موضوع رئيسي

الوضع المائي في غزة كارثي

2016/11/22

Image

ستشتد الحاجة الملحة إلى المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تعاني بالفعل من ندرة المياه، إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض بسبب تغير المناخ. موارد المياه في فلسطين شحيحة بدرجة خطيرة، والوضع في غزة كارثي.

عدنان غوشه، أخصائي أول المياه والصرف الصحي في البنك الدولي، يتذكر منذ وقت ليس بالبعيد عندما كان بوسع كل شخص في غزة أن يشرب الماء من الصنبور في منزله. كان هذا في أواخر تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الكثير من المياه تم ضخها من الخزان الجوفي الطبيعي تحت الأرض في غزة، ومنذ ذلك الحين بدأت مياه البحر تتسرب إليه مما جعله مالحا بدرجة لم يعد يصلح عندها للشرب. هذه وعوامل أخرى تعني أن 10 % فقط من سكان غزة يحصلون على مياه الشرب الآمنة، بالمقارنة ب 90 % في الضفة الغربية أو حوالي 85 % في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عامة.

ما الخطر الذي يشكله انخفاض منسوب مخزون المياه الجوفية؟

تتسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو رديئة المعالجة، والتي تأتي من المناطق المكدسة بالسكان ومخيمات اللاجئين في غزة، إلى خزان المياه الجوفية أو تصب في البحر المتوسط. واضافة لذلك، يحدث نقص في المياه مقترن بارتفاع الطلب نظرا لزيادة نمو السكان الذين يبلغ عددهم حاليا مليوني نسمة.

ومن ثم فهناك مشاكل تتعلق بالمياه كما وكيفا، مما يجعل من الصعوبة  الحصول على المياه الصالحة للشرب. وعلية فإن سكان غزة عاجزون عن استخدام المياه التي تصل إلى منازلهم للشرب؛ فهم يستخدمونها للأغراض المنزلية، لكن بالنسبة للشرب فإنهم يعتمدون على شاحنات الصهريج. هناك ما يقرب من 150 شركة تقدم نوعا من المياه المحلاة التي رشحت بطريقة تجعلها مستساغة للشرب أو الطهي. لكن هذه المياه لا ترتقي لتعريفنا لمصادر المياه الآمنة علاوة على إنها أكثر كلفة.

س. ما هي مصادر المياه التي يمكن الاستعانة بها؟

اعتادت إسرائيل في الماضي توفير كميات معقولة من المياه، إلا أن الطلب ارتفع مع زيادة السكان وباتت كميات المياه العذبة التي تقدمها إسرائيل بموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1993 أقل بكثير من الطلب. وهكذا فإن كميات المياه التي تحصل عليها غزة من المستودع الجوفي ومن إسرائيل لا تكفيها، رغم أن العديد من الدراسات أثارت هذه القضية. كان هناك أفكار لبناء محطة لتحلية المياه، واستيرادها من مصر أو من إسرائيل- المياه العابرة للحدود- إلا أن سلطة المياه الفلسطينية تدفع في الوقت الحالي في اتجاه إنشاء محطة مركزية لتحلية المياه بدعم من البنك الدولي. كما يأخذ مشروع آخر للبنك الدولي في الاعتبار تعزيز قدرة مؤسسات المياه الفلسطينية على إدارة قطاع المياه وبناء هذه البنية الأساسية المعقدة.

في نهاية المطاف، يحتاج الناس إلى الماء. ونحن في البنك الدولي نصنع التنمية، إلا أن عملنا في غزة يتسم أيضا بطبيعة إنسانية لأن الماء مطلب أساسي.

س. ما هو النهج الذي يسلكه البنك الدولي للمساعدة في التصدي لأزمة المياه؟

يعمل البنك الدولي عن كثب مع السلطة الفلسطينية اتساقا مع استراتيجيته الإطارية في مجال الأمن المائي. ونحن مهتمون بتطوير البنية الأساسية، بل ومهتمون أيضا بامتلاك المؤسسات للقدرة التي تمكن الحكومة من ضمان استمرارها. هذه مهمة صعبة.

وقد وضعت سلطة المياه الفلسطينية والجهات المعنية استراتيجيتهم الخاصة بالمياه للفترة من 2017 إلى 2022. وفي إطار هذه الاستراتيجية، فإن أحد الأهداف الرئيسية هي إنشاء محطات لتحلية المياه كمصدر غير تقليدي لمياه الشرب بعد أن نضبت الآبار الجوفية. وقرنت ذلك بإجراءات للكفاءة، ولهذا تراجع الفاقد من شبكة المياه، خاصة في غزة حيث دمرت البنية الأساسية نتيجة للعديد من الصراعات، وحدثت الكثير من التسريبات في المياه: لدينا مشاريع تعمل على ضمان استئناف الخدمة ورصد مواطن التسريب وإصلاحها.

ومن ثم، فإن الأولوية لتأمين المصادر والإمدادات، وبالطبع لتحسين إدارة المياه. لدينا مشروع لمعالجة مياه الصرف في شمال غزة، وهو واحد من أقدم المشاريع في سجلات البنك الدولي. بدأ هذا في شكل مشروع للاستجابة الطارئة، لكنه يعمل حاليا لوضع حل طويل الأمد يقضي باستعمال المياه المعالجة في الري، وتوفير المياه الصالحة للشرب لأغراض الشرب ولاستخدامات أخرى.

س. ماذا عن مسائل الإدارة العامة؟

تتضمن استراتيجية سلطة المياه الفلسطينية هدفا مؤسسيا وماليا يضمن الديمومة والاستمرارية الاقتصادية. وربما يكون هذا هو أكبر تحد يواجه غزة حيث نظام الحكم ليس معصوما، فضلا عن ضعف القدرة المالية عند الناس عن دفع ثمن خدمات المياه.

ونحن نفهم أن هناك قيودا: هناك أمور تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية وأخرى خارج نطاق سيطرتها. فالحصول على المياه من إسرائيل، فضلا عن إدخال المواد والخبراء هو خارج نطاق سيطرتها. ونحن نحاول التدخل على المستوى الفني لضمان وصول الخدمات. بالنسبة لمشروع معالجة مياه الصرف الذي ننفذه في شمال غزة، حصلنا أخيرا على موافقة من حكومة إسرائيل لتوصيل خط كهرباء مخصص فقط لتشغيل محطة معالجة المياه، وهو طلب قدمناه منذ ثلاث سنوات.

يتفق الجميع على أن البيئة لا حدود لها، ولذا فعند إنشاء محطة لمعالجة المياه، فإن هذا سيخدم مصالح جميع الأطراف وإلا فإن مياه الصرف ستغمر الجانب الآخر. إنها مصلحة متبادلة على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. ومن ثم فإن التصدي لهذه الضرورة ليس ترفا.

س. كيف حدثت أزمة المياه بهذه السرعة؟

اشتد الأمر حدة منذ نحو 15 عاما، عندما تدهورت إمدادات المياه سريعا وضاقت سبل الحصول عليها. دفعت أزمة المياه سكان غزة بالفعل إلى مغادرتها. إذا بدأنا في تطبيق إجراءات تأمين إمدادات المياه وتحسين إدارتها، فإن مستودع المياه الجوفية يمكن أن يُنقّى ويجدد نفسه. ولكن، إذا لم تتخذ هذه الإجراءات بحلول عام 2020- إذا لم تحل المياه الآتية من محطة تحلية المياه والتي تقدر بنحو 55 مليون متر مكعب من المياه سنويا محل المياه التي تُسحب من المخزون الجوفي، وإذا لم يتم بناء محطات معالجة مياه الصرف- فسنجد أنفسنا أمام وضع لا يمكن تغييره.

س. ماذا عن المناطق الفلسطينية الأخرى؟

في الضفة الغربية، يواجه الحصول على المياه تحديا أيضا. هناك بعض المناطق لا يتجاوز فيها استهلاك الفرد من المياه ما بين 25 و30 لترا، بينما توصي منظمة الصحة العالمية ب 120 لترا للفرد في اليوم، ويعود هذا في الأساس إلى عدم حصول سكان الضفة الغربية على المياه الكافية من مصادر إمدادها. موزعالمياة هو فلسطيني، إلا أن الكثير من موارد المياه في الضفة الغربية تخضع لسيطرة إسرائيل. يحتدم الطلب بشكل خاص في الصيف: في الخليل، لم تعد البلدية قادرة على توزيع المياه إلا مرة واحدة كل 21 يوما، ويثير هذا استياء المواطنين الذين لم يعودوا راغبين في الدفع مقابل الحصول على هذه الخدمة الرديئة. ورغم الظروف القاهرة، فإننا نعتقد أن من حق الفلسطينيين، مثل أي شعب آخر، الحصول على المياه والصرف المناسبين.