خطب ونصوص 2017/10/13

جيم يونغ كيم - الكلمة الافتتاحية للاجتماعات السنوية

الرئيس فاخوري، السيدة لاغارد، المحافظون، صديقيّ العزيزان جيم وإيلينا ولفنسون، الوزراء، والأصدقاء،

إنه لشرف لي أن أخاطبكم، بعد خمس سنوات من وقوفي أول مرة أمامكم في طوكيو.

كل عام، نجتمع لهذه الاجتماعات السنوية من أجل مواجهة التحديات الأشد أهمية التي تؤثر على حياة مليارات البشر في جميع أنحاء العالم. وكل عام نرسم مسار جهودنا الجماعية من أجل نجاح التنمية للجميع، ولضمان حياة كريمة للجميع.

وهذا وقت حاسم لعمل مجموعة البنك الدولي. والخبر السار هو أن النمو العالمي قوي إذ بلغ 2.7% هذا العام. وشهد الربع الثاني من العام الماضي أعلى معدلات النمو الفصلية منذ عام 2010.

كما أن التجارة تشهد انتعاشا. بيد أن الاستثمار لا يزال ضعيفا، ونحن نشعر بالقلق من أن بعض المخاطر كارتفاع النزعة الحمائية، أو عدم اليقين على صعيد السياسات، أو الاضطرابات المحتملة في الأسواق المالية، يمكن أن يقوض هذا الانتعاش الهش. وهذا هو السبب في أن الوقت قد حان كي تتخذ جميع البلدان تدابير بشأن الإصلاحات اللازمة لتنمية اقتصادها والتنافس فيما سيكون – قطعاً - مستقبلا أكثر تعقيدا وإلحاحا ويغلب عليه الطابع الرقمي.

كما نجتمع ثانيةً في وقت تصل فيه أزمات متعددة إلى ذروتها، أو تلوح في الأفق:

· الصراعات، والأوبئة، وتغير المناخ، والمجاعات تؤثر على الناس في شتى أنحاء العالم، وتسهم في النزوح القسري لأعداد من البشر لم يسبق لها مثيل في التاريخ؛

·  البلدان في كل مناطق العالم تقريبا تتحول إلى الانغلاق؛

· الإرهاب الدولي والمحلي يهاجم كل ركن من أركان العالم.

كثيرا ما يبدو أن عالمنا المتزايد ترابطه يتداعى في الواقع، وأن البلدان والشعوب تتباعد بعضها عن بعض. وفي خضم هذا الاضطراب، يجب على منظمات كمجموعة البنك الدولي أن تتقدم وتساعد على بناء أسس جديدة للتضامن الإنساني. إننا جزء من النظام العالمي ما بعد عام 1945 الذي قام على فكرة أن ما يؤثر على مدينة واحدة أو بلد واحد أو منطقة واحدة يمكن أن ينشئ آثارا علينا جميعا بشكل فوري ودائم. وهذه الأسس الجديدة للتضامن الإنساني يجب أن تنقلنا من الهيكل القديم، المتمثل في المانحين والمستفيدين، إلى عقد إنمائي جديد بين أصحاب المصلحة المباشرة.

في عام 2013، أعلنّا عن أهدافنا الرامية إلى إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030، وتعزيز الرخاء المشترك بين أفقر 40% من السكان في جميع أنحاء العالم. وقبل عام، أوضحت السبل الثلاثة التي ستصل بنا إلى هذه الغاية، وهي تقوم على: تسريع النمو الاقتصادي الشامل والمستدام؛ وبناء القدرة على الصمود إزاء الصدمات والتهديدات؛ وزيادة الاستثمار – بقدر أكبر من الفاعلية - في البشر.

وفيما يتعلق بنا، يُعد هذا وقتا هاما بصفة خاصة للتصدي للفقر على مستوى العالم، وذلك لأن لدينا مجالا أكبر لاتخاذ تدابير جريئة من أجل نمو الاقتصاد وحماية البلدان من الأزمات الرئيسية المتداخلة والاستثمار في البشر.

وقبل أن أضرب لكم بعض الأمثلة على تقدمنا على جميع الجبهات، أتوجه بالشكر للموظفين المتفانين في مجموعة البنك الدولي، الذين يعملون بلا كلل لتحقيق هدفينا الطموحين. وأود كذلك أن أشيد بالبلدان المتعاملة معنا وبمساهمينا الذين بذلوا جهودا هائلة تحت الشدائد لتحقيق أعلى طموحاتهم.

وتتمثل الركيزة الأولى لاستراتيجيتنا، الرامية إلى إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك، في تسريع النمو الاقتصادي الشامل والمستدام.

إننا نعلم أن المساعدات الإنمائية الرسمية لن تكفي لتغطية 4 تريليونات دولار مطلوبة سنويا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتلبية طموحات العالم المتزايدة.

وفي شهر أبريل/نيسان الماضي، وقبل عقد اجتماعات الربيع، دعوت إلى اتباع نهج جديد نعظم فيه الموارد التمويلية من أجل التنمية وذلك عن طريق إشراك استثمارات القطاع الخاص بانتظام وجعلها تعمل لصالح البلدان النامية والفقراء. وقد وضعنا المبادئ المشتركة لإشراك الموارد التمويلية الخاصة، واعتمدت مجموعة العشرين هذه المبادئ في الصيف الماضي. وهذا مثال عظيم على التعاون الوثيق بين جهاز الإدارة ومجلس المديرين التنفيذيين لبدء تغيير أساسي في نهجنا إزاء تمويل التنمية.

إن تعظيم الموارد التمويلية من أجل التنمية لا يقوم على أيديولوجية، وهو ليس علاجا شافيا لجميع التحديات الإنمائية. بل هو نهج قائم على الشواهد حيث نطرح سؤالا مباشرا للغاية: كيف يمكن أن نعظم الموارد التي تحتاجها البلدان النامية للقيام بما تحتاج القيام به لصالح شعوبها، مع التقليل إلى أدنى حد من عبء الدين العام؟

ويعني تعظيم الموارد التمويل من أجل التنمية إيجاد حلول مربحة للطرفين، حيث يحصل المستثمرون على عائد جيد، وتستخدم البلدان هذه الموارد لتحقيق أهدافها الإنمائية. ونحن نعد هذا النهج للتطبيق مع فرق من مختلف وحدات مجموعة البنك الدولي، ولقد شهدنا بالفعل نتائج عظيمة.

قبل ثلاث سنوات في مصر، بلغت إعانات الدعم للطاقة 6.6% من إجمالي الناتج المحلي – أي أكثر مما تنفقه الحكومة على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية مجتمعة. وحين أرادت مصر إصلاح قطاع الطاقة، صممت مجموعة البنك الدولي حزمة شاملة من الإجراءات:

· قدم البنك الدولي للإنشاء والتعمير المساعدة الفنية والخبراء والدراسات التحليلية، وقرضا بقيمة 3 مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات لإصلاح السياسات؛

· قدمت مؤسسة التمويل الدولية 645 مليون دولار للقطاع الخاص؛

· وبمبلغ قدره 210 ملايين دولار من عمليات التأمين ضد المخاطر قدمته الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، أسفرت الجهود المشتركة بين مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار عن تعبئة ملياري دولار من الاستثمارات الخاصة في برنامج تعريفة التغذية للطاقة الشمسية في مصر.

وساعدت إصلاحات السياسات، والاستثمارات الخاصة الأولية، والتأمين ضد المخاطر في اجتذاب 15 مصرفا و20 مستثمرا مختلفا لمشروع ضخم لحديقة الطاقة الشمسية، وسيسهم العديد من هؤلاء المستثمرين في المشاريع المستقبلية. وساعدت هذه الجهود على جذب أكثر من 15 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة في قطاع الغاز في مصر.

ونتيجة لجهود الحكومة المصرية الرامية إلى خفض دعم الوقود الأحفوري وغيره من الإصلاحات، زاد الحيز المتاح بالموازنة نحو 14 مليار دولار سنويا. وسمح ذلك للحكومة ببدء برنامجين جديدين للتحويلات النقدية يصل إلى 1.7 مليون مواطن فقير؛ وزيادة إعانات دعم المواد الغذائية لأشد المواطنين فقرا بنسبة 300%؛ والتوسع في برنامج التغذية المدرسية.

لقد تعلمنا بعض الدروس القيّمة من هذا الجهد في مصر، والأهم من ذلك، أنه بوسعنا أن نكون أكثر استباقية في خلق الأسواق – لا الانتظار فحسب حتى تظهر هي من تلقاء نفسها. وأثبتنا أنه يمكن النجاح في تمويل قطاعات أخرى غير البنية التحتية مثل المساعدة في تحويل القطاع الصحي في تركيا.

إذ كان معدل وفيات الرضع في تركيا عام 2002 أعلى كثيرا من المعدلات في بلدان أخرى بمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، وكان العمر المتوقع عند الميلاد أقل بسنوات. لذلك بدأت الحكومة إصلاحا طموحا للنظام الصحي بأكمله شمل الحصول على المشورة والقروض من البنك الدولي للإنشاء والتعمير.

وقامت تركيا بتدشين شراكة بين القطاعين العام والخاص عام 2010؛ وقدم البنك الدولي للإنشاء والتعمير قرضا ومساندة فنية بقيمة 134 مليون دولار؛ واستثمرت مؤسسة التمويل الدولية 241 مليون دولار، وعبأت 540 مليون دولار أخرى من الاستثمارات الخاصة؛ وقدمت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار ضمانات للمخاطر السياسية.

وكان من بين المشاريع الرئيسية مجمع إيلازيج الصحي المتكامل - وهو مستشفى يضم ألف سرير بتكلفة 400 مليون يورو تم تمويله بأول إصدار لسندات المشروع، وذلك في إطار برنامج الشراكة التركي بين القطاعين العام والخاص. وعملت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير مع روناسانس القابضة - وهي مجموعة تركية للإنشاءات، وميريديام - وهي شركة استثمار فرنسية خاصة تعمل في البنية التحتية – على إعداد تطبيق مبتكر لتعزيز الائتمان أتاح تمويل المشروع في سوق السندات. وحصل المشروع على درجتين أعلى من السندات السيادية التركية في تصنيف موديز الاستثماري.

وكانت هذه الاستثمارات مجرد أجزاء صغيرة نسبيا لكنها مهمة للغاية في برنامج كبير أحدث تحوّلا في القطاع الصحي في تركيا، وزاد بشكل كبير من إمكانية الحصول على خدمات الصحة العامة وتحسينها. ففي عام 2002، كان أقل من ثلثي سكان تركيا يتمتعون بتغطية التأمين الصحي، وكان أكثر قليلا من نصفهم يحصلون بصورة منتظمة على خدمات الرعاية الصحية. لكن برنامج التحوّل الصحي ساعد على تعميم التغطية التأمينية تقريبا، وأصبح 98% من المواطنين الأتراك مشمولين بالتأمين الصحي بأسعار ميسورة.

وأدى البرنامج أيضا إلى تحسينات كبيرة في الأوضاع الصحية في جميع أنحاء تركيا. إذ انخفضت وفيات الرضع إلى النصف، وارتفع متوسط ​​العمر المتوقع عند الميلاد من 71 عاما إلى 74 عاما، وانخفض معدل وفيات الأطفال دون الخامسة بنسبة 55%.

هذان مثالان فقط من عديد من الأمثلة التي تظهر أننا نتوسع وننتشر الآن في جميع أنحاء العالم. ولم يكن هناك وقت أفضل لإشراك استثمارات القطاع الخاص. فهناك حاليا ما يزيد على 10 تريليونات دولار مُستثمرة في سندات بأسعار فائدة سلبية؛ و24 تريليون دولار في أوراق مالية حكومية ذات عائد منخفض؛ و5 تريليونات دولار من السيولة النقدية تنتظر فرص استثمارية لها عوائد أفضل.

وفى دافوس العام الماضي، قال الرئيس الصيني شى جين بينغ إن نظام السوق العالمية هو المحيط الذى نسبح فيه جميعا ولا نستطيع الهروب منه. وأضاف: "أي محاولة... لنقل المياه من المحيط مرة أخرى إلى بحيرات وخلجان صغيرة معزولة هو ببساطة أمر غير ممكن". إن تعظيم الموارد التمويلية من أجل التنمية هو أفضل الفرص المتاحة أمامنا لجعل نظام السوق العالمية يعمل من أجل الجميع.

ويتعين علينا أن نعتنق مفهوم أن مسؤوليتنا الأخلاقية الكبرى هي تحقيق تكافؤ الفرص. ويتيح نهج تعظيم الموارد التمويلية من أجل التنمية للبلدان ما يلزم من موارد لبناء الجسور وحدائق ومجمّعات الطاقة الشمسية والمستشفيات. فهو يحرر الأموال لبناء المدارس، والتدريب على العمل، وشبكات الأمان الاجتماعي، ويُوجِد حلولا مربحة للجميع يمكن أن تحقق النمو الاقتصادي وتمنح فرصا للجميع - للحصول على تعليم جيد، ووظيفة مستقرة، وتحقيق أفضل طموحاتهم.

وتتمثل الركيزة الثانية لاستراتيجيتنا في بناء القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات والأزمات المتداخلة، ومن أهم هذه التحديات تغير المناخ.

عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، ونحن قد داهمنا الوقت – فقد كان عام 2016 للعام الثالث هو الأكثر سخونة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة. فكل من الأعوام الثلاثة الماضية كسر الرقم القياسي السابق. وفي جميع أنحاء العالم، تدفع الكوارث الطبيعية الأكثر تطرفا 26 مليون شخص إلى براثن الفقر كل عام.

علينا أن نخفض بصمتنا الكربونية وأن نساعد البلدان على التكيّف مع الكوارث الطبيعية، مثلما شهدته الآونة الأخيرة من أعاصير في منطقة البحر الكاريبي وفيضانات مدمرة في جنوب آسيا.

وفى العام الماضي، قدمت مجموعة البنك الدولي قروضا إجماليها 12.8 مليار دولار للاستثمار في الأنشطة المناخية، أي ما يعادل 22% من محفظتنا. فنحن الآن أكبر ممول للاستثمارات المتعلقة بالمناخ في العالم النامي، ونسير على الطريق الصحيح لتحقيق هدفنا المتمثل في أن تحقق 28% من محفظتنا منافع مناخية بحلول عام 2020.

كما أننا نستعين بقدرتنا التجميعية في توسيع نطاق التدابير المناخية من خلال الجمع بين القطاعين العام والخاص. فهناك 23 تريليون دولار من الاستثمارات المحتملة فقط ضمن التزامات باريس من 21 بلدا من بلدان الأسواق الناشئة - بما في ذلك المباني المراعية للبيئة، والنقل المستدام، والطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة.

نحن بحاجة إلى استثمارات تراعي المناخ تصل إلى تريليونات، وليس مليارات، الدولارات. وسيجري استثمار ما يقرب من 90 تريليون دولار في مشروعات البنية التحتية على مدى السنوات الخمسة عشر المقبلة - وذلك لتحل فقط محل البنية التحتية القديمة في البلدان المتقدمة وتلبية النمو المتوقع في بلدان الأسواق الناشئة. وفى الوقت الحالي، تزيد الاستثمارات في البنية التحتية عن حوالى 3.4 تريليون دولار سنويا، بيد أن هناك حاجة إلى حوالي 6 تريليونات دولار سنويا. ويجب أن تكون كل هذه البنية التحتية مراعية لتغير المناخ ومنخفضة الانبعاثات الكربونية وتتسم بالمرونة.

إننا نشارك مع الأمم المتحدة وفرنسا في استضافة قمة باريس المناخية يوم 12 ديسمبر/كانون الأول، وذلك لربط المستثمرين بالفرص الاستثمارية المراعية للمناخ.

وإلى جانب تغير المناخ، علينا أن نفعل المزيد لمساعدة اللاجئين - ومساعدة البلدان والشعوب التي تقدم للعالم منفعة عامة عالمية باستضافتهم.

فقبل ​​عام واحد، وفي خضم أزمة اللاجئين، أنشأنا صندوقا خاصا قدم 200 مليون دولار من المنح، وأتاح أكثر من مليار دولار من الموارد التمويلية الميسرة للأردن ولبنان. فلبنان الذي يستضيف أكثر من 1.5 مليون نازح سوري، لديه أعلى نسبة للفرد من اللاجئين في العالم. ويستضيف الأردن – كما ذكر رئيس مجلسي المحافظين – لاجئين أكثر من أي بلد آخر في العالم. وفي كلا البلدين، تقل أعمار 81% من اللاجئين السوريين عن 35 عاما، و70% منهم فقراء.

ويُحدِث هذا الصندوق، الذي يعرف الآن باسم البرنامج العالمي لتسهيلات التمويل المُيسّر، تأثيرا ملموسا. ففي الأردن، ساعد هذا البرنامج في توفير 50 ألف تصريح عمل رسمي للاجئين السوريين. وفي لبنان، يمول إنشاء الطرق و برامج التشغيل، مما يخلق أكثر من مليون يوم عمل من الوظائف المباشرة وغير المباشرة. كما أنه يبعد الأطفال عن الشوارع ويساعد على انتظامهم في المدارس، وذلك لضمان حصولهم على التعليم ومنع ويلات تعرض جيل كامل للضياع.

وقد اتخذنا هذا العام أيضا خطوة كبيرة لكسر حلقة الذعر والإهمال بشأن الأوبئة. ففي كثير من الأحيان، نتجاهل تفشي الأمراض المعدية حتى تتحول إلى تهديد عالمي – ثمّ ننسى سريعا بعد أن يهدأ التهديد. ومع وجود صندوق التمويل الطارئ لمواجهة الأوبئة، يتوفر لدينا للمرة الأولى تأمين فعلي ضد الأوبئة، وهو بوليصة قيمتها 450 مليون دولار تصرف الأموال تلقائيا لأشد البلدان فقرا عندما يصل الوباء إلى مرحلة حرجة.

وهذه هي المرة الأولى التي تشترك فيها الأسواق المالية في تحمّل عبء تفشي الأوبئة في البلدان المنخفضة الدخل. فلماذا لا يسعنا أن نفعل الشيء نفسه للمجاعات، أو غيرها من الأزمات الإنسانية؟ أعتقد أنه بوسعنا ذلك، ونحن نعمل على ذلك الآن.

الركيزة الثالثة في استراتيجيتنا هي زيادة الاستثمار - وبقدر أكبر من الفاعلية - في البشر.

خلال معظم حياتي بعد أن أصبحت راشدا، كنت أعمل على تقديم الرعاية لمن يعانون من أمراض فظيعة في بعض أفقر مناطق العالم. وخلال معظم تلك السنين، أنا وزملائي ندعو لزيادة الاستثمار في البشر.

عادة ما كنا نقدم ​​حجة أخلاقية - أن الجميع يستحقون فرصة لتحقيق أعلى طموحاتهم. ويُعد تقديم خدمات الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية من أقوى الطرق لإتاحة فرصة لكل فرد.

كنا نعلم على الدوام أن الاستثمار في البشر هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به؛ والآن فإننا نتعلم أنه، من الناحية الاقتصادية، قد يكون أذكى شيء للقيام به.

وعلى مدار العام الماضي، أجرينا العديد من التحليلات المختلفة، ووجدنا أن الاستثمار في البشر - وخاصة في صحتهم وتعليمهم وحمايتهم الاجتماعية - يرتبط ارتباطا أقوى بكثير بالنمو الاقتصادي مما كنا نعتقده.

ويعمل بعض خبرائنا الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي مع كريس موراي ومعهد المقاييس والتقييم الصحي، وهو فريق عمل بجامعة واشنطن تعمل بشكل وثيق مع مؤسسة جيتس. وطلبنا منهم استخدام أدواتهم التحليلية القوية لدراسة العلاقة بين النمو الاقتصادي والتحسينات في رأس المال البشري.

وأنا أستخدم مصطلح "رأس المال البشري" هنا لأنني أريد أن أشير إلى وزراء المالية الحاضرين هنا اليوم: فحين تستثمر في البشر، فأنت تضع في المكان الصحيح رأس المال الذي تحتاجه لنمو اقتصادك.

ففي كثير من الأحيان، مازلنا نسمع من القادة قولهم "سنحقق النمو لاقتصادنا أولا، ثم سنستثمر في شعوبنا". لكن الاستثمار في البشر هو استثمار في النمو الاقتصادي.

باختصار، وجدنا ما يلي: إذا نظرت إلی الرُبيْع الأعلى - أي أعلى 25% من البلدان من حيث تحسين رأسمالها البشري - وقارنتها بأدنى 25% - أي أقل البلدان تحسينا لرصيدها من رأس المال البشري – تجد الفرق هائلا.

وقد وجدنا أنه خلال 25 عاما، بين عامي 1991 و 2016، كان الفرق في النمو الاقتصادي 1.25% من إجمالي الناتج المحلي كل عام خلال 25 عاما. لازلنا بحاجة إلى القيام بالمزيد من العمل والمزيد من البحوث، ولكن هذا يشير إلى أنه بدراسة الماضي، كان للاستثمار في البشر تأثير هائل على النمو الاقتصادي.

وبالتطلع إلى السنوات المقبلة، سيكون للاستثمار في البشر أهمية أكبر في الاقتصاد الرقمي المستقبلي على نحو متزايد. إذ تقدر بعض الدراسات أن ما يصل إلى 65% من أطفال المدارس الابتدائية اليوم سيعملون في وظائف أو مجالات ليست موجودة بعد.

إننا نعلم أن بعض البلدان اضطرت إلى اتخاذ خيارات صعبة بشأن كيفية إنفاق الأموال العامة النادرة. لكننا نعتقد، والأدلة تثبت، أنه كلما استثمرت أكثر – وبقدر أكبر من الفاعلية- في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، كان ذلك أفضل للاقتصاد.

هذه الفكرة قائمة منذ بعض الوقت. ولكن مع تحسين البيانات؛ وزيادة الشفافية في تبادل تلك البيانات؛ وظهور أدوات تحليلية جديدة أكثر قوة، فإننا ندرك الآن أن العلاقة بين رأس المال البشري والنمو الاقتصادي يمكن أن يكون أكثر عمقا بكثير مما اعتقدناه من قبل.

وسنقوم قريبا بنشر وثيقة تسمى الثروة المتغيرة للأمم، وسندرس - لأول مرة - رأس المال البشري بوصفه جزءا من إجمالي ثروة الأمم. وتبين أن أكثر من 65% من ثروة جميع الأمم في العالم هي في رأس المال البشري.

وفي البلدان الغنية، يشكل رأس المال البشري نسبة أكبر كثيرا من إجمالي الثروة؛ أما في البلدان المنخفضة الدخل، فتقل النسبة كثيرا. ومن ثمّ، فلا يزال أمام البلدان النامية طريق طويل.

إننا بحاجة ماسّة لهذه الاستثمارات الآن، لأننا نواجه العديد من أزمات رأس المال البشري:

· على الصعيد العالمي، يعاني 155 مليون طفل من التقزم؛

·         يفتقر 400 مليون شخص حول العالم إلى الخدمات الصحية الأساسية؛

· 100 مليون شخص يسقطون في براثن الفقر كل عام من جراء النفقات الصحية الكارثية؛

·  لا تغطي شبكات الأمان الاجتماعي سوى ثلث فقراء العالم.

وما لم نتحرك بشكل حاسم، سيبقى 167 مليون طفل في دائرة الفقر المدقع بحلول عام 2030.

علينا أن نغير على نحوٍ جذري الطريقة التي يستثمر بها العالم في بناء رأس المال البشري. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت عن مشروع رأس المال البشري - وهو جهد متسارع الوتيرة لمساعدة البلدان على زيادة الاستثمار، بقدر أكبر من الفاعلية، في مواطنيها.

وسيتضمن هذا المشروع ثلاثة جهود:

· سنقوم بتسريع وتيرة التمويل المبتكر القائم على النتائج للاستثمارات في رأس المال البشري؛

· سنواصل البحث في البيانات التي تربط الاستثمار في البشر بالنمو الاقتصادي: إننا نبحث عن أنماط جديدة وإجابات جديدة؛

·  ونشكل حاليا تحالفا واسعا يضم جميع أصحاب المصلحة المباشرة - بنوك التنمية متعددة الأطراف الأخرى، والمؤسسات المالية الدولية، والحكومات، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص.

وفي نهاية المطاف، سيتضمن المشروع تصنيفات: أحدها يركز على رصيد رأس المال البشري، وآخر يركز على التدفق، أي الاستثمارات التي تضخها البلدان اليوم في بناء رأس المال البشري.

إننا نحاول تهيئة الظروف التي لا يستطيع فيها زعماء الدول ووزراء المالية مقاومة الاستثمار في شعوبهم. ونحاول خلق بيئة حيث لا يصبح الاستثمار في البشر الشيء الأخلاقي الذي يجب القيام به فحسب، ولكنه في الواقع الشيء الذي يجب عليهم القيام به على نحوٍ مطلق- مع الحاجة الملحة لدفع النمو الاقتصادي.

وسيكون هذا أمرا مثيرا للجدل. ولكني أرى أننا نتحمّل مسؤولية أخلاقية بالكشف لمساهمينا عن العلاقة القوية بين الاستثمار في البشر والنمو الاقتصادي. والأهم من ذلك، نحن على استعداد لمساعدة كل بلد على وجه السرعة على تسريع نوعية وكمية استثماراته في البشر.

.

لتحقيق كل هذه الأمور - تقديم ما تحتاجه البلدان على نطاق تتوقعه منا – فإننا بحاجة إلى المزيد من الموارد.

على مر السنين، أثبتنا قيمتنا الاستثنائية مقابل المال - 19 مليار دولار، هو إجمالي رأس المال المدفوع للبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية، حققت ما يلي:

o أكثر من 900 مليار دولار من التمويل؛

o  50 مليار دولار من الاحتياطيات؛

o 28 مليار دولار من التحويلات إلى المؤسسة الدولية للتنمية وغيرها من البرامج.

ومع وجود احتياجات هائلة في مجال التنمية وطموحات متنامية، فقد أصبح الطلب هائلا. فمنذ نشوب الأزمة المالية عام 2008، تضاعفت تقريبا محفظة إقراض البنك الدولي للإنشاء والتعمير. وزادت محفظة قروض مؤسسة التمويل الدولية ثلاثة أضعاف، ومحفظة أسهمها في رأس المال خمسة أضعاف على مدى السنوات العشر الماضية.

وإذا لم نعزز قدرتنا المالية، سيتعين على البنك الدولي للإنشاء والتعمير أن يخفض على نحوٍ ضخم ارتباطات القروض السنوية بمقدار الثلث. وسيتعين على مؤسسة التمويل الدولية أن تحدّ من استثماراتها في البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية والدول الهشة والمتأثرة بالصراع، فضلا عن حجم استثماراتها في أسهم رأس المال، مما يجعل قدرتها على خلق أسواق في أشد بيئات العالم صعوبة أمرا بعيد المنال.

لقد قمنا بالكثير من العمل الجيد معكم جميعا. وقد تطورت بلدان عديدة وتقدمت وشقت طريقها إلى مستويات جديدة من التنمية. إننا بحاجة إلى الاعتراف بذلك. ونحن بحاجة إلى فتح حوار معكم جميعا، حتى يتسنى توجيه موارد مجموعة البنك الدولي إلى حيث تحقق أكبر أثر في تحقيق هدفينا.

ومع زيادة رأس المال، يمكننا الوفاء بالتزامنا بإيجاد مجموعة البنك الدولي القوية ماليا التي تمتلك القدرة على تقديم التمويل على مستوى يفي بطموحات البلدان المتعاملة معنا.

يراودني شعور هائل من الإلحاح والعجلة، لا لوجود احتياجات هائلة في العالم فحسب.

إن الطموحات آخذة في الارتفاع. ويمكن للطموحات، المرتبطة بالفرصة، أن تولد دينامية ونموا اقتصاديا مستداما وشاملا. ولكن إذا لم تكن هناك فرصة لتحقيق طموحات المرء، فإن الإحباط المتزايد قد يقود البلدان إلى مسار الهشاشة والصراع والعنف والتطرف، وفي نهاية المطاف، الهجرة.

ويمكننا أن نلعب دورا حاسما في إيجاد حلول مربحة للطرفين، حيث نعظم الموارد التمويلية من أجل التنمية، ونهيئ الفرص لأصحاب رؤوس الأموال لتحقيق عوائد أعلى.

ويمكننا أن نلعب دورا حاسما، باستخدام كامل مجموعتنا من الأدوات المالية لحماية البلدان من الأزمات المتداخلة.

ويمكننا أن نلعب دورا حاسما، من خلال مساعدة البلدان على زيادة الاستثمارات – بقدر أكبر من الفاعلية - في مواطنيها.

خلال خمس سنوات رئيسا لمجموعة البنك الدولي، ورغم كل ما يشهده العالم من اضطرابات، لم أكن أبدا أكثر تفاؤلا بأننا نستطيع مساعدة الناس على انتشال أنفسهم من براثن الفقر؛ وأن نتمكن من بناء أسس جديدة للتضامن الإنساني.

ولكن يجب علينا أن نعمل، كما قال مارتن لوثر كينغ العظيم "بالضرورة الملحّة الآنية"، مع العلم أنه، كما قال، "هناك شيء اسمه متأخر للغاية".

إذا التزمنا بهذه الركائز؛

إذا استثمرنا الموارد الصحيحة؛

إذا عملنا بالإلحاح الشديد الذي تتطلبه هذه الأوقات -

فإني أعتقد أنه بوسعنا أن نصبح الجيل الأول في التاريخ الذي ينهي الفقر من على وجه الأرض.

Api
Api