إطلاق العنان للإمكانات الاقتصادية للفتيات والنساء من خلال التعليم.
الاستثمار في تعليم الفتيات والنساء يساعدهن على تنمية مهاراتهن من أجل الحصول على وظيفة ملائمة، وهي أوثق طريقة للخلاص من براثن الفقر. ويلتزم البنك الدولي بمساندة الأنظمة التعليمية لتكون عادلة وشاملة للجميع وقادرة على الصمود، مما يضمن توفير إمكانية التعلم للجميع في كل مكان. ومن شأن ضمان حصول الفتيات على تعليم جيد أن يؤدي إلى مستقبل أكثر ازدهاراً وإنصافاً للجميع. وعندما يشارك الجميع مشاركة كاملة في الاقتصاد، فإننا نحسن الأحوال المعيشية، ونبني مجتمعات مكتفية ذاتياً، وندفع عجلة النمو الاقتصادي، ونقوي الاستقرار العالمي.
يشكل تحقيق المساواة بين الجنسين عنصراً محورياً في رسالة مجموعة البنك الدولي المتمثلة في القضاء على الفقر على كوكب صالح للعيش فيه. وبوصف البنك الدولي أكبر شركاء التمويل الإنمائي في مجال التعليم على مستوى العالم فهو يضمن أن تكون كل المشاريع التعليمية التابعة له مراعيةً للمساواة بين الجنسين، ويعمل للتغلب على العوائق التي تحول دون استفادة الفتيات والفتيان من استثمارات البلدان في التعليم على نحو متساوٍ.
ويتجاوز تعليم الفتيات مجرد التحاق الفتيات بالمدارس. فهو يُعنى كذلك بضمان تعليمهن وشعورهن بالأمان وهن في المدارس، وحصولهن على فرصة إتمام كل مراحل التعليم، وتمتعهن بالمعرفة والمهارات اللازمة للمنافسة في سوق العمل؛ واكتساب المهارات الاجتماعية والوجدانية والحياتية الضرورية للتعامل مع عالم دائم التغير والتكيّف معه، واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن الخاصة، والإسهام الإيجابي في مجتمعاتهن المحلية والعالم كله.
ويستفيد الأفراد والبلدان على حد سواء من تعليم الفتيات. فعادة ما تكون النساء الأفضل تعليماً أكثر وعياً بالتغذية والرعاية الصحية، ويقل عدد أطفالهن، ويتزوجن في سن متأخرة، وعادة ما يكون أطفالهن أكثر صحة إذا اخترن أن يصبحن أمهات. ومن المرجح أن يشاركن في سوق العمل الرسمية ويكسبن دخلاً أعلى. وتشير التقديرات الواردة في دراسة حديثة أجراها البنك الدولي في عام 2018 إلى أن "محدودية فرص تعليم البنات، والعوائق أمام إكمالهن 12 سنة من التعليم، تكلفان البلدان ما بين 15 و30 تريليون دولار في صورة إنتاجية وأرباح مفقودة على مدى العمر". و يمكن أن تساعد كل هذه العوامل مجتمعة الأسر والمجتمعات المحلية والبلدان في انتشال الأسر من براثن الفقر. وتشير التقديرات في تقرير أصدره البنك الدولي مؤخراً بعنوان "مسارات الرخاء للمراهقات في أفريقيا" أنه من خلال تنفيذ التوصيات لتحسين تعليم الفتيات من الآن وحتى عام 2040، يمكن للبلدان الأفريقية أن تحقق دخلاً إضافياً قدره 2.4 تريليون دولار.
التحدّي
حسب تقديرات اليونيسف، هناك 122 مليون فتاة غير ملتحقات بالمدارس في مختلف أنحاء العالم، من بينهن 34 مليوناً في سن الدراسة الابتدائية، و87 مليوناً في سن التعليم الثانوي.
وعلى الصعيد العالمي، تقترب معدلات التحاق البنات والأولاد بالمرحلتين الابتدائية والثانوية من الوصول لنقطة التساوي (92% للذكور، و 90% للإناث). غير أنه في حين تتماثل معدلات الالتحاق - واقع الأمر أن ثلثي البلدان حققت المساواة بين الجنسين في الالتحاق بالتعليم الابتدائي - فإن معدلات إتمام هذه المرحلة بالنسبة للفتيات أقل في البلدان منخفضة الدخل، حيث إن 63% من التلميذات في المرحلة الابتدائية يكملن المرحلة، مقابل 67% من التلاميذ الذكور في المرحلة نفسها. وفي البلدان منخفضة الدخل، تستمر معدلات إتمام المرحلة الثانوية للفتيات في التراجع، حيث لا تكمل سوى 38% من الفتيات المرحلة الإعدادية مقابل 43% من الفتيان. أما معدلات إتمام المرحلة الثانوية فتشهد تفاوتات مماثلة في البلدان الأقل دخلاً، إذ يبلغ المعدل 26% للشباب و21% للشابات.
وتُعتبر الفجوات أشد وضوحاً في البلدان المتأثرة بالهشاشة والصراع والعنف. ففي هذه البلدان، يزيد احتمال تسرب الفتيات من المدارس بمقدار 2.5 مرة عن احتمال تسرب الفتيان، وفي المرحلة الثانوية يزيد احتمال تسربهن من التعليم بنسبة 90% مقارنة بالفتيات في البلدان غير المتأثرة بالهشاشة والصراع والعنف.
إن الفتيات والفتيان يواجهون أزمة في التعلم سواء بسواء. ويقيس فقر التعلم نسبة الأطفال غير القادرين على القراءة بإتقان في سن العاشرة. وعلى الرغم من أن الفتيات أقل فقراً في التعلم بواقع 4 نقاط مئوية في المتوسط عن الفتيان، فإن المعدلات لا تزال مرتفعة للغاية لكلتا الفئتين. ويبلغ متوسط فقر التعلم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل 50% للإناث و56% للذكور. وتضيق الفجوة في البلدان منخفضة الدخل، حيث يبلغ فقر التعلم في المتوسط نحو 93% للفتيان والفتيات.
وفي كثير من البلدان، تميل كفة الالتحاق بالتعليم الجامعي قليلاً نحو الشابات، ومع ذلك، فإن تحسن نواتج التعلم لا يُترجم إلى تحسن في نواتج العمل والحياة بالنسبة للنساء. فهناك فجوة واسعة بين الجنسين في معدلات المشاركة في القوى العاملة على مستوى العالم. ويتضح الأمر بشدة في بعض المناطق مثل جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا اللتين تسجلان أدنى معدلات مشاركة الإناث في القوى العاملة عند 26% و20% لكل منطقة، على الترتيب. وهذان المعدلان منخفضان على نحو مثير للقلق، باعتبار ما تمت ملاحظته في مناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية (53%) أو شرق آسيا (59%)، اللتين لا تزال معدلاتهما منخفضة بالنسبة للرجال.
وقد تسهم المفاهيم المتعلقة بنوع الجنس داخل المدارس والفصول الدراسية أيضاً في تعزيز الرسائل التي تؤثر على طموحات الفتيات، وتصوراتهن عن أدوارهن في المجتمع، وظهور تفاوتات في المشاركة في سوق العمل، وأيضاً في الفصل المهني. وعندما يتم نقل القوالب النمطية المتعلقة بنوع الجنس من خلال تصميم بيئة التعلم بالمدارس والفصول الدراسية، أو من خلال سلوك هيئة التدريس والعاملين والنظراء في مدارس الأطفال، فإن الأمر يستمر ليحقق أثراً مستداماً على الأداء الدراسي واختيار مجال الدراسة، ولا سيما الأثر السلبي على الشابات الراغبات في دراسة فروع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
ويُعد الفقر أحد أهم العوامل التي تحدد ما إذا كان بمقدور الفتاة الالتحاق بالتعليم وإتمامه. وتؤكد الدراسات بشكل متسق أن الفتيات اللائي يواجهن أشكالاً متعددة من الحرمان، كتدني دخل الأسرة، أو العيش في مناطق نائية أو محرومة، أو الإعاقة الجسدية، أو الانتماء لفئات تمثل أقلية عرقية أو لغوية، يتخلفن أكثر بكثير عن غيرهن من حيث معدلات الالتحاق بالتعليم وإتمامه.
والعنف كذلك يمنع الفتيات من الحصول على التعليم وإتمامه، فعادةً ما تُضطر الفتيات إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى المدرسة، مما يزيد من خطر تعرضهن للعنف، كما تتعرض الكثيرات منهن للعنف في أثناء وجودهن في المدرسة. وتقدر معظم البيانات الحديثة أن نحو 60 مليون فتاة يتعرضن لإساءة جنسية في طريقهن إلى المدرسة أو داخل أسوارها سنوياً. وغالباً ما تكون لهذا الأمر عواقب وخيمة على صحتهن النفسية والبدنية ورفاهتهن العامة، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى خفض معدلات الحضور وارتفاع معدلات التسرب. ويتعرض ما يقدر بنحو 246 مليون طفل للعنف داخل المدارس وحولها سنوياً، مما يجعل القضاء على العنف المبني على النوع الاجتماعي المتعلق بالمدارس أمراً بالغ الأهمية. وقد تكون هناك حالات حمل المراهقات نتيجة للعنف الجنسي أو الاستغلال الجنسي. وغالباً ما تواجه الفتيات اللائي يحملن وصمة عار شديدة، بل وتمييزاً من مجتمعاتهن المحلية. ويمكن أن يؤدي عبء الوصم بالعار والتعرض للتشهير، الذي تفاقم منه الأعراف المتعلقة بنوع الجنس، إلى تسرب الفتيات من المدرسة مبكراً وعدم عودتهن.
ويشكل زواج الأطفال تحدياً جسيماً أيضاً. فالفتيات اللاتي يتزوجن في سن صغيرة تزداد احتمالات تسربهن من المدرسة، ويكملن سنوات أقل من التعليم من نظيراتهن اللاتي يؤخرن الزواج. كما تزداد احتمالات أن ينجبن أطفالاً في سن مبكرة وأن يتعرضن لمستويات أعلى من العنف من جانب شريك الحياة. وهذا بدوره يؤثر على تعليم أطفالهن وصحتهم، وكذلك على قدرتهن على كسب قوت يومهن. وواقع الأمر أن الفتيات اللائي لم يحصلن سوى على قدر قليل من التعليم، أو لم يتعلمن أصلاً، تزيد احتمالات زواجهن وهن مازلن أطفالاً بستة أضعاف عن الفتيات الحاصلات على تعليم ثانوي. ووفقاً لتقرير صدر عام 2017، تتزوج أكثر من 41 ألف فتاة دون سن 18 سنة يومياً. ومن شأن وضع حد لهذه الممارسة أن يزيد من التحصيل العلمي المتوقع للنساء، ويزيد معه دخولهن الممكنة. وطبقاً للتقديرات الواردة في التقرير، فإن القضاء على ظاهرة زواج الأطفال يمكن أن يحقق منافع تزيد قيمتها على 500 مليار دولار سنوياً.
وكان لجائحة كورونا تأثير سلبي على صحة الفتيات ورفاهتهن. وتكشف البحوث المنشورة أن معدل انتشار العنف ضد الفتيات والنساء قد زاد خلال فترة الجائحة - وهو ما عرض صحتهن وأمنهن ورفاهتهن عموماً للخطر. وفي وقت إغلاق المدارس وفرض إجراءات الحجر الصحي إبَّان تفشي فيروس إيبولا في الفترة من 2014-2016 في غرب أفريقيا، تعرضت النساء والفتيات للمزيد من العنف والإكراه والاستغلال الجنسي. وارتبط إغلاق المدارس وقت تفشي الفيروس بزيادة حالات حمل المراهقات. وبمجرد إعادة فتح المدارس، حُرمت العديد من الطالبات ممن "ظهرت عليهن آثار الحمل" من العودة للمدرسة.