موضوع رئيسي

مصر: قائمة طويلة من المهام المطلوب انجازها

2015/03/12


Image

  


بدأ الاقتصاد المصري في التعافي الا انه ما زال هناك الكثير من الاجراءات التي يتعين اجراءها لتحقيق النمو الشامل. حوار أجرته السيدة سري مولياني إندراواتي، رئيس خبراء العمليات والمدير المنتدب، البنك الدولي مع شيرين عبد الرازق الصحفية بجريدة الأهرام ويكلي.

  • تحاول مصر أن تقدم نفسها لمجتمع الأعمال الدولي خلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في شرم الشيخ بوصفها مقصدا استثماريا جاذبا. كيف ترين الوضع الحالي للاقتصاد المصري؟

بدأت بوادر التعافي في الظهور على الاقتصاد المصري بعد 4 سنوات من تراجع النمو. غير أن الحكومة تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في تعزيز التعافي الاقتصادي مع معالجة المشاكل الهيكلية القائمة منذ زمن طويل. وتتضمن هذه المشاكل ارتفاع معدلات البطالة خاصة بين الشباب والنساء، واحتياجات الحكومة الشديدة إلى الاقتراض ,ونسب الديون غير المستدامة والاحتياجات الملحة  إلى الطاقة، وتدهور قاعدة البنية التحتية. وتمثل البطالة بين الشباب بشكل خاص تحديا كبيرا أمام استقرار الاقتصاد والاحتواء حيث أن 70% من العاطلين حاليا والبالغ عددهم 3.7 مليون شخص يقعون في الفئة العمرية 15-29 عاما.

نرحب بإجراءات ضبط المالية العامة التي اُتخذت في يوليو/تموز 2014. وفي الآونة الأخيرة أظهر البنك المركزي المصري مرونة كبيرة في إدارة سعر الصرف. فإذا استمر هذا الإصلاح على المسار نفسه وبالوتيرة ذاتها، يمكن تحقيق الاستقرار في المالية العامة ويمكن أن يبقى الاقتصاد على مسار من معدلات النمو المرتفعة. ويعكس ما طرأ على النشاط الاقتصادي مؤخرا ارتفاعا تدريجيا في الثقة، وزيادة الإنفاق الاستثماري، وتأثيرات أساسية مواتية.
 
ومن الأمور الجيدة أيضا أن نشاهد رغبة الحكومة في زيادة الإنفاق الاجتماعي، لكنها بحاجة أيضا إلى التأكد من استهداف الفئات المستحقة لمساعدة الفقراء وحمايتهم  مع تقييد معدلات التضخم في الوقت ذاته.

فالأولوية الرئيسية لمصر حاليا هي تشجيع نمو يقوده القطاع الخاص لخلق مجموعة ضخمة ومتنوعة ومنتجة من فرص العمل للقوى العاملة المتزايدة وخفض معدلات البطالة. إن البلاد بحاجة إلى زيادة جاذبية القطاعات كثيفة العمالة والتصدي للدعم المكلف للطاقة . فمن شأن كل هذا أن يحرر الموارد الحكومية اللازمة لتعزيز الإنفاق الاجتماعي من أجل مساعدة الفقراء.

  • ما هي الإصلاحات التي ما زال أمام مصر القيام بها؟

قائمة مصر من الإصلاحات المطلوبة طويلة.

أولا، من المهم استعادة ثقة الشعب المصري والأطراف الاقتصادية الفاعلة. ويتطلب هذا رؤية اقتصادية واضحة تجعل الاقتصاد المصري أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة مع بناء مؤسسات سليمة قوية.  فالإصلاحات التي ستساعد على زيادة الاستثمارات الخاصة تشمل: استمرار نظام ضريبي يتسم بالاستقرار والشفافية، وتبسيط الإجراءات الحكومية الخاصة بأنشطة الأعمال، وضمان ما يكفي من إمدادات الطاقة مع التركيز على زيادة نسبة الطاقة المتجددة. كما أن إنشاء برنامج تدريبي طموح بقيادة القطاع الخاص سيساعد على التصدي للفجوة الحرجة في المهارات.

ثانيا، يريد كل من الشعب المصري والقطاع الخاص مناخا منفتحا يشجع المنافسة ويوفر فرصا متكافئة للجميع. وكي يتحقق هذا على البلاد أن تعزز من الإدارة العامة الرشيدة وتدعيم فصل السلطات. ويعني هذا أن المؤسسات العامة التي تتسم بالشفافية والخضوع للمساءلة وسيادة القانون تُعد من الأمور الحيوية لتعزيز الرخاء المشترك والحد من الفقر. مازال أمام مصر شوطا لتقطعه. ومن المهم عدم تجنب مواجهة المشاكل الصعبة مثل التصدي للفساد أو خفض الحواجز أمام المنافسة.

ثالثا، على الصعيد الاجتماعي، من الواضح أن مصر أدركت أن النمو الاقتصادي يجب أن يكون شاملا ويصل إلى جميع شرائح الشعب.  ويقدم البنك الدولي المساندة الفنية والمالية لخطة الحكومة للإصلاح الاجتماعي والتي تركز على إعادة توجيه الموارد وتعزيز الخدمات الاجتماعية المقدمة للفقراء وبناء شبكة أمان اجتماعي قوية.

  • هل تتوقعين نجاح المؤتمر في اجتذاب الاستثمارات المستهدفة بما يتراوح من 15 إلى 20 مليار دولار؟

المؤتمر يمثل حدثا مهما وهدفه طموح. فهو يظهر أن مصر منفتحة أمام أنشطة الأعمال، ويقدم للعالم فرصة كي يعرف المزيد عن رؤية مصر. وفيما يتعلق بمجموعة البنك الدولي فإنه جزء من حوارنا المستمر مع نظرائنا المصريين.

وينبغي على مصر أن تبني على ما تحقق من تحسّن في الآونة الأخيرة في الأسواق وثقة المستثمرين عقب اعتماد الإصلاحات الهيكلية في يوليو/تموز 2014. فالمستثمرون ينتظرون من مصر الآن مواصلة هذا المسار.  وأفضل وسيلة لذلك هو إثبات وجود إرادة سياسية لإنشاء برنامج إصلاحي موثوق فيه على المدى المتوسط يعمل على تحسين ثقة المستثمر والقدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

بالتأكيد هناك فرص. فعلى سبيل المثال، يجتذب قطاع الزراعة اهتماما بالغا حيث أثبتت مصر قدرتها على تنمية قطاع بستنة عالي الربحية وصلت منتجاته إلى أسواق عالية الطلب في أوروبا والشرق الأوسط. ويمكن تنمية احتياجات البنية التحتية الأساسية للوجستيات سلاسل العرض عبر شراكات من القطاع العام والخاص.

وهناك فرص متنامية أمام المستثمرين في مصر في مجال مياه الشرب والصرف الصحي مثل مرافق تحلية المياه ومعالجة مياه الشرب ومياه الصرف. إن هذا هو الوقت المناسب للمستثمر كي يزيد من معرفته بهذا القطاع توقعا لإبرام صفقات في المستقبل.

  • هل تعتقدين أن التطورات في ليبيا والمشاركة المتوقعة لعملية عسكرية في اليمن قد تقوض من جاذبية مصر كمقصد استثماري؟

لا يمكن اختيار جيرانك. لكن للحيلولة دون وصول هذه الآثار إليها، يتعين على مصر أن تحقق نموا اقتصاديا  وتدعيم نسيجها الاجتماعي. ينبغي على مصر أن تكون مصدرا للاستقرار وسط جوار صعب لتجتذب المستثمرين. وهذا هو سبب أهمية استمرار مصر على المسار الصحيح بأجندتها الإصلاحية والاستفادة من ظهور  بوادر على التعافي وتحسن  أساسيات الاقتصاد وزيادة الإنفاق الاستثماري.

  • بين عامي 1999 و2010 ساعدتي على تشكيل البرنامج الإصلاحي لإندونيسيا الذي وضع بلادك على مسار الانتعاش الاقتصادي. ما هي أوجه التشابه بين مصر الآن وبلدك في أواخر التسعينات؟

كل بلد مختلف عن الآخر. فمصر تتعامل مع فجوة ضخمة بين التوقعات العالية والواقع المتمثل في ضعف الموازنة بل والقدرات. فهذا اختبار في حد ذاته. وقد تعاملنا مع مشاكل مماثلة في إندونيسيا. وهناك قدر كبير من التقلبات وعدم اليقين وخطر ظهور الانتهازية السياسية. وفي وسط هذا المزيج من المهم تطبيق الإصلاحات الصحيحة لكن من المهم أيضا تطبيقها بالأسلوب الصحيح. فالناس بحاجة إلى أن يستفيدوا منها، إنهم بحاجة إلى أن يشعروا أن الدولة تشعر بمصاعبهم ومتاعبهم. وينبغي عدم ادخار أي جهد لايجاد الموارد وتحسين الاحتواء.

فقد بدأت إصلاحاتنا في إندونيسيا بالتشديد على سيادة القانون. واستطعنا وضع قواعد تغطي كل شيء من حرية الإعلام إلى الاحتواء الاجتماعي ومن الانتخابات والفساد إلى التحرر من المركزية ومكافحة الاحتكار. وقد صدقنا على تشريع جديد للتمويل العام وكنا منفتحين في عملية الموازنة. كان من الضروري أن نلتزم الشفافية ونخضع للمساءلة. وقد استعنا بمدققين خارجيين مستقلين تجنبا لتضارب المصالح ولضمان النزاهة والمصداقية في إدارتنا للمالية العامة. وكانت استقلالية البنك المركزي أمرا رئيسيا نؤكد به أن إدارتنا للاقتصاد الكلي جديرة بالثقة. كانت هذه الإصلاحات مهمة في سياقنا الخاص.

لكن على كل بلد أن يحدد قائمته الخاصة به، وإن كانت المجالات الأساسية للإصلاح يجب أن تركز على سيادة القانون والإدارة العامة الرشيدة بما في ذلك فصل السلطات وقيام الاقتصاد بوظائفه.

وتتصدى مصر لبعض هذه المشاكل بالفعل. ومن الأمور الحيوية جدا عدم التوقف في منتصف الطريق.

  • ما هي النصائح الرئيسية التي توجهينها لبلد في مرحلة انتقالية سياسيا واقتصاديا؟

التحولات السياسية والاقتصادية – بل والأزمات حتى – تسمح للبلدان ببناء أسس أفضل شريطة عدم إضاعة الفرصة. وإذا كان بلد ما يرغب في أكثر من مجرد تخطي الفترة الانتقالية والخروج منها أفضل مما كان، فلا يمكن أن يعتمد فقط  على نجاحاته. وكما ذكرت سابقا، فإن مجالات التركيز الأساسية هي سيادة القانون والإدارة العامة الرشيدة واقتصاد يقوم بوظائفه والاحتواء الاجتماعي. لكن النجاح الاقتصادي يصعب تحقيقه بدون مساءلة واحتواء اجتماعي. ولذلك فمن المهم ضمان أن يشعر المواطن بأنه جزء من العملية الانتقالية وجزء من النجاح.

  • تضمنت وصفات المانحين الدوليين لعلاج مشاكل مصر الاقتصادية خفض الدعم وزيادة الضرائب. ما هي السياسات الاجتماعية التي ينبغي على مصر اتباعها لاحتواء أثر هذه التغييرات وجعل النمو الاقتصادي المستهدف شاملا؟

مشكلة الدعم غير المستهدف أو الذي لا يستهدف فئات بعينها هو أنه يفيد الأثرياء أكثر مما يفيد الفقراء لأن الأثرياء يستخدمون الموارد بدرجة أكبر. ويشجع الدعم أيضا على الاستهلاك غير الضروري ويمثل عبئا ماليا شديد الوطأة. فحين تكون مواردك محدودة يجب أن تنفقها بشكل أكثر كفاءة وأكثر فعالية. والدعم غير المستهدف لا هو هذا ولا ذاك. وتحتاج الزيادات الضريبية أيضا إلى أن تكون مستهدفة بصورة تتسم بالشفافية والفعالية كي تساعد على نمو القطاع الخاص وتحقيق النمو الشامل. وينبغي أن تتأكد السياسات الاجتماعية من أن الموارد تصل إلى الفقراء والمحرومين وتضمن أنهم يحصلون على خدمات جيدة كالرعاية الصحية والتعليم.

وتطبق بلدان كثيرة إصلاحات اقتصادية ناجحة بزيادة العائدات وتغيير أوجه الإنفاق للعثور على سبل حماية الفقراء والمحرومين بأسلوب مستدام.  ويقدم البنك الدولي لمصر المساندة الفنية والمالية لتمكينها من التوسع في التحويلات النقدية إلى أشد أفراد المجتمع فقرا. ويعد زيادة تشغيل الشباب والنساء من الإجراءات التدخلية المهمة الأخرى.

  • هل تعتقدين أن برامج التحويلات النقدية المشروطة قابلة للتطبيق في مصر في ضوء ضعف مستوى البيانات المطلوبة وارتفاع مستوى الفساد؟ ماذا ينبغي عمله؟

لقد حققت برامج التحويلات النقدية الفعالة جيدة الاستهداف نتائج باهرة في مكافحة الفقر في بلدان كالبرازيل والمكسيك. ونجحت أيضا في خفض معدلات الفقر وسوء التغذية وزيادة القيد في المدارس في المناطق الفقيرة. ولبرنامج ’تكافل وكرامة’ المصري، الذي يركز على أشد المناطق فقرا، إمكانية أن يصبح العمود الفقري لنظام من شبكات الأمان الاجتماعي. وعليكم بالطبع محاربة الفساد. والبيانات ضرورية لإنشاء برنامج اجتماعي جيد الاستهداف مع القدرة على رصد الأثر وتقييمه. ونحن نساند هذه العملية خلال السنوات الأربع الماضية ومستعدون لتقديم أي مساندة أخرى لضمان تطبيق النظام ونجاحه.

  • شهدت البلاد الكثير من التحوّلات منذ يناير 2011. كيف ظهر هذا في قيمة وطبيعة المشاريع التي تمولونها في مختلف القطاعات خلال هذه الفترة؟

تركز أعمال البنك على الفقراء. لكن معظم الأعمال الرئيسية لمحاربة الفقر وتشجيع النمو يجب أن تأتي من جانب القيادة المصرية. غير أنه بوسعنا أن نقدم الدروس المستفادة من البلدان الأخرى ونساند أجندة الإصلاح الطموحة. ويمكن أن نستخدم تأثيرنا الإقليمي لنرى ما يمكن أن يقوم به البنك الدولي علاوة على ذلك لتشجيع الاستقرار والنمو الشامل. وقد واصل البنك الدولي أيضا الاستثمار في الطاقة حتى في أكثر الأوقات عدم استقرارا حيث أننا نؤمن بأنها حيوية للقطاع الخاص كي يقوم بدور نشيط في خلق الوظائف في مصر. ونعمل مع الحكومة أيضا بشكل وثيق في مساندة البرامج الاجتماعية.

  • ما البرامج الرئيسية الجديدة التي يعكف البنك على العمل عليها مع الحكومة المصرية؟

البنك الدولي ملتزم بمساعدة الشعب المصري في محاربة الفقر وتعزيز الرخاء المشترك. ونحن ملتزمون التزاما تاما بتنفيذ مشاريع قيمتها 5.5 مليار دولار في قطاعات مختلفة من بينها الطاقة والنقل وخلق الوظائف والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم. ونعد حاليا مشاريع عن تدعيم الحماية الاجتماعية وزيادة المساكن الميسورة التكلفة والتوسع في خدمات الصرف الصحي. ويشجع البنك الدولي أيضا برامج تعمل على تحسين البيئة التنظيمية للقطاع الخاص كي يوفر فرص العمل وتحسين الخدمات التي يقدمها القطاع العام.

  • يعرب المراقبون عن قلقهم بشأن الدور المتنامي للعسكريين في الاقتصاد المصري إلى درجة إبعاد القطاع الخاص عن أنشطة معينة وخاصة ما تموله المساعدات الخليجية، فكيف يرى البنك الدولي هذا؟

إن وجود قطاع خاص مزدهر ونشيط أمر رئيسي لخلق فرص عمل وتحقيق التنمية الاقتصادية في مصر. وكما ذكرنا سابقا، فإن تشجيع اقتصاد منفتح والمنافسة وتكافؤ الفرص من الأمور الحيوية لاجتذاب المستثمرين.  وأنا أعلم من خبرتي أنه قد لا يسهل ذلك لكننا نعمل على ذلك مع الحكومة لتهيئة بيئة يمكن للقطاع الخاص أن يزدهر فيها كي يخلق فرص العمل التي يحتاجها المصريون لتحقيق حياة أفضل لأنفسهم.

  • هناك تحفظات على سجل حقوق الإنسان في مصر خاصة بعد يوليو/تموز 2013، إلى أي مدى يؤثر هذا على قراراتكم بشأن صرف المساعدات لأي بلد؟

إن رفاه أي شعب هو أمر حيوي لرسالتنا وهدفينا المتمثلين في إنهاء الفقر وتشجيع الرخاء المشترك. وتعد الشفافية وحرية تداول المعلومات وسيادة القانون من الشروط المسبقة للتنمية المستدامة. فهذه مبادئ نؤكد عليها مرة تلو الأخرى في جميع مشاركاتنا. وندين أي انحراف عن هذه المبادئ.