير المحتملة الأكثر ملاءمة لإدراجها في حزمة تنشيط اقتصادي على أن يكون الهدف الرئيسي هو تحقيق منافع قصيرة وطويلة الأجل على السواء. وفي هذا المقال، نُطبِّق هذه القائمة المرجعية على فيجي، ونتطلع إلى عرض تصميم حزمة تنشيط من شأنها الحد من التداعيات قصيرة الأجل لجائحة كورونا، وأن تجعل فيجي أكثر قدرة على الصمود مستقبلا في وجه المخاطر الطبيعية، وتغيُّر المناخ، والصدمات الخارجية الأخرى.

وجدير بالملاحظة أن هذا التطبيق هو لأغراض البيان العملي، وأن الغاية هي إظهار كيف أنه يمكن الجمع بين الاعتبارات قصيرة وطويلة الأجل في نهج واحد، وكيف يمكن للخطط الحالية أن تكون أساس تحديد إجراءات تدخلية واعدة خلال فترة التعافي. ومع أن نُهُج التخطيط التقليدية تُركِّز على الأجل الطويل، فإننا في هذا المقام نضيف العناية الواجبة بالاحتياجات المُحدَّدة لهذه الفترة التي لم يسبقها مثيل. غير أن الاختيار الفعلي للمشروعات سيتطلب مزيدا من العمل والانخراط في الإجراءات الخاصة بالبلد.

لا تُؤجِّل اليوم ما يساعدك على التأهب لما يُخبئه الغد

بالنسبة لفيجي أحد الأهداف الحيوية طويلة الأجل هو بناء القدرة على الصمود في وجه الصدمات الطبيعية. والكوارث الطبيعية ليست غريبة على هذا البلد. ففي أوائل عام 2016، عصف بجزر فيجي الإعصار الاستوائي ونستون، وهو أقوى الأعاصير الاستوائية وأكثرها تدميرا الذي اجتاح البر في نصف الكرة الجنوبي. فقد لقي زهاء 40 شخصا حتفهم، وتضرر أكثر من 60% من السكان، وأصبح نحو 131 ألف شخص بلا مأوى، وضاع أكثر من ثلث إجمالي الناتج المحلي لفيجي في 36 ساعة.

"فقدنا كل شيء. وفي صباح اليوم التالي، أشرقت الشمس وكأن شيئا لم يحدث. وبدا الأمر وكأن قنبلة ألقيت على القرية لأنه لم يبق شيء، وضاع كل شيء حتى ملابسنا."

رايفوليتا "راي" تابوسورو

العمدة السابق لقرية نابوكادرا

Image
راي تابوسورو يقف في موقع ما كان فيما مضى منزله ومنزله حاليا ومستقبلا في نابوكادرا، وهي قرية ساحلية في إقليم را في فيجي. كان إقليم را من أشد الأقاليم تضررا من الإعصار ونستون في عام 2016. بعدسة: ألانا هولمبرغ / البنك الدولي

مع بدء جهودها الهائلة لإعادة البناء والتعافي بعد الإعصار الاستوائي ونستون، أدركت فيجي أنها ستبني قدرتها على الصمود من خلال إعادة الإعمار بعد الكارثة على أسس أقوى وبوتيرة أسرع وعلى نحو أكثر احتواء، فأطلقت برنامج "إعادة البناء على نحو أفضل".

"لقد علَّمتنا المأساة أن التنمية الاقتصادية والقدرة على الصمود في وجه تغيُّر المناخ يجب أن يكونا شيئا واحدا. فالاستثمارات التي نقوم بها في مجال التكيُّف تنقذ الأرواح، وتُجنِّبنا تكاليف إعادة البناء مرات ومرات - إنها تمنح اقتصاداتنا القدرة على الصمود للتعافي بعد الكوارث المناخية دون الاضطرار للبدء من جديد وإعادة رسم مسار تقدمنا."

فخامة أياز سيد قيوم أكتوبر/تشرين الأول 2019

المدعي العام ووزير الاقتصاد والخدمة المدنية والاتصالات

لاتخاذ قرارات استثمارية مدروسة من أجل المستقبل، عملت حكومة فيجي مع البنك الدولي لوضع تقييم لمواطن الضعف في مواجهة تغير المناخ وهو أول تقييم من نوعه تشهده البلاد. وحاول التقييم الذي يرتكز إلى التجارب المناخية الحية لشعب فيجي تحديد حجم المخاطر الناجمة عن الكوارث الطبيعية وتغير المناخ على فيجي وتحسين فهمها من أجل تصميم خطط للتكيف مع تقلبات المناخ وإدارة المخاطر.

وحدَّد التقييم خمسة مجالات رئيسية يُمكِن أن تحد بدرجة كبيرة من مواطن الضعف في البلاد، ومن هذه المجالات التنمية الحضرية الشاملة والمرنة، وخدمات البنية التحتية المُعزَّزة والقادرة على الصمود، والزراعة ومصائد الأسماك المستدامة، والحفاظ على النظم البيئية، وبناء القدرة على الصمود على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي من خلال إجراءات من أجل الإنذار المبكر والتأهب، والحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية. وكانت نتيجة التقييم قائمة مقترحة تضم 125 إجراء تدخليا في 10 قطاعات: الإسكان واستخدام الأراضي، وإدارة المخاطر، والنقل، والمياه، والطاقة، والصحة/التعليم، والبيئة، والزراعة، ومصائد الأسماك، والحماية الاجتماعية. وكانت التكلفة التقديرية الإجمالية لتنفيذ كل الإجراءات التدخلية 9.3 مليارات دولار فيجي (ما يعادل تقريبا 100% من إجمالي الناتج المحلي) على مدى 10 أعوام مضافا إليها تكاليف الصيانة والتشغيل والنفقات الاجتماعية.

قوتك في معرفة مواطن ضعفك

إن جائحة كورونا مجرد اختبار آخر لقدرة البلاد على الصمود في وجه المصاعب. وقد نجحت فيجي نسبيا في احتواء المرض، إذ لم يتم تسجيل سوى 32 حالة إصابة بالمرض ووفاة شخصين حتى 10 سبتمبر/أيلول. وساعد إغلاق الحدود الذي تم تنفيذه تنفيذا صارما منذ 25 مارس/آذار على احتواء حالات الإصابة بالمرض، لكن ذلك تحقق بتكلفة اقتصادية باهظة. فما لا يقل عن 150 ألف مواطن فيجي، أي قرابة نصف أفراد القوى العاملة يواجهون إما تقليص دخولهم أو فقدان وظائفهم، وتوقَّف معظم النشاط في قطاع السياحة الذي يساهم بنسبة تبلغ نحو 40% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.

لكن حركة الطبيعة لا تتوقف أثناء الجوائح والأوبئة. ففي أبريل/نيسان 2020، شهدت فيجي صدمة ثانية: إذ أصاب الإعصار الاستوائي هارولد -وهو عاصفة من الدرجة الرابعة- البلاد متسببا في أضرار تقدر قيمتها بمبلغ 44 مليون دولار فيجي وتدمير 635 منزلا على الأقل وإصابة 2100 منزل بأضرار.

وكان الإعصار هارولد أول عاصفة كبيرة تختبر معايير البناء الأكثر مرونة والقادرة على الصمود التي استخدمت في عمليات إعادة الإعمار بعد الإعصار الاستوائي ونستون في 2016. فمن بين 181 مدرسة و25 مبنى عاما اكتمل بناؤها حتى الآن في إطار برنامج "إعادة البناء على نحو أفضل"، لم يصب أيُ منها بأضرار. وحقَّق هذا مكسبا ذا شقين لفيجي - حماية سكان فيجي أثناء الأزمة، وتجنيب ميزانية الحكومة التكاليف الباهظة لإعادة البناء.

وتُبيِّن الخبرات المكتسبة من كوارث سابقة في فيجي المنافع التي يجلبها الاستثمار في القدرة على الصمود. ومع ازدياد المخاطر التي تثيرها التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتوسُّع العمراني، مازال يتعين عمل المزيد من أجل تعزيز القدرة على الصمود. وفي هذا السياق، من الواضح أن اعتماد برنامج للتنشيط الاقتصادي سيكون ذا نفع كبير للأفراد، والمجتمعات المحلية، والبلاد إذا كان يلبي الاحتياجات قصيرة الأجل، ويُعزِّز في الوقت نفسه الاستدامة والقدرة على الصمود في الأجل الطويل. ويُمكِن الاستفادة بشكل مباشر من هذا الدرس في أزمة جائحة كورونا: فتدابير التنشيط الاقتصادي التي ستُصمَّم لتحفيز التعافي الاقتصادي للبلدان من الجائحة هي استثمار لا يتكرر خلال جيل كامل ويُمكِن أن يساعدها أيضا على الصمود في وجه المخاطر والصدمات في المستقبل. ويُتيح نهج فيجي في "البناء على نحو أفضل" منطلقا فريدا لدراسة كيف يُمكِن تدعيم استجابة هذا البلد في التصدي للأزمة الحالية.

"[نحن نقوم بتدريس الطلاب] عن التلوث وكيف تحدث الانهيارات الأرضية من جراء إزالة الغابات أو الاستخدام المفرط للكيماويات أو إشعال الحرائق. فالأمر يتعلق باستكشاف العوامل المُسبِّبة لتغير المناخ ... وأنماط الطقس المتغيرة وكيف يسهم البشر فيه وكيف يمكن منعه."

أسميتا أشوين كمال، نوفمبر/تشرين الثاني 2017

مُعلِّمة في مدرسة بايلي ميموريال

إعادة البناء على نحو أفضل: إليكم الطريقة

إذًا ما الذي يتطلَّبه تطبيق هذا المبدأ الأساسي لتحقيق تعاف مستدام على السياق الراهن؟ لحسن الحظ، ليست حكومة فيجي مضطرة إلى البدء من الصفر، ويمكنها البناء على التحليلات القائمة، في هذه الحالة، الإجراءات التدخلية البالغ عددها 125 التي تم تحديدها في تقييم مواطن الضعف في مواجهة تغير المناخ الذي على أساسه طبَّقنا قائمتنا المرجعية للاستدامة لإجراء فحص أولي.

Image

واستُخدِم أسلوب بسيط لتصنيف مستويات الأداء قياسا على الأبعاد الخمسة والثلاثين في قائمة الفحص المرجعية، حيث يشير "1" إلى مستوى "جيد" (على سبيل المثال هذا الإجراء التدخلي يؤدي إلى إيجاد وظائف قصيرة الأجل)، "0" يشير إلى مستوى "غير مهم" أو "يتطلب مزيدا من المعلومات" و "-1" يشير إلى مستوى "سيئ" (على سبيل المثال هذا الإجراء لا يؤدي إلى إيجاد وظائف قصيرة الأجل). ولم نكن نهدف إلى قياس عدد الوظائف أو المضاعفات الاقتصادية في مختلف القطاعات. وبدلا من ذلك، استخدمنا الأدبيات الوفيرة في هذا الموضوع من أجل تحديدٍ نوعي للأبعاد التي من المتوقع أن يكون أداء كل إجراء تدخلي فيها جيدا أو سيئا.

علاوةً على ذلك، إذا كان أداء إجراء تدخلي ما سيئا قياسا على بُعْدٍ يُعتَبر بالغ الأهمية لتصميم برنامج التنشيط الاقتصادي على أساس "إعادة البناء على نحو أفضل" فحينئذ يتم استبعاد هذا الإجراء التدخلي تلقائيا (- تشتمل مذكرتنا الفنية على تحليل متعمق للمنهجية والنتائج). وكان التقييم سريعا وبسيطا تمشيا مع روح قائمة فحص مرجعية تهدف إلى تحديد الإجراءات التدخلية الواعدة المقترحة التي ستخضع لمزيد من التحليل ومزيد من الشواهد التي يتم تجميعها قبل التنفيذ.

ونتيجةً لهذا الفحص المبدئي، تم تخفيض الإجراءات التدخلية من 125 إجراء تدخليا رئيسيا إلى 63. وكما هو مبين في الشكل التالي، تشير نتائج الفحص إلى أنها جميعا سجَّلت أداءً قويا فيما يتصل بالقدرة على الصمود: لا عجب في ذلك لأن تقييم مواطن الضعف في مواجهة تغيُّر المناخ هو في الواقع خطة لبناء القدرة على الصمود. لكن كان أداؤها أيضا جيدا فيما يتصل بالنمو طويل الأجل. ومرةً أُخرى، يمكن توقع بعض هذه النتيجة نظرا لتصميم التقييم بهدف دعم النمو المستدام طويل الأجل. ولكن ثمَّة أيضا ما يبعث على التفاؤل: هذه الإجراءات التدخلية الثلاثة والستين تجلب أيضا بعض المنافع قصيرة الأجل أثناء الكساد. ويعني ذلك أن كلا من هذه الاستثمارات قد يؤدي إلى إيجاد وظائف تشتد الحاجة إليها للعاملين من السكان في فيجي، وتعزيز الإنفاق الذي سيطلق العنان للنشاط الاقتصادي المحلي.

الشكل 1: أداء الإجراءات التدخلية المختلفة قياسا على مختلف فئات التصنيف في القائمة المرجعية.

Image

سؤال المليار دولار فيجي

في 26 مارس/آذار 2020، في إطار التدابير التي اتخذتها لمواجهة الجائحة، أعلنت حكومة فيجي عن حزمة تنشيط اقتصادي أولية، تشمل نفقات تكميلية على الصحة العامة، ودفع مبالغ مالية إجمالية من خلال صندوق فيجي الوطني للادخار، وتخفيضات ضريبية وجمركية. واشتملت حزمة التحفيز أيضا على تأجيلات لسداد القروض (لما يصل إلى 400 مليون دولار فيجي من إجمالي محفظة القروض) بهدف حماية الصحة العامة، ودعم الاقتصاد، وتحقيق الأمن الغذائي. علاوةً على ذلك، في 17 يوليو/تموز، وفي إطار الموازنة العامة 2020، أعلنت الحكومة عن حزمة إضافية من تدابير التنشيط الاقتصادي الحكومية المباشرة بقيمة ملياري دولار فيجي لتمويل التعافي من التأثيرات الاقتصادية لجائحة كورونا.

هل يمكن تحقيق تنشيط إضافي من الاستثمار في الإجراءات التدخلية التي تهدف إلى بناء القدرة على الصمود؟ لتوضيح الإمكانيات التي ينطوي عليها النهج الذي نتبعه، افترضنا موازنة تعادل 3% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وحدَّدنا أفضل السبل لاستخدام تقييم مواطن الضعف في مواجهة تغير المناخ لتخصيص هذه المبالغ. وبتطبيق هذه الموازنة، تم تقليص الإجراءات التدخلية الثلاثة والستين التي سبق فحصها إلى 10 إجراءات تدخلية (انظر الشكل 2). ومرة أخرى، كما هو متوقع للتدابير المأخوذة من خطة بناء القدرة على الصمود، كان أداء أبرز 10 إجراءات تدخلية جيدا من حيث تمكينها المجتمعات المحلية على بناء القدرة على الصمود في وجه الصدمات والأزمات في المستقبل. وهي جميعا تعزِّز أيضا الإنتاجية والنمو على المدى الطويل سواء بتحسين الإنتاجية الزراعية، أو موثوقية البنية التحتية، أو بخفض استهلاك الطاقة أو مياه الصرف غير المُعالجة. ويسهم أيضا بعضها وليست كلها في خفض الانبعاثات الكربونية.

الشكل 2: أبرز 10 إجراءات تدخلية محتملة لخطة التنشيط الاقتصادي من أجل بناء الصمود والنمو المستدام

Image

تُصنَّف هذه الإجراءات التدخلية العشرة على أساس تقييم كلي يُمثِّل الفئات الأربع جميعا مع التأكيد على الأمدين القصير والطويل كليهما. كيف ستختلف أبرز 10 إجراءات تدخلية إذا أُعطيت الأولوية فقط للاحتياجات الفورية قصيرة الأجل للمجتمعات المحلية التي تأثرت بالجائحة والإغلاقات الاقتصادية؟ سيكفل اختيار الإجراءات التدخلية على أساس تقييم مواطن الضعف في مواجهة تغير المناخ أن هذه التدابير ستسهم في بناء القدرة على الصمود والنمو على الأمد الطويل. ولبيان الاختلاف، أجرينا تحليلا مماثلا طبَّق نهجا بديلا في اختيار إجراءات التنشيط الاقتصادي، اقتصر على تقييم المنافع قصيرة الأجل للتدابير التنشيطية. وحتى في هذا السيناريو، تبرز الإجراءات التدخلية في مجالات الإسكان والبيئة والحماية الاجتماعية: إذ تؤدي إلى تهيئة الوظائف وتعزيز إجمالي الناتج المحلي سريعا.

ومع ذلك، فإن أفضل شيء هو أنه عند فحصها على أساس أهداف قصيرة الأجل فقط، فإن هذه الإجراءات التدخلية ستسهم مع ذلك في النمو طويل الأجل، والقدرة على الصمود، وفي الغالب في تحقيق أهداف البلد فيما يتصل بخفض الانبعاثات الكربونية (انظر الشكل 3). ويُنبِئ هذا بأنه قد يكفي البدء من الخطط طويلة الأجل القائمة - مثل خطط التنمية الوطنية، أو المخططات الرئيسية للبنية التحتية، أو الخطط المتصلة بتغير المناخ- وفحص التدابير التي تشتمل عليها للوقوف على منافعها التنشيطية. ولكن ينبغي للمرء أن يضع نصب عينيه أن جودة النواتج لا تزال تعتمد على جودة الخطة التي تنطلق منها.

الشكل 3: تحليل الإجراءات التدخلية قصيرة الأجل

Image

إن الاستثمار في هذه الأنواع من الإجراءات التدخلية يساعد المجتمعات المحلية والاقتصادات على التصدي لتداعيات الأزمة الراهنة، وليس هذا فحسب، فإنه قد يرسي أيضا الأسس اللازمة لمعالجة الأزمات في المستقبل.

لا داع لإعادة اختراع العجلة، إنما ينبغي إعادة توجيهها

لا يدعي هذا المسعى تحديد أفضل حزمة تنشيط اقتصادي لفيجي أو للبلدان الأخرى، وإنما توضيح نهج لتصميم برامج تنشيط قصيرة الأجل يمكن أن تسهم في تحقيق نمو مستدام طويل الأجل. وفي نهاية المطاف، سيتطلب تصميم حزمة تنشيط اقتصادي مزيدا من الدراسة للخيارات والإجراءات التدخلية بما يتمشى مع القدرات المالية لكل بلد. ولكن هذا التحليل كشف عن بعض المبادئ التوجيهية الواضحة:

  •  أولا، الانطلاق من بداية ذكية: لا داعي أن تبدأ الحكومات من الصفر. فعلى الأقل، يمكن استيعاب البرامج الحكومية المتصلة بالقدرة على الصمود في تدابير التنشيط الاقتصادي. وثمة خطط أخرى تُحدِّد بالفعل أنواع الإجراءات التدخلية الممكنة - سواء خطط التنمية الوطنية، أو المخططات الرئيسية للبنية التحتية، أو المساهمات الوطنية لمكافحة تغير المناخ أو خطط بناء القدرة على الصمود مثل تقييم مواطن الضعف في مواجهة تغير المناخ الذي نوقش في هذا المقال. وقد يساعد تدقيق هذه الخطط وفحصها قياسا إلى القائمة المرجعية للاستدامة في توجيه مجموعة أولى من تلك الإجراءات التدخلية التي تهدف إلى تلبية الاحتياجات قصيرة وطويلة الأجل على السواء. وبالنسبة لفيجي، يتيح تقييم مواطن الضعف في مواجهة تغير المناخ منطلقا رائعا سيكفل تنفيذ تدابير فورية ملائمة لإيجاد الوظائف، وفي الوقت ذاته تحقيق منافع على الأمد الطويل، بمواصلة استثمارات فيجي التفاعلية في التأهب والقدرة على الصمود. ولم يتضح هل من المحتمل أن تُؤدِّي الإجراءات التدخلية الأخرى إلى منافع قصيرة الأجل -من حيث إيجاد الوظائف وفرص العمل، وتوليد النشاط- أكثر مما تجلبه الإجراءات المذكورة هنا، وهو ما يشير إلى أنه توجد أوجه للتآزر وتضافر الجهود يمكن تحقيقها. ولكن ذلك لا يعني أن الإجراءات التدخلية الإضافية التي تُركِّز حصرا على الاحتياجات قصيرة الأجل قد لا تكون مطلوبة أو مستحبة. وفي حالة فيجي وجائحة كورونا، يتمثل أحد أمثلة التدابير الموجهة بشكل واضح في الإجراءات المُوجَّهة التي ترمي إلى مساعدة قطاع السياحة والعاملين فيه على التكيُّف مع تراجع أعداد الزوار الأجانب.
  • ثانيا، التعلُّم من دروس الماضي: غالبا ما تبدو الوقاية غير ظاهرة، لكن غياب الدمار والتعطيلات لهو مقياس كبير للنجاح. والذاكرة المؤسسية لفيجي عن الإعصار الاستوائي ونستون خير مثال على ذلك. فالاستثمار في بناء القدرة على الصمود يؤتي ثماره كما يتضح ذلك في حقيقة أنه عندما وقع الإعصار هارولد، لم يتضرر أي مبنى من بين أكثر من 200 مبنى أنشئت في إطار برنامج فيجي "لإعادة البناء على نحو أفضل". ويُرجَى أن تُؤدِّي زيادة تدابير الحماية الاجتماعية التي تُنفَّذ لحماية الناس من تداعيات جائحة كورونا إلى تحسين تأهُّب البلاد للتصدي للأزمات مستقبلا. ومما يبعث على التفاؤل أن الحكومات تدرك المنافع والفرص التي يتيحها تعاف مستدام، وأن أغلبية المواطنين من البلدان النامية والمتقدمة على السواء يعتبرون هذا أولوية مستمرة لا تنقطع مع بدء خروجنا من هذه الجائحة.
  • ثالثا، الاعتماد على المجتمعات المحلية. "في أعقاب الكوارث، أو أثناء أزمات مثل الجائحة الراهنة، يمكن للمجتمعات المحلية أن تضطلع بدور رئيسي في حماية السكان الأشد ضعفا وأكثرهم تضررا. وحتى قبل وقوع الأزمات، تستطيع المجتمعات المحلية تحديد حلول مبتكرة وفعَّالة تجعلهم أكثر قدرة على الصمود، وتسهم في تحقيق أهداف التنمية الأوسع، وتحسين مستويات الرفاهة. ولذلك يجب أن تكون مشاركة المجتمعات المحلية بكافة فئاتها، ومنهم السكان الأشد ضعفا وأكثرهم تضررا، جزءا من تصميم أي حزمة تنشيطية، ومُكمِّلةً لإجراءات تتسم بالمركزية وتُطبَّق من الأعلى إلى الأدنى. وينبغي تخصيص جزء من الموارد لدعم الإجراءات التدخلية المجتمعية ويتم فيها ترتيب أولوية المشروعات وتصميمها محليا.
  • رابعا، التفكير خارج حدود المألوف: تُؤثِّر أزمة المناخ شأنها شأن جائحة كورونا على العديد من القطاعات والصناعات ومناحي حياتنا الاقتصادية. لقد أظهر التحليل الذي أُجري في هذا السياق أنه ليس لقطاع وحيد أولوية واضحة، وهو ما يشير إلى أن البلدان لديها المرونة في النهج الذي تتبعه لتصميم مخططاتها للتنشيط الاقتصادي بما يتسق واحتياجاتها. ويمكن أن يشمل هذا المضي قدما بالإجراءات التدخلية المتوقع فعلا تقديمها (ولذلك فهي جاهزة للتنفيذ)، أو توسيع نطاق الإجراءات الجاري تنفيذها بالفعل، أو حيثما أمكن إعطاء أولوية للإجراءات التي تتسم طبيعتها بأنها متعددة القطاعات. مع أن جائحة كورونا خلَّفت تأثيرات في فيجي التي ستحتاج إلى مساعدات اقتصادية مباشرة، مثل التحويلات النقدية المباشرة أو برامج الأشغال العامة التي تستهدف العاطلين وأشد السكان فقرا، فإن الاستجابة الاقتصادية الكاملة يمكن أن تتداخل مع التأثيرات التي أحدثها الإعصار هارولد واحتياجات البلاد الأوسع، مثل إعادة تجهيز مرافق البنية التحتية. ومن ثمَّ، فإننا نرى أن حزمة تنشيطية قادرة على التصدي لمجموعة من الصدمات في آن واحد ستكون أكثر نجاحا في الأمد الطويل.

ومع بدء البلدان الاهتمام بتعافيها الاقتصادي الأطول أجلا، فإنه يجب عليها أن تأخذ بعين الاعتبار نجاحات نُهُج "إعادة البناء على نحو أفضل" التي تم بالفعل تنفيذها، وكانت فيجي من أبرزها. والكثير من الحلول المطلوبة أصبحت بالفعل في متناول الحكومات - لاسيما في خطط مساهماتها الوطنية في مكافحة تغير المناخ، وسياساتها المناخية القائمة. إن تبنَّي نهْج أكثر حنكةً وذكاءً في الفحص والتقييم، والتعلُّم من دروس الماضي -وليس إعادة اختراع العجلة- والاستعداد للعمل خارج الحدود القطاعية ستكون جميعا عوامل رئيسية للنجاح في الموازنة بين الوظائف والنمو الذي نحتاج إليه اليوم وبناء القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ وخفض الانبعاثات الكربونية الذي لا يسعنا تأجيله إلى المستقبل.

Image
صورة للسيدة أسميتا كمال داخل فصلها الدراسي في مدرسة بايلي ميموريال في قرية باروتو، بإقليم را، في فيتي ليفو أكبر جزيرة في فيجي. كانت مدرسة بايلي ميموريال قد أصيبت بأضرار شديدة أثناء الإعصار ونستون في عام 2016. وأطاحت العاصفة المصنفة من الفئة الخامسة بأسقف كل الفصول الدراسية ودمرت كل الكتب والأدوات المدرسية. بعدسة: ألانا هولمبرغ / البنك الدولي

حينما سئلت أسميتا، التي تبلغ من العمر 24 عاما، هل تظن أنها ستشهد عاصفة مثل الإعصار ونستون مرة أخرى في حياتها ترددت في الإجابة. وتصدق إجابتها على عالم يعاني من جائحة تماما مثلما تصدق على عالم يكافح آثار تغيُّر المناخ.

"أدعو الله ألا يحدث شيء كهذا مرة أخرى، [ولكن] إذا حدث في المستقبل، فسوف يكون الناس أقوياء ويعملون معا متكاتفين."

أسميتا أشوين كمال

مُعلِّمة في مدرسة بايلي ميموريال