خطب ونصوص 2019/10/07

حفز النمو من القاعدة إلى القمة: كلمة رئيس مجموعة البنك الدولي ديفيد مالباس قبل الاجتماعات السنوية

تنمية تُحقِّق النتائج المرجوة

شكرا جزيلا لك دكتور فورتييه على تقديمي. إنه لمن دواعي سروري أن أكون هنا في مونتريال في جامعة ماكغيل، والشكر موصول أيضا لعميدة كلية الآداب أنطونيا مايوني. لقد كان يوما رائعا في ماكغيل، وإني أتطلع إلى جلسة الحوار بالأسئلة والرد عليها مع عميدة كلية الإدارة إيزابيل باجيه بيسنينو.

على مدار قرابة 200 عام، كانت ماكغيل تجسيدا لروح الإبداع والابتكار. وقائمة الرواد الذين شَرُفت بهم هذه القاعات تبعث على التقدير والإعجاب من إيرنست روثرفورد أب الفيزياء النووية إلى بريندا ميلنر أحد أبرز علماء الأعصاب في القرن العشرين، إلى جون همفري الذي ساعد في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لقد تخرَّج من هذه المدرسة الكثير من المشاهير الذي لا يتسع المجال هنا لذكر أسمائهم جميعا، وكان لها سجل طويل حافل بالأفكار التي أحدثت تغييرا للأفضل.

واليوم، أود أن أتحدث معكم عن الحاجة الملحة للنمو في البلدان النامية، ومبعث قلقي أن حالة الضعف التي طال أمدها للاقتصاد في أوروبا وللاستثمار في البلدان النامية تُلقي بظلال ثقيلة على آفاق المستقبل للسكان الذين تزداد أعدادهم بسرعة في العديد من البلدان النامية. وسوف أناقش عدة أنشطة لمجموعة البنك الدولي قد تساعد في هذا الشأن—وسيتم التركيز بدرجة أكبر عليها في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة التي ستبدأ بعد أسبوع.

اسمحوا لي أن أبدأ برواية قصة عن ابتكار إنمائي يساعد على تحرير الفقراء وإخراجهم من براثن الفقر وتحسين ظروف معيشتهم. إن الحاجة ماسة إلى المزيد والمزيد من عمليات التحرر، ويمكن لهذه العمليات مجتمعةً أن تؤدي إلى تحسين معيشة مئات الملايين من الناس. وأريد أن أعود إلى الوراء في رواية القصة، فهي تنتهي في نيروبي بكينيا. كان مسؤولون في البنك المركزي يراقبون تحويلات الأموال التي تتم عبر الهواتف المحمولة حينما لاحظوا زيادة كبيرة بدرجة مريبة في المعاملات كل صباح في نحو الساعة الثالثة صباحا. في بادئ الأمر، ظنَّوا أنها قد تكون مؤشرا لعمليات غسل أموال أو مخالفات أخرى- ربما يحاول البعض إخفاء معاملات في منتصف الليل.
 
ولكن الحقيقة كانت مفاجأة سارة. فقد اكتشفت الأجهزة التنظيمية أن الزيادة سببها قروض متناهية الصغر يحصل عليها كينيون أفراد، كثير منهم نساء يبيعون منتجات في السوق المحلية. ففي كل صباح، كانت هؤلاء النسوة يأخذن قروضا متناهية الصغر حتى يمكنهن شراء بضائع مثل الخضراوات. وبعد ساعات طوال من العمل الشاق، يبعن الخضراوات في السوق. وفي وقت لاحق من المساء، يقمن برد القروض.
 
التحويلات النقدية الرقمية

في شتَّى أنحاء كينيا، تنتشر المعاملات المالية عبر الهاتف المحمول. ويتيح برنامج إم-بيسا (M-Pesa) للناس الذين يمتلك بعضهم أبسط الهواتف المحمولة تحويل الأموال بمجرد إرسال رسالة نصية. والآن، تستخدم 96% من الأسر خارج نيروبي برنامج إم-بيسا. إنه يتيح للأسر فرصة لإجراء معاملات، وادخار المال دون تكبُّد بعض التكاليف والمخاطر التي ينطوي عليها في العادة التعامل بالنقد ومن خلال الجهاز المصرفي. وساعد برنامج إم-بيسا منشآت الأعمال الصغيرة، لاسيما رائدات الأعمال على الحصول على التمويل. ولهذا البرنامج آثار إيجابية واسعة، من حيث تمكين النساء على المشاركة في الاقتصاد والمجتمع – إذ إن القانون يرى أن الحائز للمال حيازة مادية هو المالك له؛ ولذا فمع وجود نظام رقمي لا يفرق بين الجنسين، باتت النساء يتحكمن بدرجة أكبر في دخلهن وأموالهن. وتمخَّض عنه تهيئة بيئة مواتية للشركات الناشئة في منطقة نيروبي الكبرى، ويشمل ذلك مطوري التطبيقات لمستخدمي برنامج إم-بيسا.

لقد أبلغتكم نهاية القصة—وهي أن ملايين الأشخاص يستخدمون نظاما يساعد على تمكينهم. وكانت بداية القصة قبل عدة سنوات بابتكار انبثق عن بيئة ريادة الأعمال وساعدت عليه سياسة تنظيمية سليمة. كانت الخطوة الأولى المهمة هي سماح البنك المركزي لإحدى شركات خدمات الهاتف المحمول بدخول قطاع الخدمات المالية. وتمكَّن رواد الأعمال من إطلاق صناعة جديدة تُحقِّق منافع حقيقية للناس. هذا هو نوع التحرير الذي ينبغي لنا إطلاق العنان له في أنحاء بلدان العالم النامية.

وقد لعبت مجموعة البنك الدولي دورا رئيسيا في عدة مراحل خلال إنشاء كينيا نظاما فعَّالا للمعاملات المصرفية عبر الهاتف المحمول. ويساعد هذا النوع من النواتج الإنمائية بشكل مباشر في تحقيق هدفينا – إنهاء الفقر المدقع، وتحقيق نمو عريض القاعدة يُعزِّز تقاسم ثمار الرخاء. لقد قطعت جهود الحد من الفقر وتخفيف وطأته شوطا كبيرا في الكثير من البلدان، ولكن 700 مليون نسمة مازالوا يعيشون في فقر مدقع. ويعادل هذا تقريبا شخصا واحدا من كل 12 شخصا على وجه المعمورة. ويعيش الكثير منهم في أماكن هشة قطَّع الصراع أوصالها وقد لا توجد فيها مؤسسات تقدم العون لمن يحتاجون إليه.

وأعتقد أن البرامج النقدية الرقمية قد يكون بمقدورها مد يد العون –سواء الأنظمة التي تتركَّز على المعاملات مثل نظام إم-بيسا في كينيا، أو برامج التحويلات النقدية الإلكترونية التي يجري إنشاؤها في أماكن أخرى. إننا الآن على وشك التوصل إلى أنظمة مأمونة ستتيح للفقراء أن يتلقوا بوسائل إلكترونية التحويلات المالية، والمساعدات الأجنبية، ومدفوعات شبكات الأمان الاجتماعي، وإيرادات أعمالهم، ثم تمكينهم من الادخار وإجراء المعاملات بحرية. وسيكون هذا تطوُّرا ثوريا لأنه يتيح للناس الحرية والفرصة التي يحتاجون إليها لتحسين ظروفهم المعيشية. وحينما يستخدم مزيد من البلدان هذه التقنيات، قد يتبيَّن أن الابتكارات تمثل تقدما كبيرا في السياسة الإنمائية يعادل في أهميته التطورات التي مكَّنت الناس من الانتقال من اقتصاد المقايضة إلى اقتصاد السوق.

خلق نمو ذي قاعدة عريضة

لتحقيق تقدم نحو بلوغ هدف نمو عريض القاعدة وتخفيف وطأة الفقر، يجب أن نكون مستعدين لإحداث تغير جذري، ذلك لأننا نعيش في عصر حافل بالتحديات في طريق التنمية.

فالنمو العالمي آخذ في التباطؤ. وفي يونيو/حزيران، تنبأت مجموعة البنك الدولي بأن الاقتصاد العالمي في 2019 سيسجل معدل نمو نسبته 2.6%، وهي أبطأ وتيرة له في ثلاث سنوات. ونتوقع الآن أن يكون معدل النمو حتى أضعف من ذلك، متأثرا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحالة الكساد في أوروبا، ودرجة عدم اليقين والضبابية التي تلف أوضاع التجارة. علاوة على ذلك، فإن معدل نمو الاستثمار في الكثير من أرجاء بلدان العالم النامية ضعيف جدا إلى درجة يتعذر فيها أن تحقِّق مستويات الدخل زيادة يعتد بها في المستقبل. وقد تحدَّثتُ في مكان آخر عن مأساة رأس المال المُجمَّد—فالنظام المالي والتنظيمي الحالي ينتج سندات تزيد قيمتها على 15 تريليون دولار وعوائدها صفر أو دون الصفر، وهو ما تستفيد منه النخبة من حملة السندات ومصدرو السندات، ولكنه يؤدي إلى تشويه تدفقات رؤوس الأموال بعيدا عن النمو. 
 

 

وحتى مع الوضع الهش للاقتصاد العالمي، أعتقد أن وجود أُطُر قوية للسياسات، ومؤسسات فعالة سيتيح لكل البلدان النامية تقريبا تحقيق نمو عريض القاعدة يؤدي إلى الحد من الفقر ويعزز تقاسم ثمار الرخاء.

وللتصدي لهذا التحدي الملح، نسعى جهدنا لتبنِّي نُهُج مُصمَّمة بما يلائم الظروف الفريدة لكل بلد أو منطقة. ولتبسيط الأمور، أقول إننا- أقصد البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار- نعمل من خلال المكاتب القطرية والمديرين القطريين وبدعم من الخبراء الفنيين ومديري البرامج لمساعدة الحكومات على تحقيق تحسينات. وأضرب لكم مثالا على ذلك، يعد تيسير التجارة جزءا حيويا في الكثير من برامجنا القطرية لأن المنافع الاقتصادية التي تتمخض عن التجارة والتبادل التجاري هائلة، والسياسات البناءة –مثل الأعمال الجمركية، والمواءمة بين التعريفات، وسندات الشحن الموحدة- يمكن تحقيقها. وخلال رحلتي لإثيوبيا، اشتكت منشآت الأعمال من عدة أمور منها الصعوبة التي تنطوي عليها خطابات الاعتماد المؤجلة. وفي مصر، كان من العوامل الرئيسية التي تُثبِّط الهمة عن الاستثمار الوقت الذي يستغرقه التخليص الجمركي للبضائع، والذي قد يصل إلى 16 يوما. والمشكلتان كلتاهما يمكن معالجتهما.

وهذا السعي من أجل اعتماد سياسات قطرية أفضل تدعمه قدرتنا على تقديم قروض ومنح للحكومات، وعلى القيام باستثمارات في أدوات الدين وحقوق الملكية للقطاع الخاص، وذلك حينما تسمح الحكومات بتهيئة ظروف أفضل لعمل القطاع الخاص.

إننا نعمل بالتعاون مع البلدان وأوساط التنمية لإطلاق منصات قطرية. وغاية ذلك هو مساعدة البلدان على ترتيب أولوية قضاياها الإنمائية الأساسية، وإقناع مُموِّلي التنمية، ومنهم المانحون غير التقليديين والقطاع الخاص بالمشاركة بأفضل السبل البناءة. ولا تزال الكثير من المجموعات الدولية تقوم بتشكيل فرق نقاشية بشأن كيفية تعريف المنصات القطرية وتوحيدها ونشرها مركزيا وتوجيهها، لكن وجهة النظر القوية لمجموعة البنك الدولي هي إن الوقت حان للمضي قدما. وقد اُجريت مناقشات وافية، والخطوة التالية هي مساعدة البلدان على تنظيم اجتماعات قُطْرية لترتيب أولويات أنشطتها مع الجهات المانحة الرئيسية. ونحن نعمل بشأن المنصات القطرية مع 11 بلدا حتى الآن. وسيجري تصميم النواتج بما يتسق وظروف البلدان واحتياجاتها، وستُركِّز بوجه خاص على مشاركة القطاع الخاص وأنشطته.

وينبغي للبلدان القيام بدور ريادي قوي في اختيار مسار يمكن أن ينجح على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد بات واضحا أن لجودة السياسات والمؤسسات دورا رئيسيا في تفسير السبب في أن بعض البلدان النامية نجحت في الخلاص من براثن الفقر، بينما عجزت بلدان أخرى عن تحقيق تقدم. ومن الجلي أيضا أن التنمية لا يمكن فرضها من الخارج، فريادة البلد المعني ومسؤوليته أمران مهمان.

إن هدف برامجنا القطرية وتعاوننا مع الجهات المانحة الأخرى هو تحقيق نواتج إنمائية جيدة لكل بلد ولكل منطقة. وثمة مقاييس كثيرة للنجاح، وبعضكم على دراية بمؤشرنا لرأس المال البشري الذي يتتبع أداء البلدان في مجالات الصحة والتعليم ويهدف إلى تحسين النواتج. وقياس النتائج خطوة مهمة نحو تحقيق نتائج جيدة. وكم يسعدنا أن يكون بمقدورنا إطلاق نهج جديد لقياس فقر التعلُّم في اجتماعاتنا السنوية الأسبوع القادم. إنه ينظر في نسبة الأطفال دون سن العاشرة من العمر الذين أمكن محو أميتهم الوظيفية: أي اكتسبوا القدرة على قراءة قصة بسيطة وفهمها.

يأتي في صميم التنمية الناجحة تحقيق نمو ذي قاعدة عريضة. وتبيَّن أنه لا غنى عنه للحد من الفقر وتعزيز الرخاء المشترك. وأحد مقاييس النجاح الرئيسية في هذا الصدد هو رؤية مستويات الدخل لدى الناس تزداد. ومقياسي المُفضَّل للرخاء المشترك هو متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي بالدولار الأمريكي، لكن ثمة مقاييس أخرى يمكن أن تؤدي الغرض أيضا. ونحن مستمرون في التركيز الشديد على الفقر المدقع، الذي يُعرَّف بأنه عدد من يعيشون على أقل من 1.90 دولار للفرد يوميا.

ومن المهم أن يؤدي عملنا إلى خلق الوظائف وإتاحة الفرص في مختلف قطاعات الاقتصاد، ولكل شرائح المجتمع. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على الحاجة الملحة لتحقيق هذه الأجندة. وتشير التقديرات إلى أن عدد الأيدي العاملة في العالم سيزيد بمقدار 620 مليون شخص في الفترة من 2020 إلى 2035، وستكون معظم الزيادة في أشد البلدان فقرا. والتوظيف هو أفضل شبكة للأمان، ونحن نعمل في الكثير من البلدان لتذليل العقبات التي تحول دون تأسيس شركات جديدة، ومعالجة القيود والمعوقات في جانبي العرض والطلب في سوق العمل، وتعزيز الفرص المتاحة للنساء والشباب.

ومع تباطؤ خُطى النمو العالمي، من الأهمية البالغة أن تُنفِّذ البلدان إصلاحات هيكلية أُحسِن تصميمها لحفز النمو المحلي. ولم يحدث من قبل أنْ تمكَّن بلد من البلدان من تقليص أعداد الفقراء على نحو مستدام من دون تحقيق نمو اقتصادي في الوقت نفسه. وبالنسبة للبلدان النامية التي حقَّقت أكبر نجاح خلال السنوات العشر الماضية في خفض أعداد الفقراء، أسهم نمو مستويات الدخل لدى العمال في أكثر من نصف ذلك الانخفاض. ويتطلب تحقيق هذه المكاسب توفير الكهرباء والماء النظيف، وكذلك تحقيق تقدم نحو ترسيخ سيادة القانون، وفي مجالات الصحة، والتغذية، والتعليم، والاحتواء الكامل للفتيات والنساء، والاهتمام البالغ بظروف المناخ والقطاع الخاص، وتحسينات في سياسات الحكومة فيما يتصل بالإنفاق والضرائب والبنية التحتية.

إننا نعمل على زيادة الاستثمارات لمعالجة آثار تغيُّر المناخ. وفي سنتنا المالية الماضية، ارتبطت مجموعة البنك الدولي بتقديم 17.8 مليار دولار للاستثمارات المتصلة بالمناخ، ونريد بذل المزيد. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت مجموعة البنك الدولي عن هدف تقديم 200 مليار دولار على مدى خمسة أعوام لمساعدة البلدان على التصدي لتحديات المناخ، وجعل التمويل لأنشطة التكيُّف متكافئا مع تمويل أنشطة التخفيف من الآثار. وفي السنة المالية 2019، كانت لنسبة 30% من ارتباطاتنا منافع مشتركة تتصل بالمناخ، وهو ما يزيد على المستوى الذي كنا نستهدفه وقدره 28%. وفي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الآونة الأخيرة، انضممت إلى ألمانيا في الإعلان عن صندوق بروجرين PROGREEN الذي يهدف إلى معالجة طائفة من مشكلات المناخ والبيئة.

إطار سليم لسيادة القانون، والشفافية بشأن الديون

يؤدِّي القطاع الخاص دورا محوريا في النمو وخلق الوظائف. ونحن نعمل في جهد تقوده مؤسسة التمويل الدولية ذراعنا للتعامل مع القطاع الخاص لخلق قطاعات خاصة أقوى ستتيح فرصا مربحة للمستثمرين وكثيرا من فرص العمل والتوظيف. ويتطلب هذا تحليلا وفهما أوضح لقوانين ولوائح البلد المعني، ومسارا للإصلاحات أو استثمارات تحفيزية ستؤدي إلى توسيع نطاق القطاع الخاص.

ومن أشد العقبات على هذا الطريق، أنه ينبغي وجود إطار سليم لسيادة القانون يتيح تكافؤ الفرص حتى تتاح للقطاع الخاص إمكانية التنافس العادل مع المؤسسات المملوكة للدولة، والمؤسسة العسكرية، والحكومة نفسها. وبالنسبة لكثير من البلدان يتطلب هذا فتح أسواقها المغلقة والمحمية، والسماح للأسعار أن تُحدِّدها عوامل السوق، وتحرير تدفقات رؤوس الأموال. وثمرة هذا هي أن البلدان التي تتخذ هذه الخطوة تجتذب قدرا أكبر من الاستثمارات، الأجنبية والمحلية، ويمكنها تحقيق نمو يعود بالنفع على قطاع أوسع من السكان.

وثمة عقبة أخرى في طريق الاستثمار هي حجم الديون السيادية وديون المؤسسات المملوكة للدولة للبلد المعني، وغياب الشفافية بشأن الديون. إن الديون إذا أُحسِن استخدامها قد تكون وسيلة جيدة لتمويل النمو. لكن الديون العامة في بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل قفزت إلى مستويات لم نشهدها منذ ثمانينيات القرن الماضي، وجزء كبير من تلك الديون يفتقر إلى الشفافية. وحينما تتحرَّى البلدان الشفافية في سياساتها، فإنها تتمتَّع في العادة بتصنيفات ائتمانية أفضل، وتكاليف أقل للاقتراض، وقدرة أكبر على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر. وتساعد الشفافية أيضا على تعزيز خضوع الحكومات للمساءلة، وتقليص مخاطر الفساد، ولكننا وجدنا أن أقل من نصف البلدان التي استعرضنا أوضاعها تلبي الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لتسجيل الديون ومتابعتها والإبلاغ عنها. وينبغي للمُقرِضين التحلِّي بمزيد من الشفافية، وإلغاء البنود السرية غير المعلنة في قروضهم للهيئات السيادية المقترضة.

ومن الأهمية بمكان أيضا أن تتسم النفقات العامة بالشفافية والاستدامة والفعالية. وتجري مجموعة البنك الدولي استعراضات للنفقات العامة لفهم أوجه النقص والقصور في تقديم الخدمات فيما يتصل بقرارات تخصيص الموارد، والاختناقات المتصلة بهذه العملية. وتساعد هذه الأنشطة التشخيصية البلدان على اعتماد نُهُج أكثر فعالية وشفافية في تخصيص موارد الموازنة، بما في ذلك ما يتصل بقطاعات مُعيَّنة مثل الرعاية الصحية أو التعليم أو البنية التحتية.

إن ما نُقدِّمه من تمويل لأغراض سياسات التنمية يقوم على صرف الأموال على أساس تحقيق إصلاحات مسبقة مُؤثرة للسياسات، وسيلعب هذا التمويل على نحو متزايد دورا مهما في التشجيع على اتباع ممارسات اقتراض أكثر شفافية واستدامة، ونفقات عامة أكثر فعالية وكفاءة حتى يمكن للمواطنين الاطلاع على التزامات حكومتهم واستخدامها لحصيلة القروض.

استمرار التركيز على رسالتنا

في كل هذه الجهود، نعمل جاهدين للتعاون مع شركاء التنمية الدوليين. وقد تحقَّق قدْر من التقدم في هذا الصدد، لكن يجب أن أُقِر بأنه في بعض الأحيان اشتمل هذا التعاون على عدد أكثر مما ينبغي من مؤتمرات التنمية وفرق العمل الدولية. وينصب تركيزنا الرئيسي على النُهُج العملية داخل كل بلد، والإجراءات التي نناقشها اليوم. وما أصبو إليه هو وضع الأولوية المباشرة لتخفيف وطأة الفقر وتعزيز الرخاء المشترك.

وكما تفعل مجموعة البنك الدولي كل ثلاثة أعوام، ندعو حاليا إلى العملية التاسعة عشرة لتجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية، وهي صندوقنا لتمويل أشد بلدان العالم فقرا. وبالعمل مع البلدان المساهمة في البنك، سنواصل التركيز على رسالتنا لإنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك على نحو مستدام. وستوجِّه العملية الجديدة لتجديد الموارد حصة أكبر من تمويلنا للناس في أشد بلدان العالم فقرا، وكذلك من يعيشون في مناطق هشة تعاني من الصراع. وسنزيد الاستثمار في مشروعات تعود بالنفع على المناخ، وتُعزز احتواء الجنسين. وسنصبح أكثر كفاءةً في كيفية استخدام مواردنا.

ولقد كانت كندا على مدار سنوات طويلة صوتا مؤثِّرا في المؤسسة الدولية للتنمية وبين البلدان المساهمة في البنك. ومن خلال عملية سخية لتجديد موارد المؤسسة، سنصبح في وضع أفضل لتحقيق الأهداف التي نتشاطرها، وتقديم يد العون إلى من هم في أشد الحاجة إليه.

وأود أن أختم كلمتي بقصة عن أحد أشهر المفكرين في جامعة ماكغيل. فكما ذكرتُ آنفا، اشتهر إيرنست روثرفورد بأنه مؤسس علم الفيزياء النووية. وأجرى الكثير من التجارب غير المسبوقة هنا في ماكغيل، ولكن قبل أن يذيع صيته، شب فقيرا في مزرعة.

وكان الشاب إيرنست يتمتع بعقل نهِم للمعرفة. فكان يقرأ أي كتب تصل إليها يداه، ويفكِّك الساعات لمجرد التسلية والمتعة. وذات يوم حاول بناء مدفع صغير مستخدما أنبوبا من النحاس وبعض البارود. وحينما أشعل الفتيل، انفجر المدفع وتحوَّل إلى قطع صغيرة. بعبارة أخرى، انفجرت إحدى التجارب الأولى لواحد من أعظم علماء القرن العشرين.

ولحسن الحظ، كان إيرنست روثرفورد عنيداً. فلم يستسلم قط. وواصل عمله حتى ابتكر نموذجا جديدا للذرة أدَّى إلى تغيير نظرتنا للمادة نفسها. وبتلك الروح حاولت جاهدا مقاومة اتجاه الاجتماعات السنوية للتوسُّع لتغطية كافة القضايا، لكنني أدرك تماما قوة القصور الذاتي. وسنشهد عدة اجتماعات كبيرة في واشنطن العاصمة الأسبوع القادم، لكن يحدوني الأمل أن نواصل التركيز الشديد على مساعدة البلدان على إتاحة مزيد من الفرص لشعوبها من أجل تحسين ظروفهم المعيشية.

وإننا في مجموعة البنك الدولي لن نتخلى عن هدفنا بالقضاء على الفقر المدقع. ونحن أكثر تركيزا من أي وقت مضى على دعوة نلسون مانديلا إلى "تحرير الناس" من "سجن الفقر". وأرجو أن تتيح لكم الأمثلة التي ضربتها اليوم نظرة سريعة على ما نفعله على أرض الواقع، وإنني أتطلع إلى مئات من الأفكار الجديدة التي سيُقدِّمها الكثير منكم إلى هذا العمل المهم في الأعوام القادمة.

شكرا لكم.

Api
Api