خطب ونصوص 2018/10/02

رأس المال البشري والتكنولوجيا: بناء العقد الاجتماعي الجديد

Image

التحدِّي الحالي

إنَّه ليُشرِّفني وجودي هنا مع تيسييه لافين رئيس جامعة ستانفورد، وجورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي السابق الذي لم يفتأ يدعم مجموعة البنك الدولي منذ عقود. وبالطبع، إنه لشرف عظيم أيضا أن أكون هنا مع الوزيرة رايس. وزيران سابقان للخارجية يشهدان كلمة واحدة لي – إنها المرة الأولى التي أحظى فيها بهذا الشرف، وقد أخجلني حضورهما.

لقد تحدَّث الدكتور مارتن لوثر كينغ الذي اعتبره من أحد أبطالي العظماء عن الفقر هنا في ستانفورد في أبريل/نيسان 1967 في وقت اتسم بالتشوُّش والاضطراب. كانت الستينيات وقتًا سادت فيه حالة من الفوضى والاضطراب في أمريكا والعالم. وقال [النضال اليوم] أصعب كثيرًا مما كان عليه فيما مضى لأننا نناضل الآن من أجل المساواة الحقة. إن إضافة طاولة لتناول الغداء في أحد المتاجر أيسر كثيرًا من ضمان دخْل يقتات المرء به ووظيفة جيدة".

إن الاهتمام بمستويات الدخل وسبل كسب الرزق والوظائف الجيدة هو ما يشغلنا كل يوم في مجموعة البنك الدولي، لاسيما في عصر التطوُّرات التكنولوجية التي نشهدها هذه الأيام. فكيف يمكننا توفير الفرص للفئات الأشد فقرا والأولى بالرعاية. وما هو دور التكنولوجيا في تيسير تحقيق ذلك.

يمكن للتكنولوجيا المساعدة في التصدي لأشد التحديات العالمية إلحاحًا في عصرنا، لكنها تنطوي أيضا على مخاطر جديدة – من الأمن الإلكتروني إلى خصوصية البيانات. لقد جعلنا فهم التكنولوجيا المبتكرة والتعلُّم من أماكن مثل وادي السليكون أولوية رئيسية من أولوياتنا، ولهذا جِئتُ إلى ستانفورد اليوم.

إذا دخل زائر من الباب الأمامي لمقر مجموعة البنك الدولي سيرى هذه اللافتة: "حلمنا هو عالم خال من الفقر" التي نصبها صديقي رئيس البنك الدولي الأسبق جيم وولفنسون. وحينما دخلت من الباب الأمامي في يوليو/تموز 2012، تساءلت "لماذا يكون مجرد حلم؟ لماذا لا نجعل إنهاء الفقر هدفًا لنا؟"

على مدى ثلاثة أشهر، عمِل خبراؤنا الاقتصاديون لتحديد ماهية ذلك الهدف، ووضعنا هدفنا الأول: "إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030." ووضعنا هدفًا آخر لمعالجة مشكلة عدم المساواة والتفاوت: "تعزيز دخل أفقر 40% من السكان."

ثم كان علينا أن نُقرِّر كيف نحقق هذا الهدف؟ كيف نقضي على الفقر ونعزِّز الرخاء الذي يتشارك الجميع في جني ثماره؟ وتوصَّلنا إلى ثلاث طرق.

الأولى، هي تنمية الاقتصادات – وهو على الأرجح أشهر ما تقوم به مجموعة البنك الدولي. ونحن نريد نموا اقتصاديا يتسم بالإنصاف والاستدامة.

الثانية، زيادة القدرة على التحمُّل في مواجهة تغيُّر المناخ وتفشي الأوبئة والهجرة، فضلا على تعزيز قدرة الأفراد على التكيف والتي تشتمل على الحماية الاجتماعية.

الثالثة، الاستثمار في البشر. إننا الآن نفهم بوضوح أكبر كثيرا من ذي قبل أن الرعاية الصحية والتعليم أكثر أهمية بكثير للنمو الاقتصادي مما كنا نتصور في أي وقت مضى.

وفي صميم هذا كله تأتي التكنولوجيا. فما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا لمساعدتنا في المضي قدما على الجبهات الثلاث جميعا؟

الفقر اليوم

أود إعطاءكم صورةً عما يبدو عليه الفقر في العالم: مازال 736 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع – أي العيش على أقل من 1.90 دولار للفرد في اليوم. بيد أن 25% من السكان يعيشون على أقل من 3.20 دولار للفرد في اليوم، وهو حد الفقر أو مؤشره في الكثير من البلدان. ونصف سكان العالم تقريبا يعيشون على أقل من 5.50 دولار للفرد في اليوم.

فماذا يعني هذا؟ أجرينا بمساعدة أحد شركائنا، مؤسسة غابمايندر، مقابلات مع العديد من الأسر التي تعيش على هذه المستويات من الدخل. وفيما يلي ثلاثة منها:

الأولى هي أسرة أليماتا. إنهم يعيشون في المنطقة الوسطى في بوركينا فاصو. غوبري البالغ من العمر 35 عاما يبيع الملابس، وزوجته يوني التي تبلغ من العمر 22 عاما تبيع الخبز. يعمل الزوجان مجتمعين نحو 103 ساعات في الأسبوع، ويعيشان مع طفليهما في منزل من غرفة واحدة بنياه بنفسهما. ولا توجد في المنزل كهرباء أو مراحيض، ويُنفَق كل دخل الأسرة تقريبا، نحو 100%، على توفير الغذاء، ومن ثم يتعذَّر عليهما ادخار أي مال.

يقضي غوبري ويوني ثلاث ساعات ونصف كل أسبوع في إحضار المياه من مصدر قريب، ويستخدمان الفحم أو الحطب وقودا لموقدهما. ولم يُتح لهما قط قضاء عطلة. والشيء التالي الذي يعتزمان شراءه إذا توفَّر لديهما المال هو بعض الملابس. ويحدوهما الأمل أن يستطيعا ذات يوم شراء دراجة نارية. فذلك، إن حدث، سيُغيِّر آفاق دخلهما تغييرا جذريا.

والآن، هذا ما يبدو عليه العيش على أقل من 3.20 دولار للفرد في اليوم. يعيش كالو رام وخيرون نيشا في جايبور بالهند، وهما يمتلكان متجرا يبيعان فيه الكتشوري – وهي وجبة خفيفة من البطاطس المقلية. وحصلا على قرض من مؤسسة إكويتاس المتعاملة مع مؤسسة التمويل الدولية لفتح المتجر، وساعد القرض على مضاعفة دخلهما.

تعيش الأسر التي تتمتع بهذا المستوى من الدخل في منازل مبنية من الحجارة أو الطوب الأحمر، وتتوفر لديهم على الأرجح الكهرباء وصنبور للمياه مرتبط بمواسير الشبكة العمومية. وعند هذا المستوى من الدخل، يستطيع الناس تحمُّل تكلفة شراء أحذية، وقد يمتلكون موقدا للطهي. ولديهم على الأرجح هاتف محمول، وقد يمتلكون جهاز تلفزيون صغيرا.

حينما التُقِطت هذه الصورة، سألنا كالو وخيرون عن آمالهما، فقالا إنهما يريدان شراء دراجة لطفلهما. وهكذا، فإنه أكثر من مجرد عيش الكفاف، كانا يعتقدان أن إعطاء طفلهما شيئا بعد تلبية ضرورات الحياة الأساسية سيكون الشيء التالي الذي ينويان فعله.

والآن، لننظر إلى كيف يبدو العيش على أقل من 5.50 دولار للفرد في اليوم. تعيش أسرة بوما في منطقة لاباز في بوليفيا. خوان البالغ من العمر 43 عاما نجار، ولديه هو وزوجته إيلوغيا خمسة أطفال.

تعيش الأسرة في منزل من غرفتي نوم يقع على تل محفوف بالخطر، لكنهما يستمتعان بالمنظر، وبأمان امتلاك منزل.

وتتوفر لديهما إمدادات مستقرة من الكهرباء، ويطهيان طعامهما على مواقد تعمل بالغاز الطبيعي. وتشتري الأسرة كل ما تحتاج إليه من طعام مستخدمة نحو 80% من دخل خوان. وفي الفناء، تتوفر مياه الشرب المأمونة ومرحاض.

لم يحصل خوان قط على عطلة من عمله، لكنه سافر حتى حدود بوليفيا، ومتعته المفضلة هي جهاز التلفزيون. ويتمنَّى أن يبني قريبا جدرانا أفضل لمنزله، ويحلم بامتلاك ثلاجة.

تُمثِّل هذه الأسر الثلاث كيف يعيش أكثر من نصف سكان العالم.

التطلعات المتنامية، التحديات العالمية

يُضاف إلى صورة الفقر هذه، ما أراه في كل مكان أذهب إليه تقريبا: يستخدم الناس الهواتف الذكية وشبكة الإنترنت.

يتنبأ البعض بأنه بحلول عام 2025 سيتاح لسكان العالم جميعا الذين يبلغ عددهم 8 مليارات نسمة الحصول على خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض. وسيتاح لهم على الأرجح استخدام هاتف ذكي، إن لم يكونوا يمتلكون الآن بالفعل هاتفا ذكيا. وقد قمنا، في البنك الدولي، بدراسة آثار وتداعيات هذا الوضع على تحقيق هدفينا المتلازمين.

إن أول شيء يحدث حينما تتوفر لديك خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض هو أن شعورك بالرضا عن الحياة يزداد، ويتسنَّى لك التواصل مع الناس. وفي بعض البلدان، حتى في البلدان الفقيرة مثل كينيا، يمكنك تحويل الأموال وتلقيها.

والشيء التالي الذي يحدث هو أن دخلك المرجعي – ذلك الدخل الذي تقارن به دخلك- يزداد. وتُظهِر بحوثنا أنه في المتوسط، إذا زاد الدخل المرجعي للمرء 10%، فإن دخله يجب أن يزيد 5% حتى يشعر بالمستوى نفسه من الرضا.

ولكن حينما نركِّز على أدنى 40% من السكان على سلم توزيع الدخل، فإنه إذا زاد دخلهم المرجعي 10%، يجب أن يزيد دخلهم الفعلي 20% حتى يحافظوا على المستوى نفسه من الرضا.

هذا ما يحدث في كل مكان. فالتطلعات والطموحات في ازدياد، وما أروع هذا الأمر. أنا وُلِدتُ في كوريا حينما كانت من أفقر بلدان العالم، وكان بمقدور أسرتي الاستفادة من فرص كثيرة سنحت لها. وأعتقد أنه ينبغي أن تكون لكل فرد طموحات كبيرة، ويجب علينا الآن إيجاد السبيل إلى تلبيتها.

ولكن ثمَّة الكثير من التحديات التي تعوق إتاحة فرص للجميع. وتغيُّر المناخ هو أحد هذه التحديات. لا يوجد زعيم أفريقي واحد لا يقول لك أن إسار تغيُّر المناخ قيدٌ حول رقابنا. وتُفسِّر نوبات القحط والجفاف والفيضانات الأخيرة كيف تغيَّرت الظروف، ويجب علينا الاستجابة لمواجهة تلك التغيُّرات.

وفيما يلي بعض الحقائق: بلغت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أعلى مستويات لها في 800 ألف سنة، وكان عام 2017 ثاني أشد الأعوام حرارة على مستوى العالم منذ 1880، ومنذ عام 2000، شهد العالم 18 عاما من الأعوام التسعة عشر الأشد حرا، وترتفع مستويات مياه البحار بأسرع معدل مُسجِّل لها في ألفي عام.

وتزداد درجة الحرارة في المنطقة القطبية الشمالية بمعدل تبلغ سرعته مثلي أي مكان آخر على وجه الأرض. وفي عام 2017، سجَّل جليد المحيط المتجمد الشمالي مستوى قياسيا متدنيا للعام الثالث على التوالي.

وأياً كانت آراؤكم في عِلم تغيُّر المناخ، فإننا نتعامل معه كل يوم، لاسيما في أشد البلدان فقرا.

وثمة عوامل أخرى تُؤثِّر في قدرتنا على أداء عملنا. فالأوضاع الهشة والصراعات تؤثِّر في أعداد متزايدة من الناس. وعلى مستوى العالم، ارتفع عدد الفقراء في البلدان الهشة من 439 مليونا في عام 2010 إلى أكثر من مليارين اليوم.

وترتبط ظروف الهشاشة والصراع ارتباطاً وثيقاً بالمجاعات. واليوم، يعيش 124 مليون نسمة في مستويات انعدام الأمن الغذائي. وفي ظروف المجاعة، تزداد وفيات الأطفال بنحو 60%. ويقل متوسط طول الأطفال دون سن الخامسة من العمر – وهو مقياس الإصابة بالتقزم - سنتيمترين، وينقص الوقت الذي يقضونه في الدراسة بنحو 50% سنويا.

تسخير التكنولوجيا للتصدي للتحديات العالمية

إننا، في مجموعة البنك الدولي، نسعى إلى إيجاد حلول من خلال أدوات التمويل والتكنولوجيا المبتكرة للتغلُّب على هذه التحديات العالمية.

المناخ

من الأمثلة على ذلك تخزين الطاقة باستخدام البطاريات. فقد شهدت أسعار الطاقة الشمسية هبوطا سريعا في الأعوام القليلة الماضية. وحينما انضممتُ إلى مجموعة البنك الدولي في يوليو/تموز 2012، كنا سعداء أننا حقَّقنا تكلفة للطاقة الشمسية قدرها 13 سنتا للكيلووات/ساعة، لا تشمل التخزين. وهذا العام، تبلغ التكلفة سنتين فقط للكيلووات/ساعة. ولكن المشكلة الآن هي أنه حينما تكون الشمس مشرقةً يحصل الناس على الطاقة. وحينما تغيب الشمس، لا يحصلون عليها، ما لم تكن لديهم أيضا بطاريات لتخزين الطاقة. ويحتاج الناس في البلدان النامية –شأنهم شأن أي فرد آخر في العالم –إلى الطاقة على مدار الساعة. فالأطفال يريدون استذكار دروسهم. والأسر تحتاج إلى النور حينما تطهو طعامها.

طرحنا سؤالا مباشرا للغاية: لماذا لا تنخفض تكلفة البطاريات، ولماذا لا يشتري المزيد من البلدان البطاريات لتوفير الكهرباء على مدار الساعة؟ وكانت الإجابة أنه لا يوجد طلب كاف من البلدان النامية.

ولذلك، أعلنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي أننا سنقدم مليار دولار لدعم الاستثمار في مجال بطاريات تخزين الطاقة في البلدان النامية. وسيساعد هذا على تعبئة 4 مليارات دولار إضافية – مليار دولار من صناديق مختلفة مرتبطة بالمناخ، ونحو 3 مليارات دولار من استثمارات القطاع الخاص. وللمرة الأولى في التاريخ، ستتوفر لدينا 5 مليارات دولار لزيادة الطلب وتحفيز الاستثمار من أجل خفض ثمن تكنولوجيا بطاريات تخزين الطاقة. وقد ساندت مؤسسة التمويل الدولية الشركات التي أظهرت في الآونة الأخيرة القدرة على خفض تكلفة التخزين بالبطاريات من 300 دولار إلى 100 دولار للكيلووات/ساعة، وهو ما قد يكون عامل تغيير ثوريا. وفيما يتصل بانخفاض التكلفة إلى 100 دولار للكيلووات/ساعة، فإن ذلك يعني أن بمقدورنا توفير الطاقة الشمسية مع تخزينها مقابل نحو 5 سنتات للكيلووات/ساعة.

ونحن نستخدم ما نقدمه من تمويل لخلق حوافز في السوق، حتى يمكننا الاستمرار في خفض تكلفة التخزين وتوفير طاقة نظيفة للجميع.

المجاعات

ثمة مثال آخر على كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعالج الأزمات الإنمائية يتمثل شراكة مع جوجل وأمازون وميكروسوفت أعلنا عن قيامها في الآونة الأخيرة لوضع نموذج للذكاء الاصطناعي سيساعد على التنبؤ متى وأين قد تحدث مجاعة. والمجاعة قضية ملحة، لكن المشكلة الأكبر هي أننا لا نستجيب إلا بعد فوات الأوان. ومكمن قوة هذا النموذج في قدرته على توفير التمويل في الأزمات الإنسانية في مرحلة مبكرة للحيلولة دون وقوع المجاعات في المقام الأول.

لقد واجهنا المشكلة نفسها أثناء أزمة الإيبولا في غرب أفريقيا عام 2014. فمع اتساع نطاق الأزمة، لم يقدم أحدٌ أي تمويل. وبعد مضي ثمانية أشهر على تفشِّي الوباء، لم يكن المجتمع الدولي قد استجاب بعد. ولو كان فيروس الإيبولا قد انتقل إلى أماكن مثل كراتشي أو دلهي، فلربما شهدناها تخرج عن نطاق السيطرة. وذلك حينما قدَّم البنك الدولي أول تبرع بقيمة 400 مليون دولار لمنع انتشار الإيبولا.

واتضح أنه كان يجب علينا إيجاد سبل لصرف التمويل في مرحلة مبكرة. ولذلك، عملنا مع شركاء مثل شركة سويس ري وشركة ميونيخ ري لإنشاء أداة للتأمين ضد الأوبئة، ونجح النظام الجديد أثناء تفش وبائي وقع في الآونة الأخيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية حينما صرفنا 15 مليون دولار من هذه الأداة وساعدنا في منع انتشار الإيبولا في مرحلة مبكرة.

تعظيم الفرص وتخفيف المخاطر

مع أن التكنولوجيا تساعد على التصدي للتحديات العالمية، فإنها في الوقت ذاته تتسبَّب في اضطراب الصناعات، وفقدان الوظائف.

يعود الخوف من قيام الآلات بأداء وظائفنا إلى قرون خلت. فقد قال كارل ماركس في عام 1867 في كتابه رأس المال "إن أداة العمل حينما تأخذ شكل آلة تصبح على الفور منافساً للعامل نفسه."

على سبيل المثال، عبَّر اللوديون أو معارضو هيمنة الآلة عمال النسيج الإنجليز عن رفضهم التشغيل الآلي بتدمير آلات النسيج بين عامي 1811 و1816. وكتب إي. بي. تومسون أحد المؤرخين الذين أُجِلهم يقول "كانت اللودية التي ترفض هيمنة الآلة حركة شبيهة بالتمرد تنتفض باستمرار على أعتاب الأهداف الثورية الخفية."

وفي بنغلاديش، التي تمتلك واحدة من أكثر صناعات الملابس كفاءة وأقلها تكلفة في العالم، يشتري أصحاب المصانع آلات تُسمَّى روبوتات الحياكة. وتزعم شركة ناشئة في أتلانتا تصنع هذه الماكينات أن روبوت الحياكة بمقدوره خياطة قميص (تي شيرت) في 22 ثانية - أي بمعدل تبلغ سرعته تقريبا مثلي سرعة العامل البنغلاديشي-وفي نهاية المطاف بتكلفة أقل.

وإذا هيمن التشغيل الآلي على صناعة الملابس، ماذا سيفعل العمال؟ كيف يمكنهم إعالة أسرهم؟ كيف يشقون طريقهم في عالم يكتنف فيه الغموض الفرص الاقتصادية ويتسم بتقنيات سريعة التغيُّر؟ إذا زادت التطلعات والطموحات، وغابت الفرص، هل سنشهد انتفاضات؟

لقد كانت ثورات الربيع العربي من نواحٍ كثيرة مرتبطة بهذه القضية. ثورات الربيع العربي أشعل شرارتها في تونس شاب عربي حاصل على تعليم جامعي ولكن آفاق فرص العمل المتاحة له كانت محدودة للغاية. هل سنشهد شيئا كهذا مرة أخرى؟ إنني أشعر بالقلق، لكنني بدأت أرى اتجاهات مماثلة في الكثير من أجزاء العالم.

وتبيَّن أن التنبؤات عن فقدان الوظائف لا يمكن التعويل عليها مطلقا. لكننا نعلم أن أشياء مُعيَّنة بدأت تتغيَّر. فمنذ عام 2001، زادت حصة الوظائف التي تتطلب مهارات معرفية واجتماعية وسلوكية واسعة من 19% إلى 23% في بلدان الاقتصادات الصاعدة، ومن 33% إلى 41% في الاقتصادات المتقدمة.

ويزداد الطلب على المهارات المعرفية رفيعة المستوى القابلة للنقل في كل المناطق، مهارات مثل التفكير المنطقي والتفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة والاستدلال العقلي. ويوجد 4 ملايين مُطوِّر لتطبيقات الحاسوب في الهند، وفي الصين 100 ألف مبوب للبيانات. يأخذ هؤلاء المبوبون البيانات الأولية، ويقومون بتنقيتها، وترتيبها، وإعدادها للاستخدام من خلال الحواسيب. وتتطلب هذه الوظيفة مهارات لغوية قوية – مثلا وصف بند في 12 كلمة على نحو يُميِّزه عن البنود الأخرى، ومهارات التفكير النقدي- والقدرة على ربط بند مُعيَّن داخل الفئة الواحدة وفيما بين الفئات المختلفة. ولم يكن لهذه الوظيفة وجود قبل عام 2014.

ظل التفكير السائد في مجال التنمية زمنا طويلا يذهب إلى أن البلدان تمر بالمراحل المعتادة للتصنيع – من الزراعة إلى الصناعات الخفيفة، ثم إلى الصناعات الثقيلة. ولا شك، أن كوريا مرت بهذه المراحل. والكثير من بلدان شرق آسيا وجنوبها تمر بها الآن، لكن هذا المسار قد لا يكون متاحا للكثير من البلدان النامية اليوم.

ثلاث طرق لبلوغ الهدفين المتلازمين في عصر يموج بالتغيرات

بالنظر إلى أن التكنولوجيا غيَّرت الطريق التقليدي إلى التنمية، نورد فيما يلي ما يجب علينا فعله لمساعدة البلدان على المنافسة في اقتصاد المستقبل:

  • تسريع وتيرة نمو مستدام شامل للجميع، ومن ذلك بناء أسس الاقتصاد الرقمي لمساعدة البلدان على المنافسة في المستقبل.
  • تعزيز القدرة على التحمل في مواجهة الصدمات والمخاطر العالمية- بما في ذلك إقامة شبكات أمان وبرامج حماية اجتماعية قوية تُركِّز على مساعدة الفقراء.
  • وزيادة الاستثمار -وعلى نحو أكثر فاعلية- في الناس لإعدادهم من أجل تلبية متطلبات وظائف المستقبل.
  • بناء اقتصادات رقمية من أجل نمو شامل للجميع

أولا، بناء اقتصادات رقمية من أجل تحقيق نمو شامل للجميع لا يقصي أحدا. ويبدأ ذلك بالبنية التحتية، ولا استثمار في البنية التحتية أكثر أهمية من ضمان توافر خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض للجميع. وتسعى مجموعة البنك الدولي لاجتذاب التمويل من القطاع الخاص لتوفير بنية تحتية ميسورة التكلفة ويُعوَّل عليها لخدمات إنترنت النطاق العريض.

على سبيل المثال، كانت منطقة شرق أفريقيا لا تحصل إلا على 0.07% من سعة النطاقات الترددية الدولية على مستوى العالم قبل عام 2009. وفي ذلك العام، قمنا بتجميع شركاء من القطاعين العام والخاص لمد كابل ألياف بصرية بحري لربط شرق أفريقيا بشبكات الألياف البصرية العالمية. وفي وقت لاحق، قمنا بمد كابلات ألياف بصرية إلى وسط أفريقيا وربطنا غرب أفريقيا بأوروبا. وهبطت تكلفة خدمات اتصالات النطاق العريض بنسبة 90%، ومع الكابلات اللاحقة، زادت السعة – أولا إلى عدة وحدات جيجابت، والآن إلى عدة وحدات تيرابت.

ولكننا نعلم أيضا أن اتصالات النطاق العريض هي مجرد واحد من الأسس التي تحتاج إليها البلدان لبناء اقتصادات رقمية. وتعمل مبادرة الاقتصاد الرقمي لأفريقيا التي أطلقناها على تعميم تطبيق الخدمات المالية، وأنظمة الدفع الرقمية، وبرامج التدريب على المهارات في شرق أفريقيا وغربها. ونحن مستمرون أيضا في دعم البنية التحتية الأساسية: إمدادات طاقة أكثر انتظاما، وطرق برية وسكك حديدية قادرة على التحمل في مواجهة تقلبات المناخ.

ولأن التطلعات والطموحات تزداد بسرعة كبيرة، يستحيل تحقيق هذا بالمعونة وحدها. وقد زادت المساعدات الإنمائية الرسمية زيادة هائلة. ولكن الآن مع ازدياد الطموحات والتطلعات في كل مكان، لن يكون أي قدْر من المساعدات الإنمائية الرسمية كافيا. ولذلك، نُركِّز على تيسير أكبر مصادر رأس المال.

فهناك حاليا ما يزيد على 6 تريليونات دولار مُستثمرة في سندات بأسعار فائدة سلبية؛ و 10 تريليونات دولار في أوراق مالية حكومية ذات عائد منخفض؛ و 9 تريليونات دولار من السيولة النقدية تنتظر فرصا استثمارية ذات عوائد أفضل. وإذا استطعنا تعبئة تلك الأموال، وتوصيلها إلى البلدان النامية لبناء مرافق البنية التحتية، لاسيما خدمات اتصالات النطاق العريض، لن تحتاج هذه البلدان إلى استخدام أموال حكومية. وستكون لهذا آثار تحويلية جوهرية.

2. رعاية قيام مجتمعات قادرة على التحمل في مواجهة الأزمات والصدمات

ثانيا، يجب أن نرعي قيام مجتمعات قادرة على مواجهة الأزمات والصدمات من خلال الحماية الاجتماعية. وفي البلدان النامية، لاسيما في البلدان منخفضة الدخل، يعمل 90% من جميع العمال في وظائف غير رسمية. بعبارة أخرى، إنهم لا يعملون لدى شركات تقدم لهم مزايا وظيفية. وبالنظر إلى الطبيعة المتغيرة للوظائف والمهارات، إذا تعرَّض الاقتصاد لصدمات أخرى فكيف يمكننا حماية أولئك الناس الذين لا يرتبطون بأي وظيفة رسمية؟ هذا واحد من التحديات الكبيرة حينما نتأمل الآثار المجتمعية للتشغيل الآلي.

فالتكنولوجيا يمكنها حقا توسيع نطاق برامج الحماية الاجتماعية والتحويلات النقدية – وهي إستراتيجية نعلم أنها تنجح في زيادة الإنتاجية والقدرة على التحمُّل فيما بين العمال في القطاعات الرسمية وغير الرسمية. على سبيل المثال، يستخدم برنامج أدهار Aadhaar في الهند تكنولوجيا تحديد الهوية اعتمادا على القياسات الحيوية لتيسير إجراءات حصول الفقراء على إثبات هويتهم، والتحقق من هوية المنتفعين من عشرات البرامج الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، استطاعت الحكومة توفير مليارات الدولارات من خلال الحد من عمليات الاحتيال، وهي مدخرات فاقت قيمتها تكلفة البرنامج. وشهدنا أيضا كيف أنه في ستة أعوام زادت نسبة الشمول المالي من 35% إلى 80%، وعادت أكبر المنافع على النساء والفقراء، وذلك إلى حد كبير بفضل برنامج أدهار.

وثمة مثال آخر على دور التكنولوجيا في توسيع نطاق الحماية الاجتماعية هو استخدام البطاقات الإلكترونية الذكية في مساندة 125 ألف أسرة من أسر اللاجئين السوريين في لبنان. وحقَّقت هذه البطاقات نجاحا كبيرا جعلتنا نقوم بتوزيعها على الفقراء اللبنانيين أيضا. والآن، فإن هذه الاقتصادات تستخدم البطاقات الذكية في نواح لم نكن نتخيلها من قبل.

3. الاستثمار في الناس

لن تكون لهذه الجهود قيمة إذا لم نعمل على زيادة الاستثمار –وعلى نحو أكثر فاعلية- في البشر. لقد دأبت منذ وقت طويل على القول بأننا نحتاج إلى مزيد من التمويل للرعاية الصحية والتعليم، وتحقَّق هذا. ولكن بعد ذلك بدأ القادة –لاسيما رؤساء الدول ووزراء المالية- ترسيخ فكرة أن المسؤولية عن الرعاية الصحية والتعليم تقع على عاتق المانحين. وأدَّى هذا إلى نقص هائل في الاستثمار في هذه القطاعات الحيوية، وينبغي لنا إيجاد سبل لتغيير الحوافز. فكيف يمكننا الضغط بشدة على زعماء البلدان النامية حتى يقتنعوا بأنه يجب عليهم زيادة الاستثمار في البشر؟

ثمة أزمة عالمية تتعلق بمسألة التقزم بين الأطفال، التي تعني قصر قامة الطفل دون سن الخامسة من العمر بمقدار انحرافين معياريين عن الطول المعتاد.

وأظهرت فحوص الأشعة على المخ في دراسة للأستاذ تشارلز نيلسون من كلية طب هارفارد أثر التقزم في مرحلة الطفولة على نمو الجهاز العصبي. فالأطفال المصابون بالتقزم ينمو لديهم عدد من الوصلات العصبية أقل من أقرانهم غير المصابين خلال الألف يوم الأولى من حياتهم، وهي فترة زمنية حاسمة في بناء رأسمالهم البشري.

وهناك نسبة هائلة من الأطفال المصابين بالتقزم: 45% في باكستان، 38% في الهند، و36% في إندونيسيا، وهذه ولا شك حالة طبية طارئة. فحينما يكبر هؤلاء الأطفال، لن يكون بمقدورهم المنافسة في الاقتصاد الجديد.

إن لمكافحة التقزُّم في مرحلة الطفولة أهمية حاسمة للنمو الاقتصادي. وقد قمنا بتحليل بيانات تم جمعها على فترات ممتدة من إندونيسيا ووجدنا أن الأطفال الذين كانوا مصابين بالتقزم في 1993 أظهروا تدنِّي وظائفهم الإدراكية في 2014 و2015، وأن هناك علاقة ارتباط بين قِصَر القامة وضعف القدرات الإدراكية وبين انخفاض مستوى الدخل في مرحلة البلوغ – في عام 2014، كان الأجر الشهري لشخص أصيب بالتقزم في 1993 يقل بنسبة 12% عن أقرانه الذين لم يصابوا بالتقزم.

تبلغ خسائر الدخل الناجمة عن التقزم 10.5% من إجمالي الناتج المحلي. ويعني ذلك أن متوسط نصيب الفرد من الدخل في إندونيسيا يقل 10.5% عن مستواه لو لم يكن أحد من قوتها العاملة أصيب بالتقزم في مرحلة الطفولة. ويبلغ إجمالي خسائر الدخل الناجمة عن التقزم لمنطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ 7% من إجمالي الناتج المحلي، ولأفريقيا 9% من إجمالي الناتج المحلي.

ونعلم أيضا أن الأنظمة التعليمية تعاني من أوجه نقص وقصور. فنصف أطفال المدارس الابتدائية في البلدان النامية لا يحققون الحد الأدنى من المهارات في القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، و264 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس.

وفي مسح استقصائي أُجرِي في سبعة بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء تمثل نحو 40% من سكان القارة، لم يتقن ثلث معلمي الصف الرابع منهج اللغة الذي كانوا يقومون بتدريسه. وفي موزامبيق ونيجيريا وتوغو لم يتقن نصف المعلمين المنهج الذي كانوا يقومون بتدريسه هناك. ولهذا الأمر أيضا أهمية للنمو الاقتصادي. وفي المتوسط، يؤدي قضاء سنة إضافية في الدراسة إلى زيادة نسبتها 9% في الدخل على مدار العمر، وتكون العوائد أكبر من ذلك للفتيات.

فما الذي يمكننا عمله لمساعدة البلدان على زيادة الاستثمار – وعلى نحو أكثر فاعلية - في شعوبها؟ لقد قررنا أن نفعل شيئا يُسمَّى مؤشر رأس المال البشري الذي يُصنِّف البلدان من حيث جودة استثمارها في رأس المال البشري. وحينما ينشر البنك الدولي التصنيفات، تثير دائما الجدال. لكننا نريد أن يبدأ كل بلد مناقشة مدى جودة استثماراته في البشر.

ونحن نقوم بقياس العناصر الأساسية:

  • البقاء على قيد الحياة – هل سيبقى الأطفال الذين يولدون اليوم على قيد الحياة حتى سن الالتحاق بالمدرسة؟
  • المدرسة – ما مقدار التعليم الذي سيكملونه وما مقدار ما سيتعلمونه؟
  • الصحة – هل سينهون دراستهم وهم بصحة جيدة ومستعدون للعمل ولديهم الأساس للتعلُّم مدى الحياة؟

إننا نركز على المخرجات لا المدخلات. وعند النظر إلى الماضي لاستخلاص الدروس، وجدنا أن الاستثمارات في البشر – لتحسين نواتج الصحة والتعليم- كانت مرتبطة بالنمو الاقتصادي ارتباطا أكثر بكثير مما كنا نظن. ومع تسارع وتيرة الابتكار، يمكن القول بيقين إن هذا الارتباط سوف يقوى ويزداد في المستقبل.

تصميم التكنولوجيا من أجل الجميع

أخيرا، تكشف هذه المسارات عن الحاجة إلى أن يقوم مبتكرون من القطاعين العام والخاص بتصميم تكنولوجيا تساعد على تحقيق تكافؤ الفرص للجميع، لاسيما لأشد الناس فقرا.

ويبدأ ذلك بالتكنولوجيا التي تساعد على إيجاد الوظائف وفرص العمل: تساهم بنغلاديش بنسبة 15% من مجموع الأيدي العاملة عبر الإنترنت على مستوى العالم من خلال عمالها المستقلين الذين يشتغلون لحسابهم الخاص وعددهم 650 ألفا.

وساعدت مبادرة قرى تاوباو التي تربط أصحاب المتاجر الذين يشتغلون لحسابهم الخاص بالسوق الصينية الإلكترونية على إيجاد أكثر من 1.3 مليون وظيفة باجتذاب الشباب الذين كانوا قد هاجروا إلى المدن للعودة إلى قراهم وبدء مشروعاتهم الخاصة.

وبالاشتراك مع شبكة لينكدإن، نقوم بإنشاء لوحة بيانات إلكترونية جديدة ستستخدم كل الآراء القيمة من مستخدمي الشبكة البالغ عددهم 562 مليونا لمساعدة واضعي السياسات والشركات والأفراد على فهم طبيعة المهارات والمهن المطلوبة في المستقبل. وسيساعد هذا الحكومات على تحديد المهارات المطلوبة، وتوسيع الصناعات، وتنمية برامج التدريب لمساندتها.

ويمكن تصميم منصات رقمية لتحطيم التفرقة بين الجنسين ومساعدة نظام السوق العالمية على أن يصب في مصلحة الجميع. وإننا نعمل مع مؤسسة إير بي إن بي Airbnb لدراسة تأثير تقاسم السكن على المجتمعات الريفية، وعلى النساء اللاتي يؤلفن أغلبية المستضيفين على هذه المنصة الإلكترونية. وتشمل السياحة واحدة من أكبر الصناعات الخدمية الغنية بالوظائف في العالم. إنها قطاع سينمو على الأرجح في عصرنا الذي يموج بالتغيرات هذه الأيام. ومازلنا بحاجة إلى فهم أفضل كيف يمكن أن تساعد نماذج عمل الاقتصاد التشاركي على الحد من التفاوت وعدم المساواة.

إننا في حاجة إلى بناء التكنولوجيا التي تكون فيها الفئات الأشد فقرا والأولى بالرعاية جزءا من هيكلها الرئيسي – الذي يصبح فيه التضامن الإنساني في صميم تقدير الاحتياجات الديناميكية لكل ابتكار جديد.

في عام 1998، أدلى الناقد الأدبي بجامعة نيويورك نيل بوستمان بحديث عن التكنولوجيا في مطلع الألفية الجديدة، قال فيه:

"لكل تكنولوجيا فلسفة يتم التعبير عنها في الطريقة التي تجعل بها التكنولوجيا الناس يستخدمون عقولهم، وفيما تجعلنا نفعله بأجسامنا، وفي كيفية تقنين العالم، وفي أي حواسنا تتضح وتتجلى، وفي أي ميولنا العاطفية والفكرية تتجاهل."

والسؤال الذي أود أن أوجهه إلى الذين يعملون منكم في مجال التكنولوجيا هو ما هي الفلسفة التي تنطوي عليها تقنيتكم؟ لأن لها فلسفة، سواء دار بخاطرك التفكير فيها أم لا. وفلسفة تقنيتكم قد تكون أهم شيء تقومون بتصميمه، وينبغي أن تسألوا بعض الأسئلة الصعبة:

  • في السعي من أجل النمو، من حيث المبيعات وإجمالي الناتج المحلي للبلد المعني، هل سيؤدي ابتكاركم إلى تحويل رأس المال من المجتمعات الفقيرة إلى المجتمعات الغنية؟
  • في البحث عن الكفاءة، هل تؤدي منصتكم الإلكترونية إلى إضعاف شبكات الأمان الاجتماعي؟
  • باسم التقدم، أي أجزاء الاقتصادات والمجتمعات سيتعرض للتغيير، وما مدى استعدادها لمواجهة ذلك التغيُّر؟

قبل التفكير في الإيرادات أو النمو ينبغي أن نسأل هل سيكون مفيدا للفقراء.

قبل تتبُّع المسار الذي تسلكه شركتك ومقدار ما تنفقه من سيولة شهرية، وقبل أن تضطر للبحث عن إحدى شركات رأس المال المخاطر المتخصصة في صناعة التكنولوجيا المتطورة، وتبحث عن التمويل من إحدها، يجب أن تُفكِّر في "المستهدفين من ذلك؟ وعلى مَن سيعود بالنفع؟

قبل أن تطلب تسجيل براءة اختراع أو تعرض فكرتك في ورقة بحثية – ينبغي أن تُفكِّر في الفلسفة التي ينطوي عليها ابتكارك التكنولوجي، وكيف يمكن لفكرتك أن تساعد على تحقيق مزيد من الخير – وأيضا كيف تؤدي إلى ضررا أقل كثيرا.

لا شيء حتمي فيما يتصل بالتقدم. وحينما كان هنا في ستانفورد، قال الدكتور كينغ:

"لا يتحقَّق التقدم الاجتماعي على أساس الضرورة الحتمية. إنما يأتي من خلال السعي الدؤوب والعمل المتواصل لأفراد يتحلون بالإخلاص والتفاني. وفي غياب هذا العمل الجاد، يصبح الزمن نفسه حليفا لقوى الركود الاجتماعي البدائية ولذ، يجب علينا مساعدة الزمن، وأن ندرك أن الزمن دائما يفعل الصواب."

وسيجعلنا ذلك جميعا في هذه الساحة نناضل بإحساس طاغ بالضرورة الملحة من أجل أسرة بوما في بوليفيا،

ومن أجل كالو رام وخيرون نيشا في الهند، والأهم من ذلك كله، من أجل أسرة أليماتا في بوركينا فاصو الذين لا يزالون، مع أكثر من 700 مليون آخرين، يعيشون في فقر مدقع.

وهناك أمثلة لا تحصى على هذه الأسر الثلاث في أرجاء العالم.

طموحاتهم وتطلعاتهم في ازدياد، فيما يُعزَى جزئيا على الأقل إلى ابتكارات التكنولوجيا التي كانت نشأتها هنا في وادي السليكون. وهم، شأنهم شأن أي فرد على وجه الأرض، يستحقون أن ينعموا بالأمن والكرامة، وإن تتاح لهم الفرص للنجاح.

وهذا الأمر يمسني شخصيا، فقد وُلِدتُ عام 1959 في كوريا، حينما كانت من أفقر بلدان العالم. كوريا التي قال عنها البنك الدولي في عام 1963 ما يلي: "ستجد كوريا بدون المعونة الخارجية صعوبة في توفير ضرورات الحياة الأساسية لشعبها." ومن ثم، أحجموا عن إعطاء كوريا حتى قروض بأقل أسعار الفائدة ظنا منهم أن هذا البلد لا يقدر على ردها.

ولكن كوريا خيَّبت كل تلك الظنون والتوقعات، وأخطأ البنك الدولي في اعتقاده. ويجب علينا التحلي بالتفاؤل في نظرتنا إلى أي بلد، والتفاؤل في هذه الحالة خيار أخلاقي.

إن التفاؤل هو صميم ما أتحدث عنه. كانت والدتي ووالدي كلاهما لاجئين. فكان والدي لاجئا من كوريا الشمالية. وأمي أصبحت لاجئة أثناء الحرب. وبفضل رحمة الغرباء وكرمهم جاءا للدراسة في الولايات المتحدة. وأتيح لوالدي دخول إحدى كليات طب الأسنان، وأحضره طبيب أسنان في الجيش الأمريكي إلى مدينة نيويورك لدراسة طب دواعم الأسنان وأمراضها. وكانت أمي من أوائل الطلاب في مدرستها الثانوية، فحصلت من جمعية نسائية في الولايات المتحدة يطلق عليها P.E.O منحة دراسية للمجئ إلى الولايات المتحدة. وكان في المدينة آنذاك مائتا كوري فحسب، والتقى والدي وتزوجا.

الشاهد من ذلك أن والدي كانا من بين الكوريين القلائل في عام 1959 الذين شهدوا كيف يبدو العيش في الولايات المتحدة. وكانا من بين الكوريين القلائل الذين نمت طموحاتهم وآمالهم.

وفي العام الماضي، زرتُ مدرسة في تنزانيا. وكما أفعل في أحيان كثيرة، سألت التلاميذ "ماذا تريدون أن تكونوا حينما تكبرون؟" رفع تلميذان أيديهما وقال كل منهما "أريد أن أكون رئيس البنك الدولي."

فضحك رفاقي والمعلمون. لكنني قلت لهم "انتظروا دقيقة، عودة بالذاكرة إلى عام 1963 حينما كنت تلميذا في روضة أطفال في واحد من أفقر بلدان العالم، لو كان جورج ديفيد وودز رئيس البنك الدولي آنذاك جاء إلى كوريا وزار مدرستي أشك في أنه كان يمكن أن يتصور أن أحد خلفائه في منصبه جالس في تلك القاعة الدراسية".

والنقطة التي أردتُ إيضاحها هي ألا تَدَعوا أحدا يقل لكم إن أحلامكم غير ممكنة التحقيق. ولكن بالنسبة لتنزانيا، فإنهم متأخرون عن الركب. فأكثر من ثلث الأطفال مصابون بالتقزم، ونظامهم التعليمي يُقدِّم تقريبا نصف ما تقدمه أفضل الأنظمة في العالم من تعليم في السنة الدراسية الواحدة، والأكثر إثارة للقلق من ذلك كله هو أن الطريق إلى التنمية الذي اتبعته كوريا والكثير من البلدان الأخرى مرتفعة الدخل –الذي يقوم على الزراعة والصناعات التحويلية الخفيفة والصناعات الثقيلة-ربما يكون مغلقا أمامهم.

ولعل أكبر آمال أولئك الطلاب هو التكنولوجيا التي تبتكرونها هنا في ستانفورد. فابذلوا قصارى جهدكم لضمان أن تشمل فلسفة مبتكراتكم التكنولوجية أولئك الأطفال في تنزانيا. وأمعنوا النظر في تأثيرها على أشد الناس فقرا.

إنني أُؤمن بأن بمقدورنا تسخير التكنولوجيا، وإننا بذلك يمكننا جعل نظام السوق العالمية تصب في مصلحة الناس كافة وكوكب الأرض. ويمكننا إتاحة الفرصة لأطفال تنزانيا ولكل فرد –في أي مكان في المعمورة- لتحقيق أعلى طموحاتهم وآمالهم.

شكرا لكم.

 

Api
Api