رأي 2018/06/18

الفجوة في رأس المال البشري: تشجيع الحكومات على الاستثمار في البشر

إن الحكومات التي تسعى لتحقيق النمو الاقتصادي تفضل الاستثمار في رأس المال المادي- الطرق الجديدة والجسور الجميلة والمطارات البراقة وغير ذلك من مرافق البنية التحتية. لكنها عادة ما تكون أقل اهتماما بالاستثمار في رأس المال البشري، وهو حاصل مجموع صحة السكان ومهاراتهم ومعارفهم وخبراتهم وعاداتهم. هذا خطأ، لأن إهمال الاستثمار في رأس المال البشري يمكن أن يضعف بشكل كبير قدرات الدولة التنافسية في عالم سريع التغير، حيث تحتاج البلدان إلى قدر متزايد من المواهب للحفاظ على النمو.

على مدار تاريخ مجموعة البنك الدولي، درس خبراء التنمية لدينا كل جوانب النمو الاقتصادي، وما الذي يساعد الناس على انتشال أنفسهم من الفقر، وكيف يمكن للبلدان النامية أن تستثمر في الرخاء. وفي عام 2003، نشر البنك أول تقرير سنوي عن ممارسة أنشطة الأعمال، الذي صنف البلدان  على أساس كل شيء من مستويات الضرائب إلى إنفاذ العقود.  وتبين أن من الصعب تجاهل النتائج:  واجه زعماء الدول ووزراء المالية احتمال تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر مع تفضيل الشركات الاستثمار في بلدان تتمتع بمناخ أفضل لممارسة أنشطة الأعمال. وخلال 15 عاما، كان تقرير ممارسة أنشطة الأعمال مصدر إلهام لأكثر من 3180 إصلاحا تنظيميا.

والآن نحن نتبع نهجا مماثلا لحشد الاستثمارات في البشر. يُعدّ خبراء مجموعة البنك الدولي مؤشرا جديدا لقياس كيفية إسهام رأس المال البشري في إنتاجية الجيل القادم من العمال. ومن المقرر إصداره في الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك في بالي في أكتوبر/ تشرين الأول، وسيقوم المؤشر بقياس مستوى الصحة، فضلا عن كمية وجودة التعليم المتوقع أن يحصل عليه الطفل المولود اليوم في سن 18 عاما.

ويدرك الباحثون الكثير عن المزايا العديدة لتحسين رأس المال البشري. لكن معارفهم لم تتحول إلى دعوة مقنعة للتحرك في البلدان النامية. ومن بين العوامل المقيدة غياب البيانات الموثوقة التي توضح فوائد الاستثمار في رأس المال البشري، ليس فقط لوزراء الصحة والتعليم ولكن أيضا لزعماء الدول ووزراء المالية وغيرهم من أصحاب التأثير في جميع أنحاء العالم. وهذا هو السبب في أن وجود مؤشر لرأس المال البشري عبر البلدان يمكن أن يحفز على زيادة الاستثمارات والفاعلية في القوة البشرية.

خلال العقود الثلاثة الماضية، بدأ متوسط العمر المتوقع يتقارب بين البلدان الغنية والفقيرة. كما توسع التعليم المدرسي بشكل هائل. لكن جدول الأعمال غير مكتمل: فما يقرب من ربع الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية، وأكثر من 260 مليون طفل ومراهق لا يذهبون للمدرسة، وما زال 60% من تلاميذ المدارس الابتدائية في البلدان النامية يفشلون في تحقيق الحد الأدنى من المهارات التعليمية.  في كثير جدا من الأماكن، تخفق الحكومات في الاستثمار في المواطنين.

قوة البشر

يمكن حساب قيمة رأس المال البشري بعدة طرق مختلفة. وفي العادة فعل الاقتصاديون ذلك من خلال قياس حجم المنافع التي يحققها الناس بعد البقاء في المدرسة لفترة أطول. وقد وجدت الدراسات أن كل سنة إضافية من التعليم تزيد من دخل الفرد حوالي 10٪ في المتوسط. كما أن جودة التعليم مهمة أيضا. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يؤدي استبدال معلم منخفض الكفاءة في فصل بمدرسة ابتدائية بآخر متوسط الكفاءة إلى زيادة إجمالي الدخل الذي سيجنيه طلاب هذا الفصل طول حياتهم بمقدار 250 ألف دولار.

لكن القدرات المعرفية ليست الأبعاد الوحيدة لرأس المال البشري التي يعوّل عليها. فالمهارات الاجتماعية والعاطفية، مثل المثابرة والاجتهاد، غالبا ما يكون لها عوائد اقتصادية كبيرة بالقدر نفسه. كما أن الصحة مهمة. فالشخص الأكثر صحة عادة ما يكون أكثر إنتاجية. لنفكر فيما يحدث عندما لا يعاني الأطفال من الديدان الطفيلية. وجدت دراسة أُجريت عام 2015 في كينيا أن تناول أدوية التخلص من الديدان في مرحلة الطفولة قلل الغياب في المدارس ورفع الأجور في سن البلوغ بنسبة تصل إلى 20% - وهي فوائد تستمر طوال الحياة لحبة لا تكلف سوى 30 سنتا لإنتاجها وتوزيعها.

إن الأبعاد المختلفة لرأس المال البشري تكمل بعضها البعض منذ السنوات الأولى من العمر. فالتغذية السليمة والتحفيز خلال شهور الحمل وأثناء الطفولة المبكرة يعملان على تحسين الرفاه الجسدي والنفسي خلال سنوات العمر التالية. على الرغم من أنه يمكن سد بعض الفجوات في المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية التي تظهر في سن مبكرة في وقت لاحق، يصبح القيام بذلك أكثر تكلفة مع بلوغ الأطفال سن المراهقة. ليس من المستغرب إذن أن التركيز على رأس المال البشري خلال الأيام الألف الأولى من حياة الطفل هو واحد من أكثر الاستثمارات فاعلية من حيث التكلفة التي يمكن أن تقوم بها الحكومات.

كيف يرتبط كل هذا بالنمو الاقتصادي؟ أحد الأسباب هو أنه عند جمع فوائد الاستثمارات الفردية في رأس المال البشري، يكون التأثير الكلي أكبر من مجموع الأجزاء. بالعودة إلى تلاميذ المدارس في كينيا:  شفاء طفل واحد من الديدان يقلل أيضا من فرص إصابة الأطفال الآخرين بالطفيليات، مما يؤدي بدوره إلى تهيئة هؤلاء الأطفال بشكل أفضل للتعلم وزيادة الأجور. كما أن تأثير بعض فوائد رأس المال البشري المحسَّن يتجاوز الجيل الذي يتم الاستثمار فيه. على سبيل المثال، يحسن تعليم الأمهات أمور الرعاية في فترة ما قبل الولادة صحة أبنائهن في مرحلة الرضاعة والطفولة.

الاستثمارات الفردية في رأس المال البشري تتراكم: قدر الخبراء الاقتصاديون في مجال التنمية أن رأس المال البشري وحده يفسر ما بين 10% و 30% من الفروق في نصيب الفرد من الدخل القومي عبر البلدان.

تستمر هذه الآثار الإيجابية أيضا مع مرور الوقت. ففي منتصف القرن التاسع عشر شجعت ولاية ساو باولو في البرازيل هجرة الأوروبيين المتعلمين إلى مستوطنات محددة. وبعد مرور أكثر من 100 عام، تتباهى تلك المستوطنات ذاتها بمستويات أعلى من التحصيل العلمي، ونصيب أكبر من العاملين في التصنيع وليس الزراعة، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل .

يحقق التعليم عائدات كبيرة على نحو خاص، لذلك يلعب دورا هاما في الحد من الفقر. قصة نجاح غانا هي شهادة على هذه العلاقة: خلال التسعينات والأعوام الأولى من هذا القرن، ضاعف هذا البلد من إنفاقه على التعليم وحسّن معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي بشكل كبير. ونتيجة لذلك، ارتفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بنسبة مذهلة بلغت 64 نقطة مئوية من أوائل التسعينات حتى 2012 ، وانخفض معدل الفقر من 61٪ إلى 13٪.

ومن شأن الاستثمارات في التعليم أن تحد أيضا من أشكال عدم المساواة. ففي معظم البلدان، يبدأ الأطفال المولودون لأبوين أكثر ثراء في الحصول على فرص أفضل في سنوات عمرهم الأولى، مما يؤدي إلى مزايا مدى الحياة، في حين تضيع هذه الفرص على الأطفال المولودين لأبوين فقيرين.  عندما تتخذ الحكومات خطوات لإصلاح هذه المشكلة، تبدأ أشكال عدم المساواة الاقتصادية في التراجع. وقد اعتمدت دراسة صدرت هذا العام على تجربة أجريت في نورث كارولاينا لبحث هل إذا عممت الولايات المتحدة برامج فعالة لتنمية الطفولة المبكرة، سينخفض عدم المساواة في الدخل بنسبة 7٪ - وهو ما يكفي لبلوغ مستويات المساواة الكندية.

تمتد الفوائد الاجتماعية للاستثمار في رأس المال البشري إلى أبعد من ذلك. فقضاء سنوات أطول في المدرسة يقلص احتمال ارتكاب الشخص جريمة ما. وكذلك البرامج التي تحسن المهارات غير المعرفية. ففي دراسة أجريت عام 2017 في ليبيريا، تم إلحاق تجار مخدرات ولصوص وغيرهم من أصحاب الميول الإجرامية ببرنامج للعلاج السلوكي المعرفي لبناء مهارات مثل التعرف على العواطف وتحسين ضبط النفس وتجاوز المواقف الصعبة. وقد أدى البرنامج، عندما اقترن بتحويل نقدي صغير، إلى خفض احتمالات عودة هؤلاء الرجال إلى حياة الجريمة.

ويرتبط رأس المال البشري أيضا بالمشاركة الاجتماعية. ففي منتصف السبعينيات، قامت نيجيريا بتعميم التعليم الابتدائي، مما أرسل مجموعة كبيرة من الأطفال إلى المدارس الابتدائية لم تكن لتلتحق بالمدارس لولا ذلك. وبعد مرور سنوات، كان هؤلاء الأشخاص أنفسهم على الأرجح يولون اهتماما كبيرا بالأخبار، ويتحدثون إلى نظرائهم في السياسة، ويحضرون اجتماعات المجتمعات المحلية، ويصوتون في الانتخابات.

كما أن الاستثمار في رأس المال البشري يزيد الثقة. فالشخص الأكثر تعليما هو أكثر ثقة بالآخرين، وتميل المجتمعات التي تشيع فيها أجواء الثقة إلى تحقيق نمو اقتصادي أعلى. كما أنها أكثر قدرة على التسامح:  تشير الأبحاث إلى أن الموجة الكبيرة من الإصلاحات في التعليم الإلزامي التي حدثت في جميع أنحاء أوروبا في منتصف القرن العشرين جعلت الناس أكثر ترحيبا بالمهاجرين مما كانوا عليه من قبل.


Image
علم أطفالك جيدا:  معلمة في شمال شرق نيجيريا، يونيو/حزيران 2017 © أكينتوندي أكينلاي / رويترز

اليد المرئية

رأس المال البشري لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل يجب أن ترعاه الدولة.  ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الأفراد غالبا ما يعجزون عن إدراك الفوائد التي يمكن أن يحققها الاستثمار في البشر للآخرين. على سبيل المثال، عندما يتخذ الآباء قرارا بشأن علاج أطفالهم من الديدان الطفيلية، يأخذون بعين الاعتبار التحسينات المحتملة في صحة أطفالهم، لكنهم نادرا ما يفكرون في كيفية خفض العلاج خطر انتقال العدوى لأطفال آخرين. أو عند اتخاذ قرار بشأن دفع نفقات إلحاق الأطفال بالتعليم قبل المدرسي، قد لا يفكر الآباء في الفوائد الاجتماعية الأوسع لذلك، مثل انخفاض معدلات الجريمة والسجن. هذه التأثيرات الثانوية مهمة:  وقدرت دراسة أجريت في عام 2010 لبرنامج واحد عن التعليم قبل المدرسي في ميشيجان في الستينيات أنه مقابل كل دولار ينفق، حصل المجتمع على 7 دولارات إلى 12 دولارا في المقابل.

وأحيانا، تعيق الأعراف الاجتماعية الآباء عن الاستثمار في أطفالهم. فعلى الرغم من أن تفضيل الآباء للأبناء على البنات قد تم توثيقه جيدا، فإن مدى التمييز يمكن أن يكون مذهلا. وقدرت حكومة الهند أن هناك ما يصل إلى 21 مليون "بنت غير مرغوب فيها" في البلاد، أو البنات اللاتي تمنى آباؤهن إنجاب أولاد بدلا منهن. يستثمر الآباء أقل كثيرا في هؤلاء الفتيات، سواء في الصحة أو التعليم. وفي أحيان أخرى، تريد الأسرة الاستثمار في رأس المال البشري لأطفالها ولكنها ببساطة لا تستطيع تحمل تكلفة ذلك. فلا يمكن للآباء الفقراء الذين لديهم أطفال موهوبين الحصول على قرض بضمان دخل أطفالهم في المستقبل من أجل دفع تكاليف تعليمهم اليوم. وحتى عندما يكون التعليم مجانيا، لا يزال يتعين على الآباء دفع تكاليف الانتقال والمستلزمات المدرسية، ناهيك عن تكلفة الفرصة البديلة إذ لا يستطيع الطفل الذي يذهب للمدرسة العمل لكسب دخل إضافي للأسرة.

وعلى الرغم من أهمية استثمار الحكومات في رأس المال البشري، فإن السياسة غالبا ما تحول دون ذلك. فقد يفتقر السياسيون إلى الحافز لدعم سياسات قد تستغرق عقودا لتؤتي ثمارها. فعلى سبيل المثال، طالما ليس هناك وباء غالبا ما يهمل الساسة الصحة العامة. وقلما يتم تمويل برامج الصحة العامة عن طريق زيادة الضرائب أو تحويل أموال من نفقات أكثر وضوحا، مثل البنية التحتية أو الدعم العام. واجهت الحكومة النيجيرية مقاومة كبيرة عام 2012 حينما ألغت دعم الوقود لإنفاق المزيد على خدمات صحة الأم والطفل. وركزت التغطية الإعلامية على الرفض الشعبي لإلغاء الدعم، وأولت اهتماما هزيلا بالتوسع في الرعاية الصحية الأولية الذي تشتد إليه الحاجة. وبعد احتجاجات عامة واسعة النطاق، أعادت الحكومة الدعم. وفي بعض البلدان، يتم تفسير هذه المقاومة بضعف العقد الاجتماعي ضمن أشياء أخرى:  فالمواطنون لا يثقون في حكومتهم، لذا يترددون في دفع أموال الضرائب التي يخشون من أنه سيُساء استخدامها.

كما أن مشكلة التنفيذ كبيرة أيضا. ففي جميع أنحاء العالم، لا يستطيع الكثير من الأطفال القراءة لأن معلميهم غير مدربين تدريبا كافيا. كشفت مؤشرات تقديم الخدمات، وهي مبادرة أطلقتها مجموعة البنك الدولي بالاشتراك مع التحالف الأفريقي للبحوث الاقتصادية لجمع البيانات عن ­بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، عن عمق المشكلة. في سبعة بلدان شملها الاستطلاع – كينيا، وموزامبيق رأس المال البشري لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل يجب أن تراعاه الدولة.

ونيجيريا، والسنغال، وتنزانيا، وتوجو، وأوغندا – أتقن 66% فقط من معلمي الصف الرابع  منهج اللغة الذي كان من المفترض أن يدرّسوه، وأن 68٪ فقط لديهم الحد الأدنى من المعرفة اللازمة لتدريس الرياضيات. وفي مجال الرعاية الصحية، تنجح الكوادر الطبية المتخصصة في هذه البلدان في تشخيص الأمراض المنتشرة مثل الملاريا، والإسهال، والالتهاب الرئوي، والسل، والسكري بطريقة سليمة في 53% فقط من الحالات. كما يشكل التنفيذ تحديا في الأماكن التي يفتقر فيها الأشخاص الذين يقدمون خدمة معينة إلى الحافز للقيام بوظائفهم بشكل جيد. ففي هذه البلدان السبعة نفسها، كان المعلمون في المتوسط  يدرسون فقط نصف الوقت المفترض أن يدرسوا فيه. وفي كثير من الحالات، تكمن المشكلة في أن موظفي الخدمة المدنية يعملون في بيروقراطيات مسيسة، حيث تعتمد الترقيات على العلاقات الشخصية، وليس الأداء.

ولكن هناك قصص نجاح. وعندما تلتقي حوافز الحكومات المركزية والحكومات المحلية ومقدمي الخدمات، يمكن للبلدان أن تقطع خطوات كبيرة في تحسين رأس المال البشري. وكان هذا هو الحال مع خطة ناسر في الأرجنتين،  وهي برنامج أطلق عام 2004 بمساندة من مجموعة البنك الدولي يقدم التأمين الصحي للأسر التي لا تشملها مظلة التأمين.  وخصصت الخطة تمويلاً للأقاليم استنادا إلى مؤشرات قياس نطاق ونوعية الخدمات التي تقدمها للرعاية الصحية الخاصة بالأم والطفل، وهو النهج الذي حفز الأقاليم على الاستثمار في تحسين الرعاية. وبين المستفيدين من الخطة، تراجع احتمال انخفاض وزن المواليد عند الولادة بنسبة 19%.

ويزداد عدد السكان في البلدان النامية الذين يطالبون برعاية صحية وتعليم أفضل. ففي بيرو، على سبيل المثال، وضعت حملة رائعة قادتها منظمات المجتمع المدني تقزم الأطفال بقوة على جدول الأعمال السياسي في عام 2006 ، وهو عام الانتخابات. واستجاب السياسيون بتحديد هدف واضح لتقليل التقزم بمقدار خمس نقاط مئوية خلال خمس سنوات. وتمكن البلد من تجاوز هذا الهدف الطموح: ومن عام 2008 إلى عام 2016 ، انخفض معدل التقزم بين الأطفال دون الخامسة بنحو 15 نقطة مئوية. وكان ذلك دليلا على أن التغيير أمر ممكن.

قوة القياس

عندما يفشل السياسيون والجهاز البيروقراطي في تقديم الخدمات، يعاني الفقراء أكثر من غيرهم. ولكن هناك طريقة لتمكين الناس من المطالبة بالخدمات التي يستحقونها: الشفافية. يتيح تحسين الوصول للمعلومات للمواطنين معرفة ما يفعله زعماؤهم وموظفو الخدمة المدنية وما لا يفعلونه. فمثلا في أوغندا عام 2005، أصدر الباحثون الذين يعملون مع المنظمات المجتمعية بطاقات لتقييم المرافق الصحية المحلية، والتي حفزت المجتمعات المحلية على المطالبة بتحسين الخدمات. أدت هذه السياسة البسيطة إلى تحسينات مستدامة في النتائج الصحية، بما في ذلك انخفاض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة. وبالمثل، في عام 2001 ، بعد صدور نتائج ألمانيا المخيبة للآمال في النسخة الأولى من برنامج التقييم الدولي للطلاب – وهو الحدث المعروف باسم "صدمة بيزا" - نفذت الحكومة إصلاحات تعليمية كبرى أدت لتحسين التعلم.

وبالمثل أثبتت تقييمات التعلم أهمية رئيسية في تنزانيا. ففي عام 2011، نشرت منظمة تواويزا غير الحكومية، بدعم من مجموعة البنك الدولي، نتائج دراسة مسحية لتقييم إلمام الأطفال بأساسيات القراءة والكتابة والحساب. وكانت النتائج محزنة : لم يتقن سوى ثلاثة من بين كل عشرة طلاب في الصف الثالث قواعد الحساب الخاصة بالصف الثاني، وكان عدد من يمكنهم قراءة قصة الصف الثاني باللغة الإنجليزية أقل من ذلك. وفي الوقت نفسه تقريبا، ظهرت نتائج الدراسات المسحية لمؤشرات تقديم الخدمات وسلطت الضوء على عدم كفاءة المعلمين وتغيبهم عن العمل. وقد أدى غضب الرأي العام الذي استتبع ذلك إلى تطبيق مبادرة "النتائج الكبيرة الآن" في تنزانيا، وهي جهد حكومي لمعالجة المستويات المنخفضة للتعلم.

كما يظهر من هذه الأمثلة، يمكن أن يؤدي الإعلان عن تحليل موثوق لحالة تنمية رأس المال البشري، إلى تحفيز العمل. هذا هو المنطق الكامن وراء المقاييس التي تطورها مجموعة البنك الدولي لتحديد العناصر الأساسية لرأس المال البشري. في البلدان التي يكون فيها الاستثمار في رأس المال البشري غير فعال، يمكن لهذه المقاييس أن تكون بمثابة دعوة إلى العمل. ونقوم بتركيز جهودنا في مجالات الصحة والتعليم من خلال النظر إلى الأساسيات. هل سيعيش الأطفال الذين يولدون اليوم ما يكفي ليلتحقوا بالمدرسة؟ هل لو حدث ذلك سيلتحقون بالمدرسة؟ كم عدد السنوات التي سيتعلمون فيها وما هو مقدار ما سيحصلون عليه من تعلم؟ هل سيغادرون المدرسة الثانوية بصحة جيدة ومستعدين للتعلم والعمل في المستقبل؟

في الكثير من البلدان النامية، هناك قدر كبير من العمل الذي ينبغي القيام به من أجل صحة الشباب. ففي بنين وبوركينا فاصو وكوت ديفوار، لن يشهد 10% من الأطفال الذين يولدون اليوم عيد ميلادهم الخامس. في جنوب آسيا، ونتيجة لسوء التغذية المزمن، فإن أكثر من ثلث الأطفال دون الخامسة أقصر من الطول المتوقع بالنسبة لعمرهم، مما يضر بنموهم العقلي ويحد بشدة من قدرتهم على التعلم.

كما أن حالة التعليم مثيرة للقلق بنفس القدر. للتعرف بشكل أفضل على ما إذا كان التعليم المدرسي يترجم إلى تعلّم، قامت مجموعة البنك الدولي، بالشراكة مع معهد اليونسكو للإحصاء، بإنشاء قاعدة بيانات شاملة جديدة لدرجات اختبارات التحصيل الدراسي للطلاب. قمنا بمواءمة النتائج من عدة ­برامج اختبار رئيسية تغطي ما يربو على 150 بلدا، بحيث يمكن مقارنتها مع درجات برنامج التقييم الدولي للطلاب.   وتكشف قاعدة البيانات عن فجوات هائلة في التعلم: أقل من نصف الطلاب في البلدان النامية يحققون ما يطلق عليه برنامج التقييم الدولي للطلاب "الحد الأدنى من المهارات" – أي درجات تقرب من 400 - مقارنة مع 86% في البلدان المتقدمة. في سنغافورة، وصل 98% من الطلاب إلى المعيار الدولي للمهارات الأساسية في المدارس الثانوية، وفي جنوب أفريقيا ، وصل 26٪ من الطلاب. وبعبارة أخرى، فإن جميع طلاب المدارس الثانوية في سنغافورة تقريبا يتمتعون بمهارات كافية لسوق العمل، في حين أن نحو ثلاثة أرباع شباب جنوب أفريقيا يعانون من الأمية الوظيفية. وهذا إهدار مذهل للإمكانيات البشرية.

عادة ما تقضي وزارات المالية مزيدا من الوقت في القلق بشأن رصيد البلد من الديون  وليس رصيدها من رأس المال البشري.

عندما يترك الأطفال المدرسة، يواجهون مستقبلا مختلفا للغاية من حيث الصحة، وفقا للبلد الذي يعيشون فيه. أحد المؤشرات الصارخة هو معدلات بقاء البالغين على قيد الحياة: ففي البلدان الأكثر ثراء، أقل من 5% من الأطفال في سن الخامسة عشرة لن يبلغوا الستين. ولكن في البلدان الأكثر فقرا، سيموت 40% من الأطفال في سن الخامسة عشرة قبل بلوغهم الستين.

توفر نقاط البيانات الفردية هذه لمحات عن الاختلافات الشاسعة في الصحة والتعليم فيما بين البلدان. ولجمع هذه الأبعاد المختلفة لرأس المال البشري معا في وحدة متكاملة، فإننا في مجموعة البنك الدولي نجمعها معا في مؤشر واحد يقيس عواقب الفشل في الاستثمار في رأس المال البشري فيما يتعلق بالإنتاجية المفقودة للجيل القادم من العاملين. ففي البلدان التي تنفق أقل استثمارات في رأس المال البشري اليوم، يشير تحليلنا إلى أن إنتاجية قوة العمل في المستقبل ستكون فقط بين ثلث ونصف ما كانت ستصبح عليه لو تمتع الناس بموفور الصحة وحصلوا على تعليم عالي الجودة.

إن قياس الفوائد الاقتصادية للاستثمار في رأس المال البشري بهذه الطريقة لا يقلل من القيمة الاجتماعية والحقيقية لتحسين الصحة والتعليم. وبدلا من ذلك، فإنه يلفت الانتباه إلى التكاليف الاقتصادية للفشل في توفيرها. فعادة ما تشعر وزارات المالية بقدر من القلق بشأن رصيد البلد من الديون المستحقة أكبر مما تشعر به من القلق على رصيدها من رأس المال البشري. من خلال إظهار التأثيرات المفيدة للاستثمار في رأس المال البشري على إنتاجية العامل، يمكن لمجموعة البنك الدولي أن تثير قلق صانعي السياسات بشأن ما يحدث في مدارسهم ومستشفياتهم بقدر قلقهم على حساباتهم الجارية.

علاوة على ذلك، سيصاحب المؤشر تصنيف، والذي ينبغي أن يكون بمثابة دعوة للتحرك في البلدان التي ينخفض فيها هذا الاستثمار. تعلمنا من تقرير ممارسة أنشطة الأعمال أنه حتى مع وجود أكثر المقاييس شمولا، لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى النهوض بإصلاحات.  ويضع التصنيف الأمر مباشرة أمام زعماء الدول ووزراء المالية، ويجعل من الصعب تجاهل الأدلة.

فالمقارنة المعيارية بين البلدان ليست سوى خطوة أولى. إذا أرادت الحكومات تحديد ما هي استثمارات رأس المال البشري التي ستؤتي ثمارها، فإنها تحتاج إلى أن تكون قادرة على قياس العوامل المختلفة التي تسهم في رأس المال البشري. والقياس الأفضل هو مصلحة عامة، ومثلها مثل معظم السلع العامة فإنها تعاني من نقص مزمن في التمويل. يمكن لمجموعة البنك الدولي أن تضيف قيمة حقيقية هنا: فيمكن أن تساعد في تنسيق جهود القياس المختلفة بين شركاء التنمية، وجمع معلومات أكثر وأفضل، وتقديم المشورة لصانعي السياسات حول كيفية استخدامها، وتقديم الدعم الفني، والمساعدة في تصميم إجراءات تدخل فعالة.

 

رأس المال البشري في القرن الواحد والعشرين

رأس المال البشري مهم – للناس، والاقتصاد، والمجتمعات، والاستقرار العالمي. وهو مهم عبر الأجيال. عندما تخفق البلدان في الاستثمار بصورة مثمرة في رأس المال البشري، تكون التكلفة ضخمة، خاصة للأشد فقرا.  وتضع هذه التكاليف الأجيال الجديدة في مأزق. مع التقدم التكنولوجي الذي يولي اهتماما كبيرا بالمهارات العليا، فإن فشل البلدان في تمهيد الطريق أمام مواطنيها ليعيشوا حياة منتجة لن يفضي إلى تكاليف عالية فحسب، بل من المرجح أن يولد المزيد من التفاوتات. كما أنه سيعرض الأمن للخطر، لأن عدم تلبية التطلعات يمكن أن يؤدي إلى الاضطرابات.

إن توفير معلومات أفضل هو جزء من العلاج لكنه مجرد جزء. فمن ناحية، يصعب على أي حكومة تقديم خدمات عالية الجودة إذا لم يكن هناك ما يكفي من المال. لذلك فإن البلدان التي تعاني من نقص مزمن في الاستثمارات في رأس المال البشري، سوف تضطر إلى سد الثغرات والاستثناءات الضريبية، وتحسين تحصيل الإيرادات، وإعادة توجيه الإنفاق بعيدا عن الدعم الذي لا يصل لمستحقيه. على سبيل المثال، خفضت مصر وإندونيسيا بشكل كبير من دعم الطاقة في السنوات الأخيرة، ووجهت هذه الموارد لشبكات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. ويمكن أن تسير الإيرادات الكبيرة جنبا إلى جنب مع نتائج صحية أفضل. وبين عامي 2012 و 2016، سمحت إيرادات ضرائب التبغ للفلبين بزيادة ميزانية وزارة الصحة إلى ثلاثة أمثالها وزيادة عدد السكان الذين تشملهم مظلة التأمين الصحي إلى ثلاثة أضعاف. وفي الولايات المتحدة، تهدف مدن مثل فيلادلفيا إلى استخدام موارد من ضرائب الصودا لتمويل التعليم في سنوات الطفولة المبكرة.

ومع ذلك فإن زيادة التمويل غير كافية. ويتعين على بعض البلدان العمل على تحسين كفاءة خدماتها الاجتماعية مع الحفاظ على جودتها. ففي البرازيل، على سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها مجموعة البنك الدولي مؤخرا أن تحسين الكفاءة في قطاع الصحة على المستوى المحلي يمكن أن يحقق وفورات تعادل حوالي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي. في البلدان الأخرى، سيكون تحقيق التوازن بين  المصالح المتضاربة لأصحاب المصلحة المباشرة أمرا بالغ الأهمية. فقد أبرزت خبرة شيلي التي تمتد عقودا في مجال الإصلاحات التعليمية أهمية بناء تحالفات سياسية للتركيز على هدف رئيسي واحد: التعلم للجميع.  في عام 2004، تمكنت شيلي من ربط أجور المعلمين بالأداء من خلال موازنة هذا الإصلاح مع تنازلات لنقابات المعلمين.

لكن بغض النظر عن نقطة البداية، فإن القياس الأفضل أمر حاسم. في النهاية، يمكنك فقط تحسين ما تقيسه. ويجب أن يؤدي القياس الأكثر دقة إلى توقعات مشتركة بشأن الإصلاحات المطلوبة. كما يجب أن يجيب على الأسئلة حول الأولويات، وأن يولد نقاشا مفيدا عن مختلف السياسات، وأن يعزز الشفافية.

في عام 1949، كتب رئيس البنك الدولي، جون ماكلوي، في هذه الصفحات، "إن التنمية ليست شيئا يمكن رسمه على لوحة رسم، ثم بث الحياة فيه من خلال عصا سحرية من المساعدات الدولارية." وقال ماكلوي إنه كانت هناك فجوة في كثير من الأحيان بين مفاهيم التنمية والتنفيذ العملي. هذه هي بالضبط الفجوة التي صُمم مؤشر مجموعة البنك الدولي لرأس المال البشري لإغلاقها.  وستشجع المقاييس الجديدة البلدان على الاستثمار في رأس المال البشري مع شعور قوي بضرورة التحرك. وسيساعد ذلك على إعداد الجميع للتنافس والازدهار في اقتصاد المستقبل – بغض النظر عما قد يحدث. وسوف يساعد ذلك النظام العالمي على أن يكون ملائما للجميع. والتقاعس عن القيام بهذه الاستثمارات سيكون ببساطة مكلفا جدا للتقدم البشري والتضامن الإنساني.

نشرت لأول مرة في Foreign Affairs باللغة الإنجليزية

Api
Api